1- استهلال

عاشت الأمة الإسلامية لقرون مديدة تحت وطأة حكام الجبر، الذين ساموا الأمة صنوف القهر والويلات، حتى كادت تكون أمتنا فريدة من نوعها من جراء طول معاناتها وطول صبرها، كما يرى البعض وفي اعتقادي ليس هذا صبرا وإنما “خنوع” لعصابة غارت بليل على أمور المسلمين، وتسلطت على شؤون الحكم، فقبول الظلم والرضى به يسمى خنوعا، خصوصا إذا كان ديننا يحرم الظلم ورب السموات والأرضين يقول: وما الله يريد ظلما للعباد 1 . وفي حديث رواه سيدنا أبو در الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” 2 . والظلم ظلمات يوم القيامة، وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم” 3 . والظلم كما عرفه علماؤنا الأجلاء من أهل اللغة هو وضع الشيء في غير محله، ولعل من أعظم الظلم أن تستباح الأمة لقرون من طرف من نصبوا أنفسهم حكاما لها، بدون أدنى مقومات أو ضوابط شرعية ولعل أبرزها غياب الشورى في الاختيار.

أسلئة مؤطرة للنقاش

ماذا نقصد بالاستكبار؟

وما هو مفهوم الاستضعاف؟

2- تحديد المفاهيم

أ– مفهوم الاستكبار

«الاستكبار» يرجع في اللغة إلى الاستعظام، والتعاظم، واستكبر الشيء: رآه كبيراً وعظُم عنده، وأَكبَرتُ الشـيءَ: أي استعَـظَمتُه، واستِـكبَارُ الكـفَّار ألاَّ يقـولـوا لا إله إلا الله، والتكَبر والاستكبار، التَّعظُّم، وقد تكبر، واستكبر، وتكابر، وقيل: تكبر، من الكبر) 4 .

الاستكبار في الاصطلاح فهو أن يرى المرء نفسه أكبر من غيره، طالباً ذلك بالتشبع وهو التزيين بأكثر مما عنده) 5 . والاستكبار ليس صيغة للتكبر ونوعا من الشموخ يوصف به الفرد الأناني المستعلي، وإنما هو وجود تكتل اجتماعي سياسي اقتصادي، يطأ المستضعفين ويعلو في الأرض بغير الحق ويفسد فيها ويصد عن سبيل الله) 6 .

ب– الاستضعاف

الضعف والاستضعاف كلمتان مشتقتان من أصل واحد في اللغة، ولكن بينهما فرق شاسع في المعنى فالضعف حالة جسمية أو ذهنية في الإنسان سببها طارئ أو حدث من حوادث الدنيا أو الخلقة، وهي تسقط عن صاحبها بعض الواجبات المناطة لحسب نوع الضعف ودرجته، قال تعالى ليْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُور رَّحِيمٌ 7 . أما الاستضعاف في المفهوم القرآني فهو حالة من الضعف الظاهري الطارئ في حياة الإنسان، بسبب الظلم والجور والتسلط من جهة المستكبرين وتجريدهم الناس حقهم في السياسة والاقتصاد والفكر، وهو مذموم في القرآن، مادامت الوسائل الشرعية قائمة والسبل مشرعة للوصول إلى الحقوق المسلوبة ولو كانت تلك السبل صعبة وشائكة.

طالع أيضا  الأمة بين منطق الاستكبار ومطلب التحرر من عقلية الاستضعاف (3)

والاستضعاف هو فعل واقع على المستضعفين، إنه ظلم الغني بالجاه أو المال لمن لا سند له في مجتمعاتنا الغثائية، وإنه استهزاء المستهزئين من الملاحدة الساخرين بكل ما هو إسلام وإيمان وغيب، بهذا يلتقي على صعيد الاستضعاف المسكين المظلوم على قلة ماله وجاهه والمؤمن المستهزأ به على إسلامه 8 . ونتيجة لهذا الواقع من الاستضعاف والاستكبار تحكمت في الأمة عقبات:

– عقبة الأنانية المستعلية أو المتمتعة: يعوق أصحابها عن اقتحام العقبة امتلاء مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه، قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس!) 9 .

– عقبة الذهنية الرعوية: وهي ذهنية النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر أولئك قوم يحق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق”) 10 .

– عقبة العادة الجارفة: العادة الجارفة للمجتمعات المسلمة في تيار التبعية للوضع السائد، المانعة لنا أن نعرف معروفا بميزان الشرع، أو ننكر منكرا يذمه الشرع. فتنة!) 11 .


[1] سورة غافر الآية 31.\
[2] رواه مسلم.\
[3] رواه مسلم.\
[4] لسان العرب، لابن منظور، دار صادر، بيروت، 1412هـ ـ 1992م، مادة «كبر» (مذكور).\
[5] الكليات للكفوي، مقابلة وإعداد عدنان درويش، ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1412هـ ، ص 28 (مذكور).\
[6] الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، للأستاذ عبد السلام ياسين ص 122.\
[7] سورة التوبة 91.\
[8] الإسلام غدا للأستاذ عبد السلام ياسين ص 846.\
[9] المنهاج النبوي، ص 15.\
[10] نفسه.\
[11] نفسه.\