كان أول اتصال للمغاربة مع الفرنسية سنة 1907 ولا تزال اللغة الفرنسية تحتل مكانة الصدارة في المغرب العربي على الخصوص، إذ هي لغة الانتقاء الاجتماعي ولغة الإدارة واللغة المتداولة عند الطبقة الراقية، يقول محمد الذاودي: أما في المغرب العربي اليوم فمكانة الفصحى اجتماعيا وشعبيا في الهرم اللغوي الثلاثي (العامية والفصحى والفرنسية) هي الثانية بعد لغة المستعمر الفرنسية. على العموم لا تزال الفرنسية تقترن من جهة، في كل من تونس والمغرب والجزائر في أذهان الناس، بالتقدم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي وبالشعور النفسي بالحداثة) 1 .

الفرنسية في الصدارة

هل هو مشكل أن تحتل الفرنسية الصدارة في المغرب؟ هذا هو الواقع فعلا شئنا أم أبينا؛ فقد تمكنت من السيطرة على مراكز عليا وأصبحت متداولة في مراكز القرار وفي الإدارة وفي الإعلام، تعتبر الفرنسية رسميا هي اللغة الأجنبية الأولى في البلد، وهي لغة الانفتاح على العالم المتقدم) 2 نستعير هنا أقوالا من كتاب BERSTEIN الذي يؤكد أن اللغة أساس الأمم فيقول: فنحن نرى، ونسمع، ونعبر بالشكل الذي نرى ونسمع ونعبر به لأن عادات الجماعات اللغوية قد هيأت لنا سلفا اختيارات معينة في التفسير) 3 ، وأن اللغة والفكر لا يفترقان. فاللغة جزء من تاريخ الأمم: ما من أمة إلا وتتكلم بالشكل الذي تفكر به وتفكر بالشكل تتكلم به. فهي ترسخ تجاربها في لغتها، بما في ذلك التجارب الحقيقية والتجارب الخاطئة التي تنقلها إلى الأجيال اللاحقة) 4 ، فالعربية والأمازيغية هنا حاملا الفكر والثقافة والعادات والتاريخ المغربي الذي له ارتباطات وثيقة خصوصا مع الإسلام. ونشير هنا إلى أن ريفارول فسر أسباب انتشار اللغة الفرنسية وتقدمها على أنها لغة يسهل تعلمها والنطق بها، وإلى أنها لغة أنيقة. ويشار خصوصا الى وضوحها الذي يربط عموما بالنظام الطبيعي لنحوها، وهذه النقطة الأخيرة تعيدنا إلى ريفارول: “ما ليس واضحا فليس بفرنسي) 5 .

الازدواجية اللغوية (Le bilinguisme)

تعيش اللغة العربية جنبا إلى جنب مع ضرتها الفرنسية في المغرب وفي دول مغاربية كالجزائر وتونس، وهي تقف في وجه كل محاولات التعريب إن الازدواجية في عرف اللسانين هي التقاء لسانين مختلفين قد يكونان من أسرة لسانية واحدة أومن أسرتين مختلفتين) 6 ، ويؤكد الفاسي الفهري أن الفرنسية تشغل مكانة وظيفية إلى جنب العربية، وهذا وبالرغم من كون اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للبلاد، استنادا الى الدستور، فإن هناك إقرارا فعليا بثنائية لغوية وظيفية (فيما يبدو)، بل بأحادية لغوية فرنسية في التعامل في عدد من المجالات. وحتى نذكر ببعض الأمثلة، فإن النصوص والمراسلات الرسمية تحرر أكثر فأكثر بالفرنسية. وإذا وجدت صيغة معربة لها فإنها تكتب بلغة ركيكة غير مفهومة. ومن أمثلة هذه الظاهرة أيضا أن كل المواد العلمية والتقنية تدرس بالفرنسية (وخصوصا في التعليم الجامعي) 7 كما أنه يسير إلى مجموعة من الإجراءات المتخذة، والتي تتنافى مع السلم اللغوي التي تنادي به العديد من الجهات العالمية كالاستهتار باللغة الوطنية وإلصاق التهم بها من قبيل ربطها بتدني مستوى التعليم، وبعدم الدقة، وبكونها تؤدي إلى العطالة، وهلم جرا) 8 .

مخلفات الازدواج اللغوي: لا تكاد تخلو بيئة من السجال اللغوي ولو كانت أحادية اللغة بحكم الأعراف وربما بنص القوانين التي تحكمها، وهو ما يطرح العديد من الإشكالات التي طرحها محمد الأوراغي 9 نوردها هنا مختصرة في نقاط ثلاث:

– توهين الروابط الاجتماعية بعض آثار الازدواج اللغوي وذلك لأنه إذا وجد مجتمع في وضعية الازدواج اللغوي لا يكون أفراده أبدا على قلب واحد، لأن وضعية التفكيك تكون قد حلت محل وضعية التأليف.

– الازدواج اللغوي مكلف اقتصاديا، لأن الإنفاق يتضاعف مرتين من أجل تكوين مختصين في المجالين وهو الأمر الذي يغيب عندنا، فنكلف مدرس الابتدائي بتدريس اللغتين معا وهو الأمر الذي يتنافى مع المستجدات النظرية في الميدان.

– من آثار الازدواج اللغوي انخفاض المستوى الثقافي، كالإصابة بالعسر اللغوي بالإضافة إلى التباس المفاهيم وغموض التصورات.

الفرنسية لغة أم هوية

نجد أن العديد من المفكرين المغاربة لم يستطيعوا التخلص من سلطة الكتابة بالفرنسية، فقد أصبحوا رهيني اللغة الفرنسية وصارت تمارس عليهم شكلا من الاستلاب اللغوي، في مقابل ذلك نجد من يسمي هذه الظاهرة بكون اللغة الفرنسية غنيمة حرب) 10 وأن هذا من حسنات الاستعمار كونه ترك لنا لغة جديدة نتواصل بها ونضيفها إلى رصيدنا اللغوي العربي والأمازيغي. والذي ينبغي أن نشير إليه أنه حتى الغنائم كانت لها أضرار بالإضافة إلى منافعها، فالفرنسية كانت لها آثار كثيرة على مكانة اللغة العربية، خصوصا مع إعطائها الريادة، وهنا نشير إلى سلطة المعامل في الإعدادي والثانوي كما يشير إلى ذلك إدريس الكتاني.

الفرنسية هي لغة العلوم والتكنولوجيا والانفتاح على الآخر، وبالمقابل هي ثقافة وهوية في شكل متكامل ونقصد بالثقافة ما يسود المجتمع من أنظمة العقائد والعادات والتقاليد والأفعال وردود الأفعال. والذي لاشك فيه أن اللغة هي المعبر الأهم عن ثقافة المجتمع، بل ذهب بعضهم إلى أن اللغة هي الثقافة، والثقافة هي اللغة) 11 .

الفرنسية لغة العلوم

بمجرد حصول الطالب على شهادة الباكلوريا، تفتح في وجهه المعاهد والكليات أبوابها، لكنه يصطدم بواقع جديد، وهو أن التدريس بأغلب هذه المراكز يتم باللغة الفرنسية (اللغة الأجنبية) وهو ما يؤدي إلى إحباط وتقهقر لقدرات الطالب المعرفية فيصبح بين إشكالين رئيسين:

1- ضبط المادة العلمية.

2- محاولة فك العبارات والكلمات الفرنسية الصعبة.

وأمام هذه الوضعية ترسخ لدى الطالب أن الفرنسية هي لغة العلوم والتطور، وهو ما يدفعه إلى الاهتمام بها: إن انشغال الطالب بدراسة المواد العلمية، وتكريسهم في الاهتمام على اللغة الأجنبية على أساس أنها اللغة المعتمدة في دراسة هذه المواد، وممارستهم لهذه اللغة على مستوى واسع من القراءة والكتابة والحديث والمناقشة والحوار مع أساتذتهم والمشرفين الأكاديميين وغيرهم من الموظفين الرسميين، إلى جانب المؤثرات الخارجية الأخرى التي تغريهم وتدعوهم إلى الاحتفاء بها. كل هذه العوامل تؤدي بلا شك إلى اتساع رقعة الظاهرة المذكورة وإلى زيادة خطورتها لأنها لا تعمل على التقليل من فرص استخدام الطلبة لغتهم أو فرص التمكن منها فحسب. وإنما تبعثهم على النظر إلى هذه اللغة على أنها اللغة الأقل شأنا والأقل جدارة بالاهتمام، فتزيد من جهلهم بها وبمكانتها ودورها في عملية البناء الحضاري، وتقلل من احترامهم لها ومن العناية بها، وتضعف من سعيهم أومن حماسهم لتطوير مهاراتهم فيها) 12 .

الفرنسية ولغة الأرقام

مازالت اللغة الفرنسية تحتل مكانة جيدة وخصوصا في الدول التابعة لفرنسا تاريخيا والمسماة الدول الفرنكوفونية) 13 ؛ فحسب إحصائيات حول وضعية اللغة الفرنسية لسنة 2010 والتي وردت على الشكل التالي:

– ”درجة الفرنكوفونية في المغرب: من %16 إلى %35.

– متعلمو اللغة الفرنسية بالمغرب يصل إلى %22.6 مقارنة مع 23.4% في أوربا.

– تعلم الفرنسية بلغ 44% في إفريقيا في حين لم يتجاوز %2 في آسيا و%23.4 في أوربا. 14

– تحتل الفرنسية المرتبة الثانية في أوربا بعد الإنجليزية متبوعة بالألمانية والإسبانية ثم الإيطالية 15 .

نخلص مما سبق إلى أن الفرنسية تحتل مرتبة متميزة في المجتمع المغربي وذلك نتيجة البيئة الاستعمارية التي تأثرت بشكل كبير إلى حد أن الاستعمار خرج بحوالي 60 سنة ولم نستطع بعد التخلص من التأثير الثقافي أو ما يمكن تسميته بالاستعمار الثقافي وهو ما يفسر الدعم الذي لا زالت تتلقاه العديد من الجهات المحسوبة على الفرنكوفونية، وهو ما يجد صدى له في البرامج التعليمية للغة الفرنسية في التعليم الابتدائي.


[1] محمد الذاودي، في مخاطر فقدان العلاقة العضوية بين المجتمعات العربية ولغتها (مقال من كتاب اللسان العربي وإشكالية التلقي) بيروت :مركز دراسات الوحدة العربية 2001،ص:52.\
[2] AHMED BOUKOUSS,Dynamique d’une situation linguistique :le marché linguistique au maroc, Faculté des lettres et des sciences humaines-Rabat, 1995,p :79,80.\
[3] BERSTEIN. B., Langage et classes sociales, Paris, Les Editions de Minuit, 1975, p : 59 (347 pages).\
[4] المرجع نفسه. ص:59.\
[5] لويس جان كالفي، حرب اللغات والسياسات اللغوية، ترجمة:حسن حمزة،المنظمة العربية للترجمة،بيروت،2008، ط:1،ص:116.\
[6] في مخاطر فقدان العلاقة العضوية بين المجتمعات العربية ولغتها، ص :69.\
[7] عبد القادر الفاسي الفهري، اللغة والبيئة،منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2003، ص:10.\
[8] المرجع نفسه، ص: 11.\
[9] محمد الأوراغي، التعدد اللغوي – انعكاساته على النسيج الاجتماعي، منشورات كلية الآداب الرباط، 2002، من ص 51 إلى 61.\
[10] محمد الذاودي، اللغة الفرنسية في المغرب العربي: غنيمة حرب أم استلاب هوية، مجلة المستقبل العربي، العدد 368 لشهر تشرين الأول/ أكتوبر 2009،ص:72.\
[11] علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، ص:24.\
[12] أحمد محمد المعتوق، الحصيلة اللغوية، أهميتها، مصادرها، سائل تنميتها، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت، غشت 1996، سلسلة عالم المعرفة، العدد: 212، ص: 8 و9.\
[13] هي الدول الناطقة بالفرنسية رسميا أوالمنتشرة فيها أوالذي يتحدث يها في منسبات مختلفة، لها منظمة تضم 56 بلد، تسمى المنظمة الفرنكوفونية الدولية.\
[14] La langue française dans le monde 2010(organisation interactionnelle de francophonie) Edition Nathan 2010.\
[15] La suisse face a ses langues,Daniel elmiger et simone frester ,Institut de recherche et documentatation pedagogique ,septembre 2005.\