إذا كانت الثورة التونسية حازت شرف السبق، وفتحت الباب لما جاء بعدها ويأتي من ثورات، فإن الثورة في أرض الكنانة تتميز بخصائص منها ما يرتبط بطبيعة النظام السياسي البائد الذي مثل “نموذجا” متكاملا للاستبداد، ومنها ما يعود إلى موقع مصر ومركزيتها في النظام العربي عموما في التاريخ المعاصر على الأقل. فمصر الناصرية قادت حرب 1967 وما ترتب عنها من نكسة أسست لمسلسل التقهقر العربي، ومصر الساداتية وقعت صك الاستسلام مع الكيان الصهيوني الغاصب للأرض والمقدسات، إيذانا بقلب معادلة الصراع لصالح الصهاينة؛ فمصرـ مبارك كرست النهج الساداتي وانخرطت عمليا في مشروع تصفية المقاومة وإبادة الشعب الفلسطيني عموما، وأهالي قطاع غزة الصامدة بشكل أخص، وتم قهر الشعب المصري وإغراق أغلبه في فقر مدقع وسلب حرياته وإهانة كرامته. لذلك، حظيت ثورة مصر باهتمام خاص استرجاعا لدورها الريادي من أجل انبعاث جديد للشعوب العربية والأمة الإسلامية لكي تعانق الحرية وتستعيد عزة عبثت بها أنظمة الاستبداد وقايضت بها خلودها في الحكم، بل وتوريثه للولد.

لهذه الحيثات ما كان ينبغي لثورة مصر أن تزيغ عن الجادة وتخطئ الهدف، وكان لزوما أن تشق طريقها لتقدم نموذجا سليما في استئصال الفساد وقطع دابر الاستبداد. ولعل المتتبع للشأن المصري بعد الإطاحة بمبارك ـ وليس بالنظام كما توهم الواهمون ـ يدرك أن عقود الاستبداد حفرت في ذاكرة الشعب بمكوناته ندوبا عميقة، أضحى معها الفساد لوبيات وشبكات وخلايا نشيطة وأخرى كامنة. وهذا ما كان يحتم على جميع المكونات استحضار طبيعة المرحلة، وما تقتضيه من نكران للذات وتطاوع وبعد نظر تأسيسا لنظام سياسي ديمقراطي عبر دستور يصون كرامة المواطن، ويضمن شروط انخراط سائر الأطياف في بناء الدولة، بعيدا عن منطق الغالب والمغلوب أو عقلية الهيمنة. وأيضا استحضار العمل التخريبي المنظم الذي تقوم به فلول النظام وشبكاتها المتحكمة ـ ولا تزال ـ في دواليب الدولة، يرعاها ويوفر لها التغطية المجلس العسكري الذي ناور في امتصاص حماسة الشعب الثائر، مراهنا على عامل الزمن مرة، وموظفا الصراع الإيديولوجي والعقدي مرة أخرى. مناورة ماكرة وُظفت فيها محاكمة الرئيس المخلوع سواء من حيث الإخراج والسعي لدغدغة عواطف شعب طيب من خلال إحضار الرئيس ممدا على سرير لأطوار المحاكمة، وسواء بتعطيل أولوية إبعاد الأيادي الفاسدة عن إدارة الشأن ومساءلتها أمام قضاء عادل عما اقترفته في حق الشعب من جرائم عقودا طويلة، كل ذلك بعد إفراغ الملف من الوثائق المُدينة لأركان النظام وإتلاف المستندات من خلال افتعال عملية اقتحام وزارة الداخلية ومقارها.

كل هذا خيب ظن كل من اعتقد أن المجلس العسكري جاء أو جيء به لحماية الثورة، وأثبت أنه امتداد للنظام البائد وخلفيتُه وسندُهُ، وتكفي القرارات والتدابير التي اتخذها عشية الحسم في السباق للرئاسة دليلا قاطعا، وإلا ما هي دلالة إصدار الإعلان الدستوري المكمل الذي يجرد الرئيس ـ قبل تنصيبه ـ من أهم صلاحياته ويحيله أداةً للمجلس العسكري يحكم من خلاله بالوكالة؟ وما دلالة إحداث مجلس الدفاع الوطني الذي تهيمن عليه المؤسسة العسكرية؟

مؤشرات تدل على سعي بقايا النظام المصري البائد إلى تفخيخ مستقبل مصر ووضع كل العراقيل والقيود أمام استكمال ثورة الشعب المصري لكل مراحلها ومهامها.

ثورة مصر انتزعت منصب الرئيس بصعوبة بالغة يفسرها الفرق الضئيل في الأصوات بين مرشحَيْ الرئاسة، وتدل على تجذر النظام البائد رأسه في دواليب الإدارة والمؤسسات الإنتاجية بل وفي وعي شرائح شعبية ليست قليلة، دون إغفال الحقل الإعلامي الذي شكل نقطة ارتكاز، فقد أذكى الخلافات بين مكونات الثورة، وسعى لتصفية هذا بذاك وفق خطة محبوكة.

مصر تتنفس الصعداء اليوم بعد انتخاب مرشح الثورة الدكتور محمد مرسي رئيسا مدنيا لمصر، وتحتاج إلى فترة ـ يجب ألا تطول ـ تستجمعُ الأنفاس وتتأهبُ لخوض شوط حاسم ضد أعداء الشعب ومشروع الانعتاق. لذلك، فالمسؤولية على عاتق مكونات الثورة وقوى المجتمع الفاعلة بمختلف أطيافها لتتجاوز خلافاتها، وترقى إلى مستوى اللحظة التاريخية، وتتصدى لمخططات العسكرة ووأد الثورة في مهدها، عبر التداعي لصياغة دستور يؤطر الحياة السياسية، ويحصنها من كل أشكال الاستفراد بالقرار تحت أي مسمى، ويضمن التداول الحقيقي على السلطة.