يخلد المسلمون في السابع عشر من شهر رمضان من كل سنة ذكرى غزوة بدر الكبرى، هذه الغزوة التي شكلت أكبر حدث في تاريخ الدولة الإسلامية، وسماها الله تعالى يوم الفرقان الذي فرق فيه بين الحق والباطل، حيث نصر الله أهل الحق والصدق على أهل الباطل والكذب. إنه يوم اختفت فيه المقاييس المادية لتحل محلها المقاييس الربانية إذ انتصر ثلاث مائة وأربعة عشر رجلا بفرسين وسبعين بعيرا فقط على أزيد من تسع مائة مدججين بالعدة والسلاح، فما سر هذا النصر؟

وفي كل سنة يقف علماء الأمة وعامتها على استنباط واستخراج الدروس والعبر، فمعين هذا الحدث التاريخي فياض لا ينضب تغرف منه كل فئات المجتمع، ويجد فيه كل واحد العديد من المواعظ التي تصحح مسار حياته، وتقوي صلته بربه.

في هذا الموضوع سنقف على مجموعة دروس تستفاد من سلوك النبي صلى الله عليه وسلم خلال مراحل هذه المعركة، وهذه الدروس أول من يجب عليه أن يستفيد منها هم الحكام والساسة.

الدرس الأول: الأخذ بمبدأ الشورى

لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بخروج قريش للحرب، استشار أصحابه فأشار عليه المهاجرون من خلال القولة المشهورة للمقداد رضي الله عنه: “والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} (المائدة: 24) ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك” رواه البخاري، فأشرق وجه النبي – صلى الله عليه وسلم – لقوله . لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – أراد أن يطّلع على موقف الأنصار، فهم أغلب الجند، وبيعة العقبة لم تكن تُلزِمُهم بحماية النبي – صلى الله عليه وسلم – خارج نطاق المدينة، فظلّ يردّد قائلاً: “أشيروا عليَّ أيها الناس”، فأدرك سعد بن عبادة مُراد النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، لا يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، إنا لصُبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسِر بنا على بركة الله).

فالرسول صلى الله عليه وسلم هو القائد، وهو المؤيد بالوحي، الواجب الطاعة، بحكم موقعه القيادي، وبحكم أن ميله لخيار الحرب كان بوحي من الله، وبحكم أنه يعرف نتيجة هذا الخيار وهو انتصار المسلمين، كان يمكن أن يفرض على من معه خيار الحرب بمجرد أن علم بنية قريش فيها، لكن كل ذلك لم ينسه صلى الله عليه وسلم أن يسن لأمته -وخصوصا للحكام- مبدأ الشورى، فظل يطلب المشورة حتى أشار عليه القوم برضاهم.

الدرس الثاني: معاملة الجند بالعدل والمساواة

وذكر أهل السير أن المسلمين لم يكن معهم في خروجهم سوى فرسين وسبعين بعيرا وكان من نصيب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعيرٌ يتعاقب عليه هو وأبو لبابة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فعرض أبو لبابة وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهما على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركا له البعير وحده بينما هما يترجلان طول الطريق، فقال لهما: “ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما” رواه أحمد.

هكذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قائدا مستبدا، فما أجمل هذه الصورة الخالدة التي خلدها التاريخ الإسلامي بمداد من ذهب: القائد يتناوب مع جنديين ولا يرضى بأن يفضلاه عليهما، يريد أن يكسب الأجر مثلهما، ويوظف قوته كما وظفا هما قواهما في سبيل الله. فأين حكامنا اليوم من هذا، حكامنا الذين يجلسون في ظلال القصور، ولا يرضون أن يمشوا على الأرض إلا وهي مفروشة ببسط الحرير، ولا يتفقدون أحوال الجند إلا مرة في السنة أو أقل من ذلك.

الدرس الثالث: القيادة الفعلية، والحضور الميداني

وبدأ النبي – صلى الله عليه وسلم – يُعدّ الناس للمواجهة المرتقبة، وبدأ بتنظيم أصحابه وتقسيمهم على ثلاثة ألوية، وجعل لواء الحرب عند مصعب بن عمير رضي الله عنه، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم استعرض أصحابه فأخرج الصغار ومنعهم من المشاركة في القتال، وكان من بين أولئك عبد الله بن عمر والبراء بن عازب رضي الله عنهما.

ولما اصطفّ الجيشان، قام النبي – صلى الله عليه وسلم – يتفقّد جنده، يقدم هذا ويؤخّر ذاك، ويشجّع الناس ويُسدي النصائح؛ فإن اللقاء المرتقب سيكون صعباً، وبعد التأكد من دور التعبئة النفسية، عاد إلى عريشه ليتمّم أسباب النصر بالدعاء فيستنصر ربه ويتذلّل لمولاه: “اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني”.

كل هذه الأحداث تبين المشاركة الفعلية للنبي صلى الله عليه وسلم، قيادة وتنظيما، وإسداء للنصح. هذه هي القيادة الحقيقية، والرئاسة عن جدارة. فما بال حكامنا اليوم جبناء لا يبرحون كراسيهم وقصورهم، ولا يخرجون إلا وهم محاطون بالدروع البشرية التي تحميهم حتى من هبات الرياح؟ ما بالهم يدفعون بالجنود إلى الموت ويخشونه هم أشد خشية؟ إن القائد الحقيقي هو الذي يكون سباقا لشعبه في مواقف السراء والضراء على حد سواء.

على حكامنا اليوم، وخصوصا هؤلاء الذين اختارتهم شعوبهم بعدما أطاحت بالطغاة المتسلطين، أن يعودوا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويهتدوا بهديه في قيادة الأمة بالعدل والشورى ومشاركة الأمة أفراحها وأحزانها على حد سواء، حتى تستعيد هذه الأمة مكانتها بين الأمم وقوتها ودورها القيادي للعالم، فكما قال بعض العلماء لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).