أقبل الصيف وعادة ما تسبقه نداءات الفتنة وترتفع فيه أصوات الإغراء بجميع اللغات وبشتى الوسائل تنادي بصوت واحد: هيت لك وأين يوسف الذي يقول: معاذ الله. جعلنا الله يوسفيين عفة وصبرا وضبطا للنفس ونصرا.

الصيف في زماننا فرصة ثمينة يضيع فيها كل ثمين. وما يجمعه الإنسان في سنته يتلفه في الصيف. وفي الصيف ضيع اللبن. فكيف تكون أيامنا كلها لله، ونعبد الله في كل وقت وحين، شدة ورخاء ومكرها ونشاطا. ونعوذ بالله أن نكون من الذين يعبدون الله على حرف 1 .

نعم القلوب تمل كما تمل الأبدان فبعد تعب وجهد وعناء تميل النفوس إلى التجديد والتنويع، وترنو إلى الترويح واللهو المباح دفعاً للكآبة ورفعاً للسآمة ليعود المؤمن بعدها إلى عمله بهمة وعزيمة وثابة.

ومن سر الله في أحكامه وتشريعاته أن نوَعها فلم تكن على شاكلة واحدة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والقرآن، والذكر، وصلة الرحم، والدعوة، والجهاد في سبيل الله وأنواعه كثيرة متنوعة… وحتى الصلاة تختلف من وقت لوقت وعدد الركعات أيضا. التنويع في العبادات واتساع أعمال الخير عند المؤمن ينقله من رتابة إلى نشاط ومن ملل إلى حيوية. ولهذا فالأصل هو اغتنام الأوقات بصفوة الأعمال.

أما واقع بعض الناس في الصيف: فالنوم الطويل، واللعب الكثير، والسهو، واللهو، والغفلة، والانحلال الخلقي، وكثرة المسخ والعري. فترة الصيف فرصة للعطلة بكل ما في الكلمة من معنى.

ودولة المخزن بأحزابها ووزاراتها وأطرها وجمعياتها تجتهد اجتهادا كليا قطيع النظير في أن يكون الصيف “عطلة للجميع” وما يرافق ذلك من المسخ والانحلال ومهرجانات السفور وإعلان الفاحشة والفجور وتشجيع السياحة الجنسية. فيكون الصيف مناسبة للدعوة إلى موائد الشيطان وحبائل الشيطان ومصائد الشيطان. وترك النفوس مرتعا للغفلة بل المعاصي الكبائر جهارا ليلا ونهارا. وبرامج الإعلام برامج للإفلاس المادي والمعنوي.

أما البرامج الصيفية التي تبني الشخصية وتدفع الملل وعقلية الاستهلاك وتحترم خصوصية الفصل وتيسر برامج ترفيهية هادفة كشواطئ الطهر والملاذ ومخيمات الصفاء والسعادة والنعائم… التي كانت تنظمها جماعة العدل والإحسان لسنوات فحوربت حربا شعواء من قبل المخزن وزبانيته واستدعي لمنعها العرمرم من القوات ثم منعت منعا كليا.

ولهذا ينبغي أن نستغل الصيف بما يناسب. ببرنامج مناسب عنوانه استراحة، وروحه وجوهره عمل وبناء، اغتناما للوقت وحرصا على العمر ألا يضيع في السفاسف والعبث والمجون. وهذا يقتضي تصحيح فكرة أن الصيف فترة “العطلة” والبطالة والفتور والكسل.

الفراغ فرصة للعمل لا للعجز والكسل

هكذا يظن كثير من الناس ويعتقدون أن الفراغ وفترة “العطلة” فرصة مناسبة للنوم والكسل، والدعة والخمول ونسيان العمل. في حين أن المؤمن إنما راحته في الانتقال من عمل إلى عمل. قال تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ. والمعنى إذا فرغت وانتهيت من عمل ما، وصارت عندك فسحة من الوقت والراحة، فانصب إلى عمل وجهد آخر.

طالع أيضا  صيف المؤمن 3/2

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها، فانصب في العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة) 2 .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل).

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء).

وقال الحسن وزيد بن أسلم رحمهما الله: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب إلى عبادة ربك).

وعن مجاهد رحمه الله قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك).

وعن الجنيد رحمه الله قال: إذا فرغت من أمر الخلق فانصب في عبادة الحق).

فإذن لا عطلة ولا فراغ وإنما عمل متواصل. وإذا مللتَ أو فترتَ فتنتقلَ إلى عمل آخر. وهذه هي الفسحة والراحة.

كان ابن الجوزي رحمه الله من شدة حرصه على الوقت، يجعل بريَ الأقلام في أوقات مجالسة من يزوره، وقد أوصى يوماً ابنه فقال: واعلم يا بني أنّ الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاساً، وكل نَفَسٍ خِزانة، فاحذر أن يذهب نَفَسٌ بغير شيء، فتَرى في القيامةِ خزانةً فارغة فتندم).والوقتُ أنفسُ ما عُنيتَ بحفظه ** وأراه أسهل ما عليك يضيعُيقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله تعالى بعدما حدد برنامج يوم المؤمن وليلته: وليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحا أن تصرفه في الغفلة وتضيعه فيما لا يعني، واعلم أن الوقت الذي تندم عليه ولات ساعة ندم هو وقت لم تذكر فيه الله تعالى باللسان والقلب والجهاد لنصرة دينه. اقتصد في وقت نفسك ولا تضيع وقت إخوتك بالزيارات الطويلة وبقلة المواعد). 3 .

لا عطلة في قاموس المؤمن المجاهد

قال الزبيدي رحمه الله -في مادة عطل-: عَطِلَتِ المَرأَةُ كفَرِحَ عَطَلاً بالتَّحريك…. وتعطَّلَتْ: إذا لم يكن عليها حَلْيٌ ولم تلبَسِ الزِّينَةَ وفي الصحاحِ: إذا خلا جيدُها من القلائدِ وقال الرَّاغِبُ: العَطَلُ: فقدانُ الزِّينَةِ والشُّغْلِ فهي عاطِلٌ) 4 .

العَطَل إذن الخلو من الزينة في أصل اللغة. ثم استعمل في معنى ترك العمل الجاد والانشغال عن الشغل إلى اللهو والكسل، وضياع الاستثمار الهادف للطاقات التي أودعها الكريم سبحانه في الإنسان: من عقل وفكر، وقوة وصحة، وعافية وفرص وأبواب من الخير…

طالع أيضا  صيف المؤمن 3/3

إن المؤمن الطالب وجه الله تعالى المتطلع للكمال الإنساني الإيماني، والداعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يعرف ما يمكن تسميته “العطلة”. فليس معنى أن الصيف قد أتى أنه سيأخذ عطلة عن ذكره وقرآنه ومجالسه التربوية ودعوته أو عن التزاماته الحركية أو من واجباته التنظيمية. فعلى المؤمن المجاهد دائما واجبات لا بد أن يجتهد في القيام بحقها. لكي يظل محافظًا على علو همته، وصفاء سريرته وثبات سيرته، دون أن يكون نشاطه مقتصرا على فصول معينة من السنة، أو وقت دون وقت، ويعيش بقية الدهر -إن قل أو كثر- على سلوك اللامبالاة والضعف وعدم الجدية والفراغ القاتل المميت. وإذا انطبعت النفس على الكسل أحبته وتعلقت به، وصعب على صاحبها العودة إلى العمل بجد ونشاط إلا بمشقة الأنفس. ولهذا يُغبَن الناس في فراغهم لما لم يستغلوه. قال صلى الله عليه وسلم: “نِعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ الناسِ: الصحةُ والفراغُ” 5 .

يستغل المؤمن كل الوقت ولا يضيعه أبدا. وإذا انتهى من عمل الدنيا ينتصب لعمل الآخرة، وإذا انتهى من عمل الآخرة ينتصب لعمل الدنيا. والكل لله تعالى إن نصحت النية وصَفَت. هذا الأمر ينبغي أن يكون واضحا في العقول، ومقررا في الأذهان. ثم ترجمته على أرض الواقع من خلال برنامج لا يخرج عن هذه المعالم المنارات التي سأذكرها. ومن زاد خيرا فخيرا. والله الهادي إلى سواء السبيل.

أبردوا الحر بالصلاة

فرط الحرارةِ من نفس جهنم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ. نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ. فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ” 6 .

والناس عادة يبحثون في الصيف عن ما يبرد حر الشمس، من ظل ظليل وماء بارد وريح منعشة. وهذا لاشك أنه مما يطلبه المؤمن ولا حرج في ذلك. بل يؤجر عليه إن صلحت النية وكانت لله تعالى. لكن الحديث النبوي الشريف يضيف أن أعمال الصلاة والخير مما تلطف الأجواء الحارة وتهدئ النفوس وتلينها وتريحها مما يجريه الله في خلقه من حر وقر وصيف وشتاء. لأن الكل من عند الله فلا ضجر ولا تأفف. فهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يرمى في النار المتوقدة فينزل الأمر الإلهي: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

وما دام العبد لله تعالى فينبغي أن يصبر على الطاعة سواء في الرخاء أو الشدة. فلا فرق. والمرء عند الامتحان يعز أو يهان، وفرصة الصيف امتحان وأي امتحان. وقد عاب الله تعالى على أقوام كسلوا عن طاعة الله ورسوله، ولم ينفروا إلى الجهاد بدعوى الشدة وحر الشمس، فقال عز من قائل: وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ.

الصلاة الصلاة الصلاة في الوقت ومع الجماعة.

طالع أيضا  صيف المؤمن 3/3

فينبغي على المؤمن أن يوطن قلبه وجسمه وعقله وروحه وكليته في الصلاة. وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين. اللهم ازقنا محبة الصلاة والتعلق بالصلاة ومحبة أهل الصلاة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما توطّن رجل المساجد والصلاة للذكر إلا يتبشبش الله له، من حين يخرج من بيته، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم” 7 .

ما أجمله من حديث وما أحلاها من عبارة، إن شمرتُ عن ساعد الجد والاجتهاد، لأزاحمَ أهل المسجد في الصف الأول، ولا تفوتني تكبيرة الإحرام. والقلب موصول بالله تعالى، والعقل متفكر في خلق السماوات والأرض. ولينوا في أيدي إخوانكم حاديَ حضوري في المسجد ذلة وخدمة ومحبة وتعظيما وتعليما، وتحببا لأهل وأوتاد المسجد عمارِه، ولكل مسلم ومسلمة، وباقي إخواني، أبناءِ أبي آدم عليه الصلاة والسلام.

فالمطلوب إذن تعويد النفس على طول المكث في المسجد وصحبة المسجد تسبيحا واستغفارا وصلاة وذكرا كثيرا..

عن عمرة رحمها الله قالت: سمعت أمّ المؤمنين -تعني عائشة رضي الله عنها- تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من صلى الفجر -أو قال الغداة- فقعد في مقعده فلم يلغُ بشيء من أمر الدنيا، ويذكر الله حتى يصلي الضحى أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب له” 8 .


[1] قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ. خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) سورة الحج: الآية: 11.\
[2] تفسير ابن كثير رحمه الله: 8\433.\
[3] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا: ص: 59.\
[4] تاج العروس: مادة عطل: 1\7334.\
[5] رواه البخاري رحمه الله.\
[6] رواه البخاري رحمه الله.\
[7] يتبشبش له: أي يفرح به.

– رواه ابن ماجه والحاكم رحمهما الله. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\

[8] رواه أبو يعلى رحمه الله بسند رجاله رجال الصحيح.\