الحكمة من قصة موسى وفرعون

يقول الباري عز وجل في محكم تنزيله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (القصص 5)؛ جاءت الآية الكريمة ضمن أحسن القصص التي يقصها الله عز وجل على حبيبه ومصطفاه من خلقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي قصة سيدنا موسى كليم الله عليه السلام مع فرعون وزبانيته، تلك القصة العجيبة التي شغلت حيزا هاما من كتاب الله المهيمن على سائر كتبه، والمنزل على خاتم أنبيائه، حجة ما بعدها حجة على عباده، إلى يوم بعثه وجزائه، وتكررت في سور عديدة وبألوان من البيان متنوعة تشد انتباه الفصحاء والبلغاء. تُرى لِمَ حظيت هذه القصة التاريخية بهذه المكانة المتميزة في القرآن الكريم؟ ألم تحدث مثيلاتها أو أكثر منها غرابة في تاريخ البشرية من حيث وصف الجبابرة وحلفائهم الأغنياء المترفين من جهة، والمقهورين المضطهدين من البؤساء والمحرومين على مر السنين من جهة أخرى؟ أم إن ثمة شيئا ما يميزها ويميز نسقها وسياقها عن غيرها؟

أجل إنه اختيار أحكم الحاكمين سبحانه الذي لا يَقدِرُ أيُّ مخلوق أن يحيط بجميع حِكمِه. لكن هذا لا يمنع المصطفين الأخيار من عباده أن يفهموا عن الله تعالى عن طريق تدبر سننه وآلائه في الكون والإنسان والتدافع والأمم والحضارات… ولعل من الحِكم الربانية في طيات قصة موسى وفرعون تكرار مشاهدها في أزمان مختلفة وانتهاءها إلى نفس المآل في كل مرة، طال أمدها أم قصر. إن القصة هذه رمز للصراع الأبدي بين الحق والباطل، فنبي الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام يمثل دعوة الحق والعدالة والإنصاف والسلام، وفرعون يمثل الجبروت في الأرض والظلم والطغيان والاستعلاء على الخلق بغير حق، والمدهش في القصة هو أن أشباه فرعون وتلامذته يستنسخون على الدوام نفس الأخطاء القاتلة، فتنتهي بهم إلى نفس النتيجة الدرامية المخزية!

مكر فرعون واقتداء مبارك

هاهوذا العالم اليوم يرى ذات المشهد بعد آلاف السنين في مصر، نفس البلاد التي جمع القدَرُ فيها سيدنا موسى وفرعون، فلنتأمل بعض أوجه الشبه بين مكر فرعون وتصرفات تلميذه:

– لقد تأله فرعون على قومه معتدّاً بماله وقوة جنده، وكذلك تكبر مبارك على شعبه وخصومه مستندا إلى دعم الصهاينة والأمريكان واستخباراتهم.

– كان فرعون يقول: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (غافر 29)، كما ادعى مبارك أنه كان يتفانى في خدمة شعبه بإخلاص منذ عقود من الزمان، بل وعبر لرئيس و. م. أ. أوباما عن خشيته على مصير شعبه إذا تنحى عن السلطة، عندما نصحه بذلك!

– قال فرعون عن سيدنا موسى مخاطبا قومه مستخفا بهم: إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (غافر 26)، وكان مبارك ُيخوِّنُ الإخوان المسلمين، ويلمزهم وينعتهم بشرذمة مفسدين إرهابيين، مستخفا بوعي شعبه الذي لا ينطلي عليه التضليل الإعلامي الموجه ضد الخصوم.

– استعمل فرعون سلاح السحر والسحرة ليَحُولَ بين الناس وبين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام، كما استعمل آخِرُ فراعنة مصر سلاح الإعلام وديدان القراء، وهم العلماء الذين خانوا أمانة التبليغ الحقيقي خوفا وطمعا، ليحول بين الشعب واستيعاب كلمة الحق التي يصدع بها الدعاة الصادقون.

– عندما أدرك الغرقُ فرعونَ قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوإسرائيل (يونس 90)، وعندما رآى مبارك الطوفان الشعبي قادما أسرع ليعبر عن إيمانه بمصلحة ورغبة الشعب وعدم نيته في توريث ابنه ولا الترشح لولاية أخرى!

تلكم بعض المقارنات بين فرعون الأكبر وآخر ورثته على مصر في هذا الزمان، فقد عانى الشعب المصري الأمَرَّيْن خلال عقود حكم ذلك الديكتاتور، الذي كان يحفر قبره بيديه وهولا يدري عاقبة ما كان يصنعه حتى أُخِذ على حين غرة.

مرسي ثمرةٌ من دعوة الإمام البنا

منذ حوالي ثمانية عقود أسس الإمام الشهيد حسن البنا رضوان الله عليه جماعة الإخوان المسلمين على هدى من الله، وكان للجماعة حضور وازن وفعال في حياة الأمة، إذ امتدت أفكارها في ربوع العالم الإسلامي، وقد كان لمرشدها ومؤسسها فهم شامل للإسلام، باعتباره دعوة وجهادا، شريعة وحكما، تربية وفقها، وسياسة واقتصادا، واقتنع شباب الأمة بآرائه سبيلا لعودة عزة أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم واسترجاع مجدها السليب، ونتيجة لذلك أحس أعداء الإسلام من الخارج فضلا عن أعدائها من بين ظهرانيها بخطورة هذه الدعوة على استمرارية هيمنتهم على الأمة المحمدية وسيطرتهم على مقدراتها، فكان أن امتدت الأيدي الأثيمة لاغتيال ذلكم الرجل الفذ، الرباني المجدد، ومنذئذ والجماعة تتعرض برجالها ونسائها لمختلف ألوان الأذى في أمنهم وحياتهم، خاصة في عهد الرئيس عبد الناصر، مكافأةً لهم وجزاءً على البلاء الحسن ضد العدو الصهيوني! ومع ذلك ظلت الجماعة صابرة متحملة محتسبة، ولم تدفعها الاستفزازات لردود الفعل العنيفة، وانطوت السنون فأتى مبارك إلى السلطة، فرمى بمصر أكثر من أي وقت مضى في أحضان الاستكبار الصهيو-أمريكي، وكان خدوما وفيا لمصالحه، محاربا بلا هوادة لكل الأحرار الشرفاء، وكان نصيب الإخوان المسلمين وغيرهم من الأباة وافرا من المضايقات والاعتقالات والتعذيب ومصادرات الأرزاق، أملا من النظام في كبح جماح أي محاولة لتغيير الحكم وانتزاع كرامة الوطن والمواطنين. فقُبَيْلَ انتهاء “صلاحيته” إلى غير رجعة وغير مأسوف عليه، اعتقل الدكتور محمد مرسي عيسى العياض، وهو قيادي بارز في جماعة الإخوان المسلمين، مع عدد من المعارضين للنظام الحاكم وأودعهم السجن، فما لبثت جماهير الشعب الغاضبة أن اقتحمت السجن وحررت السيد مرسي والكثير من إخوانه ورفاق دربه التحرري، وخر عرش مبارك وانتهى به المصير إلى السجن، لترفع الجماهير المظفرة بعد ذلك السيد مرسي إلى سدة الحكم وتستقبله بالملايين وتهتف باسمه في ميدان التحرير التاريخي، بعز عزيز وبذل ذليل، سبحان من يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير! نسأل الله لشعب مصر العظيم ولقيادته الجديدة السداد والتوفيق لكل خير.

فهل من معتبر؟

فهل يعي المتجبرون اليوم وغدا مثل هذه الدروس؟

ها هي قومة إخواننا في سوريا الأبية تشق طريقها نحو النصر في عامها الثاني إن شاء الله، في وجه واحد من أعتى طغاة العصر. وبالرغم من كون ثمن الانعتاق من جباري حزب البعث باهظا جدا، فقد أصر الشعب على المسير بخطى ثابثة لتحقيق الهدف. ومعاناة أهل الشام في سوريا لا تقل عن معاناة أهل الشام في فلسطين الشهيدة؛ عدوان الصهاينة ومجازر حزب البعث وجهان لعملة واحدة، ولم يتعظ آل الأسد ولم يستفيدوا شيئا مما جرى لزملائهم في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (الحج 46).

ليس بي كبيرُ أملٍ في زوال غشاوة الغرور والعظمة عن أعين تلامذة فرعون النجباء، ورجوعهم إلى جادة الصواب، إلا أن يشاء الله أن يُغيث من يشاء بتوبة “عُمَرية” نصوح، أقصد توبة عمر بن عبد العزيز أحد عظماء الأمة رضي الله عنه، الذي رفع الحيف وأرْجَع لكل ذي حق حقه، بعد طول ظلم وفساد ملوك بني أمية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.