نثير في هذه المقالات الأربع مفهوم البيعة الشرعية التي وجب تمييزها عن البيعة العرفية، فالأولى أصلها الوحي الرباني، وزكاها الفعل النبوي، وأرسى مسارها تجربة الخلفاء الراشدين. أما الثانية فهي انقلاب تاريخي حفظ المسمى وأضاع المعنى، فوجب التفريق بين ما هو من الدين الذي يتعبد به، وما هو من التاريخ الذي ما زال فقهاء أهل السلطة الظلمة يُعمُّون على الناس ويقولون هي من عند الله، وما هي من عند الله. ولكن هيهات… فقد أسقط الربيع العربي نظرا وعملا التأويل الوحيد والبئيس لفقهاء الأحكام السلطانية أن الطاعة لأولي الأمر واجبة من غير شرط، وإنما يصوغ المستقبل أجيال شباب صاعد تحرر وعيه وإرادته من أسر التاريخ وما أثله الآباء على غير هدي الوحي الرباني، ليعيدوا السيادة للأمة بعد أن اغتصبها حكام لقرون طويلة.

البيعة الشرعية تعبير عن سيادة الأمة

تعد البيعة العقد الناظم للعلاقة بين الحاكم والمحكومين، فلا تعد للمسلمين جماعة حتى يبايعوا إماما، كما يُتوعد كل مؤمن بالميتة الجاهلية إن توفي وليس في عنقه بيعة، قال عليه الصلاة والسلام: “من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” 1 . إن البيعة بنص الحديث تعني أن المبايِع يبذل الطاعة للإمام المبايَع، وأنها ملزمة له، فلا يستطيع الفكاك عنها وإلا لحقه الوعيد الشديد بالميتة الجاهلية.

لقد عاش المؤمنون –ولا يزالون- في ضنك من أمرهم بين الوفاء لبيعة يعلمون أن من يحكمهم أول ناكث لها؛ وبين نزع أنشوطتها من أعناقهم فتعوزهم الحجة يوم القيامة.

إن تاريخ المسلمين السياسي هو تاريخ الموقف من البيعة، فمنذ تولية معاوية بن أبي سفيان ابنه يزيد، وأخذه البيعة له كرها من الأكابر، افترق العلماء والفقهاء والأعلام في كيفية التعامل مع الحدث الزلزال، فمن معلن قومته على الغاصب لحقوق الأمة؛ المبرئ ذمته؛ الغاسل حوبته بدمائه، إلى مبايع على مضض وهو مشفق على دماء الناس؛ مرجح أن الأوان ليس أوان الخروج لأن عصبة يزيد هي الأقوى يومها شوكة، إلى مسارع للمشاركة في البلاط السلطوي على أمل التقليل من أهوال دموية يزيد، إلى ديدان القراء المتقربين من كل ذي جاه وسلطان؛ البائعين دينهم بأبخس الأثمان… مواقف متباينة استمر حضورها في تاريخ المسلمين إلى اليوم.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 4/4الأسس الثلاثة في البيعة الشرعية للخلفاء الراشدين

روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنه ستكون هَنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف، كائنا من كان” 2 ، وفي حديث آخر: “إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما” 3 . إن الخطاب النبوي بالضرب بالسيف، وقتل الآخر إنما هو موجه للأمة باعتبارها صاحبة السيادة، والسلطة في خدمتها، لكن تحولا خطيرا طرأ على فقه سلفنا الصالح – وقد ألجئوا إليه اضطرارا وأصبح عند اللاحقين بعدهم عقيدة واختيارا – قلب المعادلة، حتى غدت وحدة الأمة غير ممكنة إلا إن تنازلت عن سيادتها في اختيار إمامها، وأطاعته الطاعة غير المشروطة. ومنذ ذاك الحين والسلطة في تضخم، والأمة في ضمور. نقول باصطلاح الوقت، تغير الحال من “دولة الشعب” إلى “شعب الدولة”.

واستمر نهج المدرستين، فسكت علماء أفذاذ عن جور الحكام وفسقهم ليحفظوا جماعة المسلمين من أن ينفرط عقدها، واستمرت قومات آل البيت وأئمة في الدين على امتداد تاريخ المسلمين تحاول رد الأمر إلى نصابه، لكنها منيت بالفشل الميداني لأسباب ليس هنا مجال حصرها. واستتب الأمر للملك العضوض، مما أسعف أصحاب مدرسة الحفاظ على بيضة المسلمين – بأي ثمن – بالحجة الميدانية في أن الخروج على أئمة الجور لا يجر على الأمة إلا مزيدا من الفتن والويلات، فأصبح للحكام العاضين مشروعية تاريخية تغالب الشرعية الدينية، حتى ندر مع تطاول الأمد القول بالخروج على الظلمة، روى الحافظ ابن حجر عن الحسن بن صالح: قولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور… قال: وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه) 4 . وبذلك قال القاضي عياض كما حكى الإمام النووي: قال القاضي: وقيل أن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم) 5 . نلحظ كيف استقر الأمر على ترك مقولات مدرسة القومة لانتصار الواقع على الشرع، لانهزام الوحي أمام التاريخ، أستغفر الله، فإنما هو ابتلاء الله لعباده، وقضاؤه الذي كان ماضيا إلى قدره، لا يرده راد. ولعل من أهم آثار الربيع العربي أنه أعاد الأمر إلى نصابه، وجعل الحكم عقدا مشروطا، والخروج على الحكام الظالمين شارة جهاد لا دعوى فتنة. فحيا الله شباب هذه الأمة الذين أرجعوا للأمة سيادتها.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 3/4سياق تأصيل البيعة العرفية

[1] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.\
[2] صحيح مسلم -كتاب الإمارة- باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع.\
[3] صحيح مسلم -كتاب الإمارة- باب إذا بويع لخليفتين.\
[4] ابن حجر العسقلاني: “تهذيب التهذيب”، دار الفكر، بيروت. ط1 /1984. 2/250.\
[5] شرح النووي على صحيح مسلم –كتاب الإمارة- 12/229.\