مرحبا بك أيها القارئ الكريم في حلقتنا الثانية من هذه السلسلة الخاصة بشهر رمضان المعظم. نسأل الله تعالى أن يعيننا على الصيام والقيام ويوفقنا لفضائل الأعمال.

كما لا يسعنا بين يدي هذه الحلقة الثانية إلا أن نجدد الترحيب بالضيف الكبير والزائر العزيز فـأهلا بطلعتك الميمونة أيها الشهر الكريم، ومرحبا بطالعك السعيد أيها الطبيب الحاذق والآسي الحكيم، لقد أطل نجمك من سمائه ينادي على الدهر وهو طائر بقافلة البشر من غير اكتراث ولا حذر أن قف – يا دهر – بأبناء البشرية رويدا، فقد أرهقتهم بمفاتنك، وخدعتهم ببهارجك، واستعبدتهم بغرورك، وشغلتهم حتى عن علاج أنفسهم وتغذية أرواحهم، وسلخت من عامهم أحد عشر شهرا كاملة تشابهت أيامها ولياليها، وطفحت أحداثها بمآسيها، كفى كفى يا دهر، فقد أجعتهم من كثرة ما أكلوا، وأظمأتهم من طغيان ما شربوا، وأرقتهم من طول ما ناموا، وأتعبتهم أضعاف أضعاف ما استراحوا، قف – يا دهر – بأمر من خلقني وخلقك، فإن الناس أكرم على الله من أن يتركهم فريسة لختلك وخداعك، وهو سبحانه أرحم بهم من أن يفرقهم بشهواتك وأحداثك )إن الله بالناس لرؤوف رحيم، هنالك وقف الدهر وسكن، وجنح إلى الهدنة وركن، ولكنه وقف بالمرصاد ينتهز الفرصة وينتظر الكرة، فماذا أنت صانع أيها الإنسان؟).

أخي الكريم/ أختي الكريمة: يحتاج الإنسان في هذه الحياة مع كثرة أشغاله وأعبائه، وتنقله بين شؤون حياته إلى لحظاتِ صفاء يحلق فيها بروحه في الملإ الأعلى، يرفع فيها يديه إلى السماء راغبا راهبا راجيا ومتزلفا، يطلب ما عند الله عز وجل من فضل وكرم وإحسان، يراجع فيها حساباته ويزن فيها أعماله.. لحظات معدودة ينطلق بعدها في ميادين العمل والعطاء والأيام والليالي وقد صَفَت نفسه وتوقدت همته.

وفي شهر رمضان الأبرك يجد الإنسان حظا عظيما ونصيبا كبيرا من مثل تلك اللحظات، فهو محطة صفاء ولحظات نقاء، يصفي فيها المرء روحه وينقي فيها قلبه مما علق به من أكدار، فهو شهر التجليات والنفحات والرحمات، وشهر المغفرة والعتق من النار، وشهر المراجعة والتزود، مراجعة الأحوال والتزود للمآل.

فما من ليلة من ليالي رمضان ويوم من أيامه إلا ويحملان منحا إلهية وعطايا ربانية وأجواء روحانية بينتها لنا الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرناها في الحلقة السابقة. أفلا يحدونا الأمل لنتعرض لتلك المنح والعطايا والأنوار والأسرار في هذا الشهر الكريم؟.

أخي الصائم، أختي الصائمة: هاهي الإمدادات الغيبية والألطاف الإلهية أعدت لنا الأجواء الطاهرة لتعيننا على صلاح قلوبنا وصفاء أرواحنا وطمأنينة نفوسنا، فهيا بنا إلى برنامج عملي يكون دليلا لنا في هذا الشهر العظيم اغتناما لفضيلة الزمان.

1- إذا طرق سمعك أنْ غدا رمضان فاجلس مع نفسك جلسة محاسبة ومصارحة، واعقد العزم على أن يكون شهر رمضان لهذه السنة شهر التوبة والرجعى والولادة الجديدة، وبأن يكون محطة فاصلة بين زمنين في حياتك. واستعن على ذلك بالدعاء وبإلحاح لأن الله يحب العبد الملحاح.

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل(4): من حِكَم الصوم وفوائده

2- حافظ على الصلوات الخمس في المسجد (ونفسي أعني أولا) مع الحرص على تكبيرة الإحرام – ما أمكن – وتذكر أن الفريضة في رمضان كسبعين فريضة فيما سواه.

3- أكثر من نوافل الصلاة، وحاول أن تكون اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة – على الأقل ومن زاد زاده الله من فضله وكرمه – وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى في اليوم والليلة اثني عشرة ركعة تطوعا بنى الله له بيتا في الجنة” (رواه مسلم). وتذكر أن النافلة في رمضان كالفريضة فيما سواه.

4- رتب لنفسك وردا من القرآن الكريم إذ أنت في شهر القرآن، والقرآن نور وعليه مدار طب القلوب وإعدادها لتمتلئ إيمانا قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، واجعله حزبين في اليوم – على الأقل وإلا فيجب أن نختم ختمات في هذا الشهر الفضيل – حتى تختمه في نهاية الشهر، واعلم أن دعوة مستجابة تنتظرك عند الختم.

5- حافظ على صلاة التراويح في المسجد وأحيانا في البيت مع أسرتك.

6- حافظ على تناول وجبة السحور ولو بجرعة ماء، فالله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين.

7- جاهد نفسك لتحافظ على صلاة الليل “أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام” (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح)، وتذكر أن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ فلا يكُنْ منادي الفلاح ينادي وأنت نائم، وتعرض لهذه المنحة الإلهية العظيمة ولا تنس أنك في شهر الاجتهاد ومضاعفة الأجر والثواب.

8- لا تنس أن تدخل في “الوقت الإلهي” وهو الوقت الذي حدد الله فيه نوع العبادة، ومن ذلك الاستغفار بالسحر، فاجتهد أن تجلس قبيل أذان الصبح للاستغفار لتكون من “المستغفرين بالأسحار”.

9- حاول أن تحافظ على جلسة الشروق الممتدة من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس مع صلاة ركعتين فذاك زمن مبارك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة، تامة تامة تامة” (أخرجه الترمذي وصححه الألباني).

وظِّف هذه الجلسة للذكر وتلاوة القرآن والتسبيح بحمده فسبِّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.

10- حافظ على أذكار الصباح والمساء فهي حصن حصين.

11- واظب -ما أمكنك- على صلاة الضحى “أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام” (متفق عليه) وهي من ركعتين إلى ثمان ركعات بحسب الاستطاعة.

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل(6): أوشك الضيف أن يرحل.. فماذا بعد

12- أكثر من ذكر الله فهو منشور الولاية الذي من أُعطيه اتّصل ومن مُنعه عُزل وهو قوت قلوب العارفين…).

– أكثر من الاستغفار تطهيرا لقلبك فـ“من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب”. واجعل لك منه وردا يوميا.

– أكثر من الكلمة الطيبة المباركةِ التي أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال صلى الله عليه وسلم: “جددوا إيمانكم، قالوا: كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: أكثروا من قول “لا إله إلا الله”” (رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات).

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا إله إلا الله أفضل الذكر وهي أفضل الحسنات” وقال عليه الصلاة والسلام: “أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله”، فأكثر منها كما أوصاك نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعل لك منها وردا يوميا.

– أكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم استجابة للأمر الإلهي وتنويرا لقلبك، يقول تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.

فالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضياء ونور للقلب وطريق واصل موصل لمحبته، كما أنها صلة دائمة به عليه الصلاة والسلام ومفتاح لكل خير. اجعل لك منها – أيضا – وردا يوميا.

13- اسع لأن تفطر صائما كل يوم ولو بشق تمرة ولك مثل أجره.

14- قف بين يدي ربك في كل يوم وليلة.. في صلاتك وبعدها وأثناء السجود.. في الثلث الأخير من الليل وأثناء الإفطار.. في كل وقت وحين اغتناما لبركة الزمان.. قف بين يديه داعيا سائلا سؤال المضطر، لنفسك ووالديك وأبنائك وأهلك وأحبابك وإخوانك وأصدقائك، ولا تنس الأنبياء والمرسلين، وصحابة رسوله الغر الميامين، وأزواجه أمهات المومنين، وذريته الطيبين الطاهرين، والتابعين والأئمة من المسلمين، والعلماء والمجاهدين والصالحين ممن سبقونا والمعاصرين، وليكن نصيب دعائك للمسلمين شافيا كافيا.

15- حاول أن تجلس جلسة قبيل صلاة المغرب تقرأ فيها القرآن الكريم وتذكر فيها الله تعالى وتسبح فيها بحمده فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها واختمها بالدعاء وعرض الحاجات على الله فهو مستجاب “ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يُفْطِر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين” (رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي).

16- اجتهد أكثر في العشر الأواخر فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيها أكثر مما يجتهد في غيرها (لنا وقفة خاصة إن شاء الله مع العشر الأواخر من رمضان).

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل (3): وقفات مع المرأة في شهر الصيام

17- تحرَّ الليلة المباركة التي تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر والتي هي خير من ألف شهر.

18- أدِّ زكاة الفطر قبل صلاة العيد فهي طهرة للصائم وطُعمة للمسكين.

19- تصدق ولو بقدر قليل كل يوم فـ“أفضل الصدقة صدقة رمضان” كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان.

20- صِلْ رحمك واصنع المعروف “صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر” (رواه الطبراني).

21- جالس الصالحين والأخيار حرصا على الانتفاع منهم، وتلمسا لفضل مجالس الذكر والعلم والإيمان “ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه، إلا حفتهم الملائكة، وتغشتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده” (رواه مسلم).

22- رُدّ المظالم واعط الحق لصاحبه وأد الأمانة.

23- تجنب إذاية المسلمين وكن سليم الصدر.

24- اسع لأن تكون بين الناس ناصحا وإلى الله داعيا برفق وحلم وأناة فما كان الرفق في شيء إلا زانه.

25- تأمل هذا الحديث الذي جمع فأوعى واسع لتمثله “من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه” (أخرجه مسلم وغيره).

26- عظِّم النية في العمل الواحد وفي الطاعة الواحدة لتنال أجر كل النيات.

27- حاول تنظيم جلسات عائلية إيمانية للدعاء والذكر والتذاكر.

28- اجلس مع نفسك كل ليلة عندما تريد أن تنام، وانظر ما قدمت في يومك وما أخرت من الأعمال لتتدارك في اليوم المقبل حتى لا يستوي يوماك.

ومن أهم الوسائل المساعدة على ذلك أن تعقد عقدا مع أخ أو صديق أو قريب لك لتتعاونا على البر والتقوى وأعمال الخير، فتضعان برنامجا موحدا وتتعاونا على تنزيله وتطبيقه مع التحفيز والتنبيه والمساءلة الأخوية اللطيفة لبعضكما البعض، مع دعاء كل منكما للآخر بظهر الغيب.

هذا، وإن التوفيق بدءا وختاما من الله عز وجل، فنسأله جلت قدرته أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته في هذا الشهر العظيم (وكل شهر) وأن يجعلنا فيه من العتقاء.

في الحلقة القادمة: وقفات مع المرأة في شهر الصيام.