1- مكابدة الليل

ومع الصلاة الدائمة والذكر الكثير المستمر يحافظ المؤمن على وقيت للقيام بين يدي الكريم المعطي ما أمكن، ولا يفتر عنه ولو نصف ساعة. فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنّ في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام” 1 . وعن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن” 2 .

في الصيف يضيق الليل ويقصر وقته مع طول في النهار، فيكون الصيام في نهار الصيف القائظ شاقا على النفس لطول النهار وشدة الحر، ويكون الحفاظ على قيام الليل صعب وشديد لحاجة النفس إلى النوم والراحة. والعبادة في الجهد والتعب أشد وطئا للقلب وأقوى رياضة للنفس، من أوقات العبادة في الفسحة والراحة. ولذلك كان بعض الصالحين يحرص على ذلك ويتمنى ألا يفوته ذلك أبدا. فعن ابن عمر رضي الله عنه: “ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألاَّ أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلَّت بنا -وكأنه يعني الحجاج-” 3 .

2- ظمأ الهواجر

إن مما يضاعف ثوابه في شدة الحر من الطاعات: الصيام لما فيه من ظمأ الهواجر، ولهذا كان معاذ بن جبل رضي الله عنه عند احتضاره يتأسف على ما يفوته من ظمأ الهواجر وكذلك غيره من السلف.

عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: لما أصيب ابن عمر رضي الله عنه قال: “ما تركت خلفي شيئا من الدنيا آسى عليه غير ظمأ الهواجر وغير مشي إلى الصلاة” 4 . وقد ورد أن الصديق رضي الله عنه كان يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء. وقد وصى الفاروق رضي الله عنه عند موته ابنه عبد الله فقال له: “عليك بالصيام في شدة الحر في الصيف”.

وكانت عائشة رضي الله عنها تصوم في الحر الشديد. وكان مجمع التيمي رحمه الله يصوم في الصيف حتى يسقط. وكانت بعض الصالحات تتوخى أشد الأيام حرا فتصومه فيقال لها في ذلك، فتقول: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد. في إشارة إلى إنها لا تؤثر إلا العمل الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس لشدته عليهم، وهذا من علو الهمة.

وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور.

طالع أيضا  صيف المؤمن 1/3

عن ابن سيرين قال: خرجت أمّ أيمن مهاجرة إلى الله ورسوله وهي صائمة ليس معها زاد، ولا حمولة، ولا سقاء، في شدّة حرّ تهامة، وقد كادت تموت من الجوع والعطش، حتى إذا كان الحين الذي يفطر فيه الصائم سمعت حفيفا على رأسها، فرفعت رأسها فإذا دلْوٌ معلّق برشاء أبيض، قالت: فأخذته بيدي فشربت منه حتى رويت، فما عطشتُ بعد، فكانت تصوم وتطوف لكي تعطش في صومها فما قدرت على أن تعطش حتى ماتت” 5 .

وفي حديث أبي موسى “أنهم كانوا على ظهر سفينةٍ فسمعوا هاتفا يهتفْ: قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله تعالى على نفسه، أن من أعطش نفسه لله في يوم حارٍّ يرويه يوم القيامة، قال أبو بردة: فكان أبو موسى لا يمرّ عليه يوم حارٌّ إلا صامه، فجعل يتلوّى فيه من العطش” 6 .

ومن بركات هذا الصيف المبارك أن كان فيه رمضان، وما يسبقه من أشهر يندب فيها الصيام شهر رجب وشهر شعبان. وفقنا تعالى للصيام حسا ومعنى.

3- الذكر والدعاء والقرآن

للسان عبودية لا تنقطع، وعمل دائم موصول لا يفتر، وهو ذكر الله الكثير، ثم الكلمة الطيبة دلالة على الخير ونصحا وإرشادا للناس. قال صلى الله عليه وسلم: “لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ” 7 . ومع الذكر الدائم الدعاء الدائم. “ومَنْ لَمْ يَسْألِ اللهَ يَغضَبْ عليه” عليه كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن الحبيب صلى الله عليه وسلم 8 .

وأعظم الذكر إطلاقا كتاب الله النور المبين والذكر الحكيم. نعكف على أحزابه وأجزائه قراءة يومية لحروفه، وتدبرا لمعانه، وغوصا في مكنوناته وتخلقا بآدابه وفهما لمراده. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ومحور اهتماماتنا.

وعلى قدر التطلع القلبي والشغف الروحي والحب الوجداني، وعلى قدر الحرص اليومي على العكوف على بابه يُعط المؤمن. فعن النبي صلى الله عليه وسلم: “من قرأ آية من القرآن كان له درجة فى الجنة ومصباحًا من نور” 9 . هذا لمن قرآ آية فكيف بمن قرأ عشر آيات. وكيف بمن قرأه كله آناء الليل وأطراف النهار. سبحان من بيده ملكوت كل شيء.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: “من قرأ أربعين آية في ليلة لم يكتب من الغافلين. ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين. ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة. ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر” 10 .

طالع أيضا  صيف المؤمن 3/3

ومن فضل الله علينا هذه الرباطات القرآنية التي تنظمها جماعة العدل والإحسان في ربوع المغرب وخارجه لمن أراد أن يكون له حظ مع كتاب الله: صحبة وتلمذة وتخلقا وحكمة وخفة وذوقا. هذه المحاضن الإيمانية فرصة ثمينة يستغلها المتطلع إلى حفظ القرآن بكل معاني الحفظ فلا تفوتني هذه الفرصة. وفقنا الله لذلك.

4- حفظ البصر

يكثر في الصيف العري والتبرج والتحرر من الثياب رجالا ونساء. وغض البصر أصل من الأصول الأخلاقية في أمة الأخلاق والطهر، فإذا كان مطلوبا من المؤمن والمؤمنة فرضا لازما الغض من البصر، فهو يتأكد في هذا الفصل المفتون الغافل أهلُه وناسُه. أما هو -أي الصيف- فإنه يسبح بحمد ربه ولكن لا نفقه تسبيحه.

قال الله تعالى: قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.

وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: “يا علي، لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة” 11 .

قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: “فأما اللحظات فهي رائدة الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورد بصره موارد الهلكات” 12 .

وقال: “والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة تقوى فتصير جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر على ألم ما بعده.

قال الشاعر:كل الحوادث مبدؤها من النظـر *** ومعظم النار من مستصغر الشـرر
كم نظرة بلغت من قلب صاحبها *** كمبلغ السهم بين القوس والوتـر
والعبد مـا دام ذا طَرْفٍ يقلبـه *** في أعين الغيرِ موقـوف على الخطرِ
يسر مقلتـه مـا ضرّ مهجتــه *** لا مرحباً بسرورٍ عـاد بالضرر
13

5- الخلق الحسن وسلامة الصدر

غض البصر من الأخلاق التي ينبغي أن ينطبع بها فصل الصيف، حتى نؤسس لمجتمع الطهر والاحترام والتوقير. ولا تغيب فيه -وفي باقي الفصول أيضا- سائر الأخلاق.

والأخلاق السنية التي ترفع المؤمن إلى مقامات القرب والرفقة العالية 14 كثيرة جدا وتتفاوت درجاتها، وأعظمها خدمةُ الناس وسيد القوم خادمهم. عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا قال: “أحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جوعا، أو تقضي عنه دينا” 15 .

طالع أيضا  صيف المؤمن 3/3

ومن الأخلاق ما هو باطني وهو الأساس واللباب. وعلى رأسها سلامة الصدر. عن قاسم الجوعي رحمه الله قال: “أصل الدين الورع وأفضل العبادة مكابدة الليل وأفضل طرق الجنة سلامة الصدر” 16 .

والمؤمن ميزته إنما في خلقه وتعلقه بربه. فإذا كانت الصلاة وحضور المسجد وقراءة القرآن وذكر الله ودفع الزكوات من الدين، فإن الدين كما جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم هو المعاملة. وعلى قدر صفاء العبد ومحبته للناس ومخالطته لهم بما يناسب، من صبر وحلم ولطف ومجادلة بالحسنى والكلمة الطيبة والابتسامة المبشرة يعطيه الله تعالى.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “كرم المرء دينه ومروءته عقله وحسبه خلقه” 17 .

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك سرّه الله عز وجلّ يوم القيامة” 18 “وكان رسول الله يتخلف في المسير فيزجي الضعيف، ويردف، ويدعو له” 19 .


[1] رواه الطبراني رحمه الله بإسناد حسن.\
[2] رواه الترمذي رحمه الله.\
[3] رواه ابن سعد رحمه الله في طبقاته بإسناد صحيح.\
[4] رواه ابن أبي شيبة رحمه الله في مصنفه.\
[5] رواه الإمام عبد الرزاق رحمه الله.\
[6] رواه الإمام عبد الرزاق رحمه الله.\
[7] رواه الترمذي رحمه الله.\
[8] أخرجه الترمذي رحمه الله .\
[9] أخرجه البيهقى رحمه الله في شعب الإيمان.\
[10] أخرجه البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان.\
[11] رواه أحمد والترمذي وأبو داود رحمهم الله. وقال الترمذي: “حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك”، وصححه الحاكم رحمه الله.\
[12] الجواب الكافي: ص: 106.\
[13] الجواب الكافي: ص: 106.\
[14] عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:” إن أحبكم إلي و أقربكم مني أحاسنكم أخلاقا. و إن أبغضكم إلي و أبعدكم مني في الآخرة مساويكم أخلاقا الثرثارون والمتشدقون المتفيهقون”. رواه البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان.\
[15] رواه أبو الشيخ رحمه الله، وهو حسن بشواهده.\
[16] صفوة الصفوة لابن الجوزي رحمه الله. ترجمة القاسم بن عثمان الجوعي رحمه الله.\
[17] رواه البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان.\
[18] رواه الطبراني رحمه الله بإسناد حسن.\
[19] رواه أبو داود رحمه الله بسند حسن.\