تحتل صلة الرحم أهمية بالغة في البناء المجتمعي في الإسلام، لذا أولاها القرآن الكريم والسنة المطهرة عناية كبيرة، ترغيبا فيها وحثا عليها، وتحذيرا من عواقب تركها وقطعها.

قال تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. أولوا الأرحام الذين تقصدهم الآية هم: الوالدان في المرتبة الأولى، ثم ما يتفرع عنهما من الإخوة والأخوات وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات والأعمام والعمات وأولادهم والأخوال والخالات وأولادهم. هؤلاء أوجب الإسلام دوام صلتهم ورتب على ذلك الأجر الوفير ونهى عن قطعهم ورتب على ذلك الوعيد الشديد.

وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بصلة الرحم

رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ ‏أبي ذَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ‏‏“أَوْصَاني خَلِيلِي بِخِصَالٍ مِنَ ‏الخَيْرِ، أَوْصَاني أنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ ‏هُوَ دُوني ولا أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ ‏فَوْقِي وَأَوْصَانِي بِحُبّ المَسَاكينِ ‏والدُّنُوّ مِنْهُمْ وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وإِنْ كَانَ مُرّاً وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ ‏أَدْبَرَتْ (قطعت) وَأَوْصَانِي بِأَنْ أُكْثِرَ مِنْ ‏قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ الاّ باللهِ فإنها كنز من كنوز الجنة”.

فضل صلة الرحم

1- الزيادة في العمر والرزق

فقد روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه”، ومعنى “ينسأ له في أثره” هو أن يؤخر له في أجله ويزاد فيه، والزيادة هنا بمعنى البركة في العمر وذلك بالتوفيق إلى الطاعات وفعل الخيرات، والصدقات الجارية التي يظل أجرها وثوابها موصولا بعد موت صاحبها.

2- صلة العبد بالله

روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله”.

3- تكميل الإيمان

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”.

الواصل الحقيقي هو الذي يصل رحمه إذا قطعت

ليست صلة الرحم في الإسلام تقوم على الفعل ورد الفعل، بحيث نصل فقط إذا وُصلنا، ونقطع إذا قُطعنا، وإنما هي عطاء مستمر دون انتظار مقابل. فالمسلم إنما ينعت بالواصل الحقيقي عندما يصل الرحم التي قطعته، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها”، إنها قمة الشيم والأخلاق الإنسانية في الكون أجمع، إنها روح التسامح التي طالما حلمت المجتمعات البشرية بتحقيقها.

صور الصلة في الإسلام

تتعدد صور صلة الرحم في الدين الإسلامي، وتتنوع تنوعا يتيح لجميع أفراد المجتمع ممارستها، فقراء وأغنياء على حد سواء، ومن هذه الصور:

1- الإنفاق والإحسان: أي المساندة المادية في إطار التكافل الاجتماعي الذي يعتبر صرحا أساسيا من صروح بناء مجتمع قوي ومتماسك. وقد رغب الإسلام في التصدق على ذوي الرحم لما في ذلك من منافع، فقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والنسائي: “الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الأرحام ثنتان: صدقة وصلة”.

2- المؤازرة والمواساة: الفرح لفرحهم، والحزن لحزنهم، وتقديم الدعم النفسي لهم في حالة الأزمات، وتصبيرهم على المصائب.

3- الإرشاد إلى الطريق الصحيح: وإنقاذهم من طرق الضلال والهلاك والكساد، في إطار حب الخير للجميع.

4- تفقد أحوالهم والسؤال عنهم: لاسيما في المناسبات الدينية الكبرى كالأعياد.

عقوبة قطع الرحم

ونظرا لما لقطع الرحم من خطورة على تفكك الروابط الاجتماعية، وهدم لأسس مفهوم الجماعة الذي جاء به المشروع البنائي في الإسلام، فقد رتب الشرع عقوبات خطيرة على قطع الرحم أبرزها:

1- اللعنة: فقد قال تعالى: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار سورة الرعد الآية 25، ومعلوم أن اللعنة أقصى العقوبات لأنها تخرج من رحمة الله وكنفه، وتكل المرء لنفسه وللشيطان. وقال أيضا: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، سورة محمد الآية 22.

2- الحرمان من دخول الجنة: أمل كل مسلم في هذه الحياة أن يدخل الجنة غدا عند لقاء الله، فأي خزي أكبر من أن يُحرم هذه الأمنية؟ روى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يدخل الجنة قاطع” قال سفيان يعني قاطع رحم.

إن الهدي الإسلامي في تنظيم العلاقات بين الأفراد وخصوصا الذين تجمعهم قرابات دموية واضح القصد نحو تشييد مجتمع متماسك ومتآزر يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص، وهذا ما لم نجده في ديانة أخرى ولا في المواثيق الدولية ولا القوانين الوضعية، التي أكثرت الحديث مؤخرا عن قيم التسامح والتعايش في ظل تزايد العنف وانتشار روح الانتقام والبغضاء بين بني البشر.