لم يكن المرء يتصور أن يصل اللعب بالدين والاستخفاف بعقول الناس إلى هذا المستوى من الانحطاط والافتراء، عندما يشبه وزير خانه التوفيق الطقوس المذلة والمهينة للكرامة البشرية التي يشهدها “حفل الولاء” ببيعة الرضوان التي بايع خلالها الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في العام الذي خرج فيه إلى الحديبية في 1400 رجل وامرأة، حيث شاع فيهم أن قريشا قد قتلت سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ بعثه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا عليه الصلاة والسلام الصحابة إلى المبايعة على الموت وألا يفروا من القتال. وقال عنها البراء بن عازب رضي الله عنه: تعدون الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية). وقال سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فيما رواه مسلم: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: “أنتم خير أهل الأرض”، وقد أنزل الله فيها آياته العظيمة في سورة الفتح: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة. كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار”.

فماذا يريد أن يقول لنا الوزير بربطه الحفل ببيعة الرضوان المباركة وما عرفته وما ترتب عنها؟ هل من حضر “حفله” يعد “خير أهل الأرض” وممن “لهم فتح مبين”؟ وهل يصح القياس مع وجود الفارق؟ أليست هذه قمة الاستهتار بالدين، وبمشاهده التاريخية العظيمة التي حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر الوحي بفضلها وفضل من حضرها، والتي وقعت ضمن نظام شوري وحر غير مكره للناس على شيء؟ فأين هذا من منطق الأنظمة الاستبدادية الملغية لإرادة الأمة ولحقها في الشورى الحقيقية وفي حريتها في اختيار من يحكمها ومحاسبته، وفي حقها في العدل وفي العيش الكريم وفي حفظ هوية الأمة؟

ومما قاله السيد الوزير إن إمارة المؤمنين خلافة عن الرسول صلى الله عليه وسلم) وإن المَلِكَ وهو ممتط صهوة فرسه وفوق رأسه مظلة تشبه الشجرة التي وقعت تحتها المبايعة للرسول صلى الله عليه وسلم)… إن ما قاله يعد بمثابة فتوى تقضي ترحيل سكان العالم الإسلامي “وحكامهم” إلى المغرب ليشهدوا ما يؤصل له الوزير.

وهل ركع الناس، أثناء بيعة الرضوان المباركة، لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو سجدوا له؟ كلا.

إن البيعة كانت مصافحة يدا بيد. وهو صلى الله عليه وسلم الأكرم على الله، فداه آباؤنا وأمهاتنا، لكنه الإسلام الذي جاء ينص على عبادة الله وحده وعلى كرامة بني آدم أحرارا محترمين، لا أن يعبد بعضهم بعضا أو يخضع بعضهم لبعض أذلة. فما رأي العلماء في هذا العبث بالدين؟

ويجدر في هذا السياق التنصيص على ما يلي:

– إن ما قاله الوزير افتراء واضح على شرع الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

– إن ما قاله الوزير توظيف لنصوص الشرع والسنة الشريفة من أجل تبرير طقوس مخزنية مغرقة في التخلف والإهانة للكرامة الآدمية.

– إن البيعة في الإسلام بما هي مبايعة بين طرفين لها معنيان:

* الأول هو المعاهدة الظرفية على أمرٍ ما كما عاهد الصحابةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يوم بيعة الرضوان على مواجهة كفار قريش وعدم الفرار إن كانت قريش فعلا قد قتلت سيدنا عثمان رضي الله عنه. فترتب عنها ما رأينا من عظيم الفضل في الدنيا وفي الآخرة، إذ كانوا عام الرضوان 1400 رجل وامرأة وارتفع عددهم بعد سنتين عام فتح مكة إلى 10000 (عشرة آلاف).

* والمعنى الثاني للبيعة هو اختيار الحاكم على أساس برنامج تعاقدي مع الأمة، وهو حق حصري للأمة مارسته عصر الخلافة الراشدة عن طريق التفويض لنخبة مؤتمنة صالحة تنوب عن الأمة في هذا الاختيار، قبل أن تتيسر السبل اليوم لتمارس الأمة هذا الحق عبر صناديق الاقتراع فتختار الحاكم بكل حرية وديمقراطية، كما أنها تحاسبه على أفعاله وسلوكه وتصرفاته وثرواته، ولها الحق الكامل في عزله إن أخل بما التزم به وفق آلية دستورية واضحة. ولا عبرة بما سنه سلاطين الملك العاض، الذين انقضُّوا على الحكم الراشد منذ بني أمية، من تشويه لهذا المعنى الجليل عن طريق إخضاع الناس للاستبداد كرها وقهرا وظلما، وتوظيف المتملقين من العلماء الذين باعوا دينهم بلُعَاعة من الدنيا. فبئس ما صنعوا.

فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (سورة البقرة).