لقد شرع الله تعالى الصيام من أجل أن تسمو النفس والروح إلى عالم الخير والطهر والنقاء والصفاء والفضيلة الذي يؤهلها للسعادة في الدارين يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.

وإذا كانت “التقوى” هي الحكمة والمقصد العام من صيام شهر رمضان فإن هناك حِكما ومقاصد جزئية للصوم نذكر منها على سبيل الإيجاز ما يلي:

1- الصبر

من أهم حِكم الصوم ومقاصده أنه يربي في الصائم ملكة الصبر والمصابرة، يقول أحمد الحبابي: من حِكم الصوم تربية ملكة الصبر على المكاره والمشاق، إذ مَنْ صبر طيلة أيام شهر كامل على احتمال مشقة الجوع والعطش سيما في الأيام الطوال الحارة فإنه يُرجى أن تتربى عنده ملكة الصبر في المواطن التي تحتاج إلى ذلك.)

2- الرحمة

من حِكم الصوم كذلك التربية على الشفقة والرحمة، فقد عَلِم الله تعالى أن الإنسان كثير النسيان لإخوانه البؤساء والمحرومين، قليل العطف على المعوزين والفقراء والمساكين، فأمره بالصوم حتى يذوق شيئا من آلامهم ومعاناتهم، فإذا رأى (الإنسان) أنه لم يصبر على الجوع يوما واحدا مع العلم أنه سيقدم إليه في آخره ألوانا من الطعام والشراب أدرك كيف لا يستطيع أولئك المحرومون أن يصبروا على الجوع أياما أو شهورا.

لهذا نجد الشارع الحكيم حث على الجود والكرم والإحسان والعطف خصوصا في شهر رمضان، فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، ولهذا أيضا نجده شرع زكاة الفطر في نهاية الشهر الفضيل وفي ذلك إصلاح اجتماعي، فعندما ينال الفقير قدرا من أموال الأغنياء تسود روح المودة والرحمة والتآزر والتآخي بين أفراد المجتمع فتتطهر النفوس من الضغينة والحقد والكراهية وينتشر التماسك والتضامن والتكافل.

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل(2): كيف نحيى رمضان؟

3- المراقبة

للصوم أثر كبير في استشعار مراقبة الله عز وجل في جميع الأعمال طيلة شهور السنة، فالصائم عندما يترك كل ما يرغب فيه أيام صيامه من أكل طيِّب وشراب عذْب وفاكهة شهية وكل ما يستهويه امتثالاً لأمر الله تعالى، فمن نتائج ذلك أن تتقوى لديه ملكة المراقبة والمحاسبة بقية شهور السنة.

4- الأمانة

يعتبر الصوم فرصة لتربية ملكة الأمانة في شعور الصائم ووجدانه، إذ من عرف بأن الصوم دَيْنٌ عليه وأمانة في عنقه، ثم قام بواجبات هذه الأمانة ووفَّى حقوقها، كان أحرى بأداء العبادات والمعاملات الأخرى على أحسن وجه.

5- النظام

تربي فريضة الصوم في نفسية الصائم ملكة النظام في جميع أعماله، فحينما يلتزم وقتاً محدداً لصومه وإفطاره وسحوره وقيامه وتلاوته للقرآن وزيارة الأهل والأقارب فإن ذلك يربي عنده حب النظام والمحافظة على ترتيب الأعمال، إذ لا يليق بالإنسان أن يترك الأمر للمصادفة والفوضى، فيأكل ويشرب بغير موعد وبدون حساب، فذلك مفسدة للصحة ومتلفة للمال ومضيعة للمصالح وجناية على الفرد والجماعة.

6- الوحدة

في شهر رمضان يتجلى مظهر الوحدة بين المسلمين، فهم جميعا يُمسكون عن كل مفطر في وقت واحد قبل مطلع الفجر، ثم يُقبلون جميعا على الإفطار في وقت واحد عند غروب الشمس.

.. وللصوم فوائد صحية

لقد توسع الأطباء في ذكر فوائد الصوم ومما قالوه في هذا الصدد: أن الصوم ينفي الفضلاتِ المتعفِّنةَ من المعدة والأمعاء، ويريحُ جهازَ الهضم بعض الوقت من عناء العمل، فليس لبعض الأمراض من علاج إلا الحِمْيَةُ والصوم نوعٌ من الحمية بل فوقها، فالمصاب بالتهاب الأمعاء المزمنة والتهاب القولون المزمن يستفيد من الصوم كثيراً، وكذلك المصاب بقصور كبدي إذا اعتدل في إفطاره.

كما أن الصوم مفيد في تخفيف الوزن بأسرع وقت وأيسر طريقة، ومفيدٌ في ارتفاع الضغط الشرياني وفي التهاب الكلَى والحصواتِ البولية والسمنة، وهو مفيد كذلك في أمراض القلب المزمنة التي تصحب البدانة والضغط العالي، ومفيد في علاج الاضطرابات النفسية وكذا في زيادة النشاط وإبطاء السير نحو الشيخوخة.

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل (3): وقفات مع المرأة في شهر الصيام

كما أن له فوائد عظيمة على الجهاز العصبي، يقول الدكتور محمد محمد أبو شوك في مقال له بعنوان “الصوم والجهاز العصبي”: روحانيةُ الصومِ، وما تفيضُه من صفاءِ النفس، وتهذيب الروح، والصبرِ على احتمال المشاق، والعطفِ على الفقراء والمحتاجين، والبعدِ عن التردي في الشهوات وما تجرُّه على الفرد من ويلات، وتـزكية النفس بالأخلاق الفاضلة من صدقٍ في المعاملة، وأمانةٍ في تأدية العمل، والبعد عن الغضب، والانتقام، ونقاءِ النفس من الحقد والحسد، والبغضِ للناس، كل هذا يُضْفي على النفس البشريةِ روحَ السلام، والمودة، والمحبة، والصفاء التي بدورها تؤثر على الجهاز العصبي للإنسان، والذي يهدأ الجسم لهدوئه، ويثور لثورته.

وبثورة الجهاز العصبي تثور باقي الأجهزة التي تحفظ للجسم كيانه، فيا لها من حكمةٍ إلهيةٍ تجعل الصائم -حقاً- مَلِكاً في صورة إنسان، ليسعد بحياته ويسعد به الآخرون … فإلى من يترددون على عيادات الأطباء طلباً لدواء يذهب عنهم التوتر العصبي والإنهاك العصبيَّ والأرقَ والكآبةَ وغيرَها من الأمراض التي تذهب بالعقول: هاكم رمضان، لو تمسكتم بروحانيته، وما يضفيه على نفوسكم من خير، لما احتجتم في يوم من الأيام إلى ما لا نهاية له من علاج ودواء).

لكن رغم هذه الآثار النافعة المفيدة والأسرار العظيمة البديعة للصوم فيجب أن ننبه على أنها ليست الغرض من التشريع والمقصود من التكليف، وإنما هي آثارٌ ومقاصد تابعةٌ للمقصد الأصلي وهو العبادة، لذلك فنحن عندما نريد صيام شهر رمضان فإننا نصومه لأن الله تعالى أمرنا به وفرضه علينا، وعلى هذه النية يجب أن يكون صيامنا للشهر المبارك حتى نحقق منتهى العبودية لله عز وجل.

.. ختاما

فقد شُرع الصوم في الإسلام إيقاظا للأرواح، وتصحيحا للأجساد، وتقوية للإرادة، وتعويدا على الصبر وتربية لمشاعر الرحمة وتدريبا لكمال التسليم لرب العالمين، ولم يشرعه كأداة لتعذيب الجسد للارتقاء بالروح كما يقول بعض أتباع الديانات الأخرى.

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل(5): نداء العشر الأواخر

فلنجعل من رمضان أخي الصائم/أختي الصائمة، موسما لطاعة الله ومضاعفة الخيرات، والعطف على الضعفاء و المحرومين، فالله جعله للقلب والروح فلا نجعله للبطن والمعدة فحسب، وجعله للحِلم والصبر فلا نجعله للغضب والطيش، وجعله للسكينة والوقار فلا نجعله للسباب والشجار، وجعله تهذيبا للغني ومواساة للبائس فلا نجعله معرضا لفنون الأطعمة والأشربة تزداد فيه تخمة الغني بقدر ما تزداد فيه حسرة الفقير، ولنجعل منه دورة تدريبية وورشة عمل تطبيقية لمقاصد الصوم الكلية والجزئية حتى يستشعرها المسلم وهو صائم ليجد نتائج صيامه بقية شهور السنة.