أهل علينا شهر رمضان المبارك بنفحاته وبركاته، وظللنا بنوره وهداه، وجاءنا بما يبارك أيامنا ويرقق قلوبنا ويقوي عزائمنا ويمنحنا فسحة للتقرب إلى المولى عز وجل، وحافزا لتوبة تَجُبُّ ما قبلها في نفوسنا، ودافعا للإعداد لمستقبل عزيز يجُبّ ذل ما ضاع من عمر الأمة.

هذا هو رمضان، شهر الجهاد الأعظم، جهاد النفس، لازمةِ كل جهاد.

جهاد النفس جهاد عظيم لأن العبد يسعى به إلى ترويض من هي أشبه بفرس جموح ألفت الركض في البرية بغير قياد، وطال عليها الأمد فيما استحلته من المراعي المهلكة. فهو أمر عسير، إلا على من يسره الله عليه، أن تستقيم هذه النفس اللعوب على أمر الله وعلى مقتضيات العبودية التي خلق الله الخلق من أجلها، وعلى ما يشق عليها من ترك ما تشتهي من المرغوب في سبيل رضا المحبوب.

وإن جهاد النفس لهو أشق على النفس لأن الاستقامة على أمر الله هي أكبر من مجرد الامتناع عن الأكل والشرب وما إليهما، بل هي إخلاص النية لله تعالى، وحرص على المضغة المزروعة في الصدر، وحراسة مشددة لأبوابها ومداخلها أن تتسرب إليها الخواطر الدنية التي يحجب غمامها أنوار الوحي، أو تفترَ فيها حرارة القربات والطاعات، أو يدبَّ فيها طول الأمل المفضي إلى الغفلة.

ولا يتم تمام جهاد النفس حتى يمد العبد عينيه إلى ما يكابده الفقير الذي تستوي عنده الأيام بين مد الجوع وجزر العطش وشد الحاجة في رمضان وفي غير رمضان، وحتى يقتطع مما رزقه الله ما يطهر به نفسه من شحها ويرقق به غلظة قلبه ويرقى به في مدارج المولى عز وجل، وحتى يتهمم بهموم أمته التي فتنها تداعي الأكلة عليها من الخارج، واسترقها الاستبداد المزمن من الداخل.

لقد كان تململ الأمة، قبل عام ونصف العام، بشارة لعودة الحياة إلى أوصالها وقد يئس الكثيرون منها وكبّروا عليها أربع تكبيرات إيذانا بموتها، وتكللت حركة الشعوب المستضعفة بسقوط بعض رؤوس الفساد والاستبداد أذناب الاستكبار العالمي، وتدفقت من شرايين الأمة دون ذلك دماء ودماء ولا تزال، وتيتم الأطفال وترملت النساء ونُكّل بالطاهرين والطاهرات في الميادين… مصائب تكشف حقيقة بواطن من تولوا أمرنا غصبا من غير استحقاق ولا مشورة، وتفضح همجية من استبدوا بالحكم من الذئاب البشرية التي لبست لبوس الحريصين على شعوبهم.

فها هي الشام الجريحة تئن تحت وطأة الذئاب والثعالب التي استقوت على الأطفال والنساء والشيوخ في مجازر يشيب لها الولدان وتدع الحليم حيران، وفضحت من زعموا أنهم إنما يستعدون للمواجهة الحاسمة مع العدو الصهيوني الذي كُفي القتال بما يفعله وكلاؤهم فينا! وها هم إخواننا في بورما يواجهون تصفية جماعية و”تطهيرا” عرقيا لا نصير لهم فيه إلا رحمة الله…

إنه مع كل محاولة للاستفاقة من رقدة الأمم تدفع أمتنا أغلى الأثمان من دماء أبنائها الغالية… ولكنها ضريبة الحرية. وفي كل مرة تتململ أوصال الشعوب للانبعاث من رماد قرون الاستبداد يتكبد الناس آلام المواجهة ومرارة الفتنة… ولكنها زكاة الكرامة. وكلما قام رجال وتجرأوا على قول كلمة “لا” في وجه سلطان جائر يأمرونه وينهونه أوعدهم بالموت الزؤام سَجنا وحصارا وتشريدا وقتلا… ولكنها أمانة الشهادة بالحق الذي أخذ الله عليهم العهد لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ومهما سفك الظالمون من دماء حرائر وأحرار هذه الأمة، ومهما حاولوا وأد كلمة أهل الحق فيها وحصرها عن أن تبلغ أسماع الناس وقلوبهم، ومهما أجلبوا على رجال الله الصادقين بخيلهم ورجلهم، فإن لِزَمن الظلم حدودا لا سلطان لجبروته بعدها، ولصولة الحق على الباطل غاية لا ريب فيها: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق

نعم، لقد طال ليل الأمة وهي تترنح بين مخالب الظالمين وأنيابهم، ولكن لا بأس… ولكن لا يأس: إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟