بعد الشرارة التي أطلقها محمد البوعزيزي رحمه الله بداية هذا العام، فيما سمي بالربيع العربي؛ سقطت ثلاثة أنظمة استبدادية فيما لازال النظامان السوري واليمني في حالة احتضار والباقون في قاعة الانتظار. إذ أصبح التغيير مطلبا عربيا وعالميا ملحا لا رجعة فيه.

في 23 أكتوبر من هذه السنة جرت أول انتخابات حرة ونزيهة في تونس من أجل اختيار مجلس تأسيسي حيث فازت حركة النهضة بأغلبية المقاعد. في نفس اليوم أعلن المجلس الوطني الانتقالي عن تحرير ليبيا بصفة كاملة عن نظام القذافي بعد قتال دام أكثر من ثمانية أشهر. كذلك تستعد مصر للخروج من المد والجزر إلى شاطئ الأمان بعد انتخابات مجلس الشعب التي تقدم فيها التيار الإسلامي.

وفي ظل تقدم المسار السياسي للثورة عموما نحو الاستقرار، يحتدم النقاش حول مستقبل الثورة وما إذا كان الربيع العربي قادرا على الانتقال من شعارات “الثورة” إلى تحديات “الدولة” من أجل بناء مؤسسات ديموقراطية.

في هذا المقال نحاول أن نستطلع بعضا من هذا النقاش الدائر بين جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في البلدان العربية مع الأخذ بعين الاعتبار التدخلات الاقليمية والدولية .

ونحن عندما نتكلم عن “الثورة” فإننا نعني كل تيارات المعارضة سواء كانت سياسية أو فكرية، علمانية أو إسلامية، يسارية أو يمينية، إصلاحية أم راديكالية؛ دون الدخول في تفاصيل هذه التيارات أو حجمها في المجتمع. ما يهمنا هنا هو نتائج مشروع التغيير ومستقبله، لا من يقوم به.

هذه التيارات تجمعها إرادة سياسية من أجل التغيير- كل من وجهة نظره- وتحقيق مشروع مجتمعي بديل، كما جمعتهم سنوات الرصاص والاعتقال والقمع.

ولكي نفهم هذا النقاش لابد أن نتتبع – بخلاصة غير مخلة- المحطات الرئيسية التي شكلت هذا الوعي الثوري من خلال مقاربة حوارية بين الماضي والحاضر والمستقبل.

1. الصدمة الاستعمارية

شكل الاستعمار صدمة قوية للعالم العربي والإسلامي، فلم يكن استعمارا عسكريا فحسب، بل كان تحديا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، كما شكل عامل وحدة وفرقة في آن واحد.

– عامل وحدة: حيث اجتمعت إرادة الكل على مقاومته عسكريا وسياسيا من أجل استقلال ظهر فيما بعد أنه غير مكتمل.

– عامل خلاف: حيث لأول مرة بعد 14 قرنا من التفكير من داخل المرجعية الإسلامية، على الرغم من التناقضات الداخلية، يجد المسلمون أنفسهم أمام تفكير من خارج المرجعية الإسلامية.

وهكذا انقسم المسلمون إلى فاعلين أساسيين: الاسلاميون يتخذون الاسلام مرجعيتهم واظهرت التجارب انحياز الجمهور إليهم. والعلمانيون وتركزوا في النخب الارستقراطية ويتخذون مرجعيتهم من تناقضات المجتمعات الغربية.

طالع أيضا  الانتخابات الرئاسية التونسية.. الكل خاسر

ولأكثر من نصف قرن، لم يتجاوز النقاش بين الطائفتين القضايا الفكرية الأيديولوجية خاصة حول “مرجعية” المشروع الثوري. بينما استغلت الطبقة الحاكمة هذا الغبش الفكري من اجل مزيد من الفساد وتكديس السلطة والثروة.

وللأسف الشديد لا زال هذا النقاش الأيديولوجي يستهوي كثيرا، في وقت أثبت الربيع العربي عن وعي تام – خاصة لدى الشباب – بمتطلبات المرحلة.

هذا يجرنا إلى التساؤل: هل نحن قادرون على تجاوز مخلفات الصدمة الاستعمارية؟ ونحن نتكلم عن مرحلة “الدولة” وتحدياتها ،إلى أي مدى سوف يظل خطر استعمار جديد قائما؟

2. صناعة التوتر

في ظل هذا الصراع الأيديولوجي، حدثت قطيعة بين هذين التيارين وصلت أحيانا إلى حد العنف والكراهية والعداوة.هذه العداوة جاءت ضمن سياسة ممنهجة غذتها الأنظمة العربية الديكتاتورية ومن ورائها القوى الاستعمارية، فيما يمكن أن نسميه “بصناعة التوتر”.

هذا السياسة تجلت فيما يلي:

– في التعامل مع المعارضة من خلال القمع والنفي والاغتيالات السياسية وشرذمة المعارضة وتشتيتها.

– الاختناق الاجتماعي أو صناعة الفقر والتوترات الاجتماعية.

– التجزئة بين الأقطار العربية من خلال افتعال صراعات وهمية ومشاكل شخصية ونفسية بين الزعماء العرب.

– التوتر مع دول الجوار(إيران، تركيا، دول الاتحاد الأوربي، دول جنوب الصحراء…)

هذه التركة الثقيلة من التوتر السياسي والاجتماعي والاقتصادي تطرح بإلحاح على الربيع العربي ومستقبله، برسالة أخرى:هل الثورة العربية جاهزة لتجاوز هذه السياسة ومخلفاتها وبناء الوحدة على أسس الحوار والتفاهم والتكامل؟

3. من “الخمينية” إلى “الأردوغانية”

جرت محاولات كثيرة للسيطرة على الحكم في العالم العربي، أغلبها عبر الانقلابات العسكرية وأحيانا كانت عبر الانتفاضات الشعبية أو عبر صناديق الاقتراع وهي الأقل.

الانقلابات العسكرية كانت وبالأعلى الأمة ليس فقط من حيث عدم تجسيدها شعارات الثورة فحسب بل لأنها شكلت أفظع ديكتاتوريات عرفها العالم.

الانتفاضات الشعبية (المغرب، الجزائر، تونس، الأردن، مصر…) لم يكتب لها النجاح لعدم استكمال الشروط الذاتية والموضوعية للثورة ثم لقوة العنف الموجه لها من قبل الأنظمة القمعية.

الالتجاء إلى صناديق الاقتراع كان محاولة من طرف الأنظمة الديكتاتورية لأجل امتصاص الغضب الجماهيري (الجزائر 1988، تونس 1989). في الجزائر فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ ب 90% من المقاعد، وفي تونس فاز حزب النهضة الإسلامي بأكثر من 20%.

ثم كان رد الفعل من قبل الديكتاتورية عقابا جماعيا للدولة والشعب على اختيارهما، حيث زج بالمجتمع الجزائري في حرب أهلية رعتها الديكتاتورية وباركتها فرنسا والانظمة الغربية من ورائها. أما تونس فدخلت في أسوء نظام بوليسي عرفه التاريخ.

طالع أيضا  هراجة: الملكيات العربية ليست بمنأى عن الربيع العربي

وحتى الأنظمة العربية التي تشكل الانتخابات والتعددية الحزبية جزء من ماهيتها (المغرب مثلا)، لم تكن هذه الانتخابات إلا مسرحية هزلية سخيفة وعبثية.

في ظل هذا المخاض العربي برزت تجربتان من خارج العالم العربي؛ الأولى هي الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه سنة 1979 وأثبت قدرتها على البقاء والاستمرار لثلاثة عقود رغم الظروف الدولية والإقليمية المعادية التي حاولت وتحاول خنقها.

جاءت الثورة الإيرانية مفاجئة للجميع – كما هو حال الربيع العربي اليوم- في ذروة الحرب الباردة وفي وقت كانت كل التكهنات ترشح الشيوعية لقيادة التحرر، لكن بينت الثورة الإيرانية أن الإسلام قادر على تحرير الشعوب من الاستعمار والاستبداد معا.

ونحن ندرس مستقبل الربيع العربي بإمكاننا أن نستفيد من دروس الثورة الإيرانية بطرحنا للأسئلة التالية:

– إلى أي مدى استطاعت إيران أن توفق بين أحلام الثورة وواقعية الدولة؟

– إلى أي حد استطاعت الثورة الإيرانية تحقيق الوحدة الوطنية والانسجام الداخلي؟

– كيف نقيم المردودية الديموقراطية لإيران الثورة؟ وهل بالفعل هناك استقرار على الديموقراطية؟

– هل استطاعت إيران الثورة أن تتحرر من الطائفية ومن ثقل الحمولة التاريخية للخلاف الشيعي السني؟

– ما هو نصيب الإنسان – الفرد من هذه الثورة: حريته، حقوقه، كرامته؟

– كيف نقيم علاقات إيران مع العالم – خاصة مع الغرب؟

– وفي النهاية كيف نفهم موقف الثورة الإيرانية الرافض للربيع العربي السوري؟

التجربة الثانية لم تتجاوز عقدها الأول، وجاءت من تركيا التي كان لها موقف مؤيد للربيع العربي من أول وهلة خاصة للثورة السورية.

خلال 8 سنوات حكمها حزب العدالة والتنمية التركي بزعامة طيب رجب أردوغان حققت تركيا قفزة نوعية على كل المستويات:

– اقتصاديا، صمدت تركيا أمام الأزمة العالمية رغم ارتباطها بالعالم الرأسمالي بشكل كبير.

– سياسيا، حققت تركيا-أردوغان استقرارا سياسيا على قاعدة الديموقراطية لم يشهدها تاريخ تركيا الحديث.

– دوليا، أصبحت تركيا لاعبا أساسيا في كثير من القضايا الدولية (فلسطين، الربيع العربي، العراق، القرن الإفريقي…) ووضعت حدا للعزلة السياسية التي فرضها عليها الاتحاد الأوربي منذ عقود.

– حاليا انتهاج تركيا لسياسة “0 مشاكل” مع العالم أدى إلى إقامة علاقات جيدة خاصة مع المحيط الاسلامي والعربي والمتوسطي.

طالع أيضا  الربيع العربي: من "الثورة" إلى "الدولة"الثورة وتحديات الدولة (2)

هذه الفوائد جاءت ضمن رؤية سياسية واضحة وشاملة وهادفة ومتكاملة يمكن تلخيصها فيما يلي:

– تجاوز الخطاب الأيديولوجي واتباع الخطاب الاجرائي البراغماتي.

– تبني الخطاب المعتدل المطمئن المنفتح والمتسامح قصد تقوية الجبهة الداخلية وتجنب الصراع.

– انتهاج سياسة مرنة ومتدرجة في جميع المجالات.

– دعم سياسة الحوار والتفاهم داخليا وخارجيا.

– دور المصداقية الأخلاقية التي يتوفر عليها الحزب في التسيير والإدارة والحكامة الجيدة.

– تغيير الصورة النمطية لحكم الاسلام التي تعني عند البعض قضايا الحجاب والزواج والطلاق والحدود إلى رؤية اعمق تشكل المحك الحقيقي لحكم الإسلام كقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

“الأردوغانية” أصبحت مثالا يستهوي كثيرا من البلدان العربية، خاصة لدى الإسلاميين كما ساعدت في تليين الموقف الغربي من صعود الإسلاميين إلى الحكم.

4. جوهر التجربة الانسانية

أمام الثورة العربية التجربة الانسانية الغنية بالدروس والعبر يجب أن تستفيد منها ما دامت تستحضر أمرين أساسيين:

أ‌. الاستفادة ضمن ثوابت الأمة وخصوصيتها باعتبار أي محاولة للإصلاح من خارج الثوابت إنتاج جديد للمحاولات الفاشلة التي عانت منها الأمة.

ب‌. أن لا يكون مستقبل الثورة هو ماضي الآخرين. بل يجب أن نأتي إلى الحكمة الإنسانية من أبوابها الواسعة وأن ندرس مستقبلنا بتواز مع مستقبل البشرية.

كيف ننسخ النموذج الغربي للديمقراطية وهو محل نقد حتى من الغرب نفسه؟ يجب أن نستفيد من الديموقراطية الغربية ونحن على وعي تام بهذه الانتقادات؟

كيف ننسخ النموذج الغربي في التنمية في حين أن 90 % من سكان العالم يعيشون في الفقر والتخلف والتهميش نتيجة لإخفاقاته؟

من حسنات هذه الأزمة العالمية أن الجميع مدعو للوقوف لحظة لمراجعة أسس هذا النظام الرأسمالي من أجل تصحيح مسار الانسانية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل هذا الكوكب قبل فوات الأوان.

إن الثورة العربية مدعوة للبحث عن بدائل ممكنة من أجل ديموقراطية أكثر مشاركة وفاعلية، ومن أجل تنمية اقتصادية أكثر عدالة وتوازن، ومن اجل مجتمع مدني فاعل؛ أخذا بعين الاعتبار كل الانتقادات الموجهة إلى النموذج الغربي الرأسمالي 1 .

——————————————–

المقال كتبته باللغة الإسبانية أواخر 2011 وكان النظام اليمني آنذاك لم يسقط بعد، والانتخابات المصرية لم تحسم بعد وأردت ترجمته إلى اللغة العربية لكي تعم فائدته القارئ العربي.


[1] من بين آخر هذه الانتقادات: إعلان إجماع برشلونة: من أجل بدائل متعددة الثقافات؛ وقعه أكثر من 250 مفكرا وناشطا عالميا www.consensusbarcelona.org\