تقديم: تأطير إشكالي

غالبا ما يحتدم الصراع والنقاش حول الهوية، ليصبح نقاشا عموميا، غداة التحولات المجتمعية الكبرى، وعموما فإن أطراف النقاش لا تعدو المرجعية الإسلامية والمرجعية اللائيكية الحداثية في صيغتها الغربية، في الحالة المغربية، إلا أن الملاحظة الأساسية حول نقاش الهوية بالمغرب، رغم أنه نقاشا يفترض فيه قدر هام من الواقعية، إلا أنه يتم على هامش الموضوع الرئيس، المتعلق بالتحول المجتمعي نحو دولة الحق والقانون، أو على هامش النقاش الحقيقي المتعلق بطبيعة السلطة السياسية، أو بطبيعة نظام الحكم القائم. كما أن هناك ملاحظة أخرى جوهرية، لا تقل أهمية عن الأولى، تلك المتعلقة بالتعاطي الجزئي مع موضوع الهوية، وخندقته في قضايا ثقافية لغوية تعبيرية تراثية، على أهميتها بطبيعة الحال، دون أن تعطي هذه الأخيرة للنقاش الثقافي مدلوله الحقيقي وبعده السياسي العميق، أو بالأحرى دون أن تحدد للنقاش الثقافي اتجاهه السياسي، بمعنى أن يتحول النقاش حول الهوية من زاوية ثقافية إلى آلية فاعلة ومساهمة في صياغة التحول السياسي من جهة بناء شروطه. وقد يزعم زاعم أن النقاش الهوياتي في بعده الثقافي يتبلور على خلفية سياسية، إلا هذا الزعم مردود على صاحبه بقوة الواقع، لأن النقاش الثقافي لا يؤثر في ما هو السياسي في المغرب، بل بالعكس من ذلك، فإن الثوابت السياسية للنظام المخزني هي التي ترسم للنقاش الثقافي حدوده، وتحدد له آفاقه، وقد تلغيه في بعض الأحيان، إن لم نقل في أغلب الأحيان، إن لم يكن مؤسسا على مشروع مجتمعي متكامل العناصر.

إن نقاش الهوية يمكنزن، عموما، صياغته إشكاليا على النحو التالي: أي مغرب يريد المغاربة؟ وأي مستقبل للمغرب يريد المغاربة؟ وما هي علاقة الإسلام، الذي رضيه المغاربة قرونا عدة، ورفضوا به الظلم والاستبداد قرونا عدة كذلك، بنظام الحكم وبنظام القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية؟ أعتقد أن عملية تزوير تاريخي سياسي للنقاش العميق للهوية، وحصره في زوايا ضيقة، وما يعرفه ذلك النقاش من توظيف إيديولوجي يبعده عن مقاصده ومهامه وأدواره، لا يزيد الوضع إلا غموضا وشتاتا وتشرذما.

أفضى الاستقراء في الساحة المغربية إلى وجود ثلاث مقاربات كبرى لموضوع الهوية نجملها في:

– “المقاربة المشرعنة” ذات الطبيعة التوظيفية،

– “المقاربة المحصنة” ذات الطبيعة التعريفية،

– “المقاربة المعنونة” ذات الطبيعة التكليفية،

وفي ما يلي ملامسة لهذه المقاربات الثلاث:

1- الهوية المشرعنة

1-1 توظيف الشريعة

لما كان الإسلام هو المكون التاريخي الرئيس للأمة المغربية، والمقوم النفسي العميق في الإنسان والمجتمع المغربيين، وكان مقدسا في نصوصه المرجعية، فقد سعت كل سلطة سياسية تعاقبت على حكم المغرب إلى الاستناد على الدين الإسلامي لتثبيت شرعيتها السياسية للحكم، ولا خلاف في ذلك سواء علينا أكان من منطلق تأسيسي تقوم فيه الحركة السياسية الجديدة المطالبة بالحكم والسلطة، بناء على تقدير فقهي سياسي لفساد السلطة القائمة، ومجافاتها مقاصد العدل في الحكم، وسياسة الأمة بما يفسد عليها أمرها ومصلحها في العاجل والآجل، أو من منطلق تبريري تستعمله القوة الجديدة المالكة بزمام السلطة والحكم لتثبيت صولتها ودولتها وشرعيتها، فيكون استعمال الأولى للنص الشرعي بالحق وفي الحق، ويكون استعمال الثانية للنص الشرعي بغير وجه حق، ويتبع هذا استعمال القوة الذي يكون في الأولى بوجه حق، وفي الثانية بغير وجه حق، بل هو مجرد انقضاض على السلطة، وانتزاع طاعة الناس قهرا وعنفا وإكراها. ولعل الفرق بين سلطة تتعسف على النص وسلطة تكون نتاجا طبيعيا للنص واضح بين، وقد أشار الإمام الشاطبي رحمه الله رحمة واسعة في كتابه “الموافقات” إلى وجهين من وجوه اعتماد الأدلة على العموم، حيث قال: فاعلم أن أخذ الأدلة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين أحدهما أن يؤخذ الدليل مأخذ الافتقار واقتباس ما تضمنه من الحكم ليعرض عليه النازلة المفروضة لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدليل من الحكم. وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصالح الأحكام من الأدلة. والثاني أن يؤخذ مأخذ الاستظهار على صحة غرضه في النازلة العارضة. أهل الوجه الأول محكمين للدليل على أهوائهم وهو أصل الشريعة لأنها إنما جاءت لتخرج المكلف عن هواه حتى يكون عبدا لله وأهل الوجه الثاني يحكمون أهواءهم على الأدلة حتى تكون الأدلة في أخذهم لها تبعا) 1 . وعلى هذا النحو يجري الاستشهاد والاستدلال من قبل فقهاء التبرير السلطاني، استظهارا وليس افتقارا. وإذا تأملنا جملة المفاهيم الموظفة في الحقل الديني – وإن كنت أتحفظ شخصيا على هذا الاصطلاح لأن فيه نوعا من الفصل للدين عن باقي القضايا الأخرى، ولا يسلم به إلا لاقتضاء تواصلي صرف – كالبيعة، وإمارة المومنين، والنسب الشريف، وهي ولا شك تنتظم دلالات ذات قدسية وروحانية عظيمة، إلا أننا نلفيها مفتقرة في التداول المعاصر إلى تلك المقتضيات، سواء أكان ذلك المقتضى في نفس المفهوم، أو في مقتضى خاص بالتداعيات العملية المتعلقة بتوابع المفهوم ولوازمه وشروطه ولواحقه. فمفهوم البيعة مثلا لا ينعقد في غياب شروطها وأولها وجود من يبايع مؤمنا بالقران نفسه، ويمثل طائفة معتبرة من المسلمين المومنين، يؤمنون بالمرجعية الإسلامية قرآنا وسنة، فكيف يصح انعقاد بيعة لا يحضرها من لا يمثل إلا نفسه ولا يؤمن بالمرجعية الإسلامية، ناهيك عن كون صيغة البيعة يتم الالتزام فيها من طرف واحد دون قيد أو شرط، في حين أن المبايعة الشرعية هي التزام بين طرفين. أما النسب الشريف فلا يقوم أساسا للاستفراد بالحكم وتوريث الحكم، لأنه ليس مما يشترط في تقلد منصب الإمامة الكبرى خاصة إذا وجدت دواعي تكر عليه بالنقض. ولو كان ذلك شرطا لوجب اعتباره في الخلفاء الثلاثة الأوائل رضي الله نهم، كما لا يقوم دليلا على أحقية شخص ما بالحكم دون غيره. ولا حاجة للإطالة في هذا الموضوع إذ هو محل نظر من زاوية الفقه السياسي، وليس هذا محله وإنما القصد التعريج على خاصية من خصائص المقاربة المشرعنة المستندة إلى توظيف المفاهيم الدينية العظيمة، وإفراغها من دلالاتها الروحية ومقتضياتها العملية.

1-2 فصل العقيدة عن الشريعة

خاصية أخرى من خصائص المقاربة المشرعنة هي انفصال العقيدة عن الشريعة، أو انفصال القول عن العمل، أو انفصال النظر عن الممارسة، وهي في الوقت ذاته تجل عملي للتوظيف السياسي التحكمي للدين. إذ المفترض في دولة ينص دستورها على المكانة المعتبرة، والأولوية للدين الإسلامي على باقي المنظومات التشريعية، نجد النظام المخزني يتبنى منطق المفاصلة والقطيعة بين المعتقد وتجلياته العملية، بل الأخطر من هذا حين نجده يفتح المجال، ويوفر شروط وفود منظومات ثقافية وإيديولوجية تنافس الهوية الإسلامية الوجود، سواء على المستوى الفكري أو المستوى العملي. إن الازدواجية التي يتعامل بها النظام المخزني مع القيم الدينية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن التعاطي مع الإسلام لا ينبع من الرغبة في خدمة هذا الدين، ولو من منطلق براغماتي الذي يقتضي الانسجام والتكامل بين القول والعمل.

عقيدة الإسلام وشريعته كل لا يقبل التجزيء أو الانفصال، فمهما قلنا بأحدهما في غياب الآخر فذلك معناه الإيمان ببعض والكفر ببعض، وواقع الحال يشهد بهذا، بل النوايا المعلنة لا تقضي في مدلولها ومضمونها وفحواها بغير هذا ولعل أهم الدلائل على هذا هو التنصيص القولي والبرهان العملي على جعل المرجعية الحداثية تضاهي الإسلام على مستوى منطلقات التفكير، وأيضا مصادر التشريع، وعلى مستوى القيم الثقافية والأخلاقية. المحصلة حسب استقراء معطيات الواقع وتفاصيل الحياة المعيشة هي هيمنة التوجهات الثقافية الحداثية، والتهميش الممنهج للقيم الأخلاقية والتشريعية والثقافية الإسلامية، وفتح الطريق وتعبيدها لقيم الحداثة في بعدها الثقافي واللاأخلاقي، أما الحداثة في بعدها العلومي والتقاني والتنظيمي فإن واقع الحال يشهد بالنكوص المتزايد عن الأخذ بها على الحقيقة.

طالع أيضا  دردشة وكتاب: "تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين"

1-3 تجزيء الشريعة

من مقتضيات الانتساب إلى الإسلام العمل على تطبيق كل ما جاء فيه، سواء على مستوى العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق، دون تمييز، أو اختزال، أو اجتزاء، أو انتقاء. ومن مقتضياته أيضا العمل بتجرد عن الهوى الذي يناقض الوحي والشريعة مناقضة تامة، إلا أن يكون ذلك الهوى تابعا للوحي. ومخالفة هذه المقتضيات هو مخالفة صريحة لذلك التنصيص الدستوري على أن الإسلام هو دين الدولة، رغم ما يكتنف ذلك الإعلان والتنصيص من الضبابية، ويجعله خاضعا للتأويل، ومنفتحا على تعددية في الفهم لا تراعي الشروط العلمية والإيمانية للعملية، مما يجعل ذلك المذهب من التأويل بعيدا عن كونه منطلقا من الوحي ومتقيدا بغاياته وضوابطه وقواعده. وغير خفي ما يؤديه دور التناقض من إيهام بأهمية دور النظام المخزني في حسم التناقضات المجتمعية على صعيد العديد من القضايا، ومراكمة الرأسمال الرمزي الديني، الذي يزيد النفوس إيمانا واعتقادا بضرورة وجود ملكية قائمة على أساس ديني، مما يجعله عبر آلية التحكيم الممسك بزمام المبادرة دائما، وهو في الحقيقة مزيد من تعميق المنطق التحكمي التسلطي باسم الدين، وبالتالي التحكم في الحياة العامة، ومنها الحياة الدينية على وجه الخصوص. تأويل النظام المخزني لنصوص الشريعة يدور مع الهوى السياسي حيث دار، يعلو ولا يعلى عليه، ولا يألو القائمون على تأثيث المؤسسات الدينية في هذا جهدا وبحثا عن نص شرعي قراني أو سني ينهض دليلا على صحة هوى ومزاج المؤسسة الملكية، ويناسب الظرفية السياسية للبلاد. إن واقع الشأن الديني الذي تروج له المؤسسات الدينية شكل بدون روح أو جوهر.

رأس الأمر وعموده وذروة سنامه الاعتصام بشريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومنهاجه كاملا غير منقوص، فلا اعتبار بدعوى الاستمساك بالدين الإسلامي ما لم يكن التنصيص على العمل بمقتضيات الشريعة الإسلامية كاملة دون نقصان أو اجتزاء، مع الاستفادة بطبيعة الحال من مكتسبات الحضارة الإنسانية من حيث الوسائل، وما لم يعارض ذلك نصا قطعيا من نصوص الشريعة الإسلامية، فيمكن اعتباره من جملة الوسائل الفرعية الخادمة لأصل كلي. ولعل المتابع للشأن الديني الذي أريد تدبيره بالكيفية التي تشرعن الاستبداد والهيمنة على مصدر من مصادر المشروعية، هو الاجتهاد في توسيع دائرة أصل من أصول الفقه المالكي هي “المصالح المرسلة”، التي تأتي في مرتبة من مراتب أصول الاجتهاد عند المالكية بعد القران والسنة والإجماع والقياس. في الوضع الطبيعي الذي تكون فيه الدولة تدين بالولاء التام والإخلاص الكامل للدين الإسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقا وغاية وأهدافا، يكون القران الكريم وهديه ونوره وشمسه وشريعته هو المهيمن على عموم الحياة الفردية والجماعية، لكن واقع الحال يؤكد أن العقل الفقهي المخزني، أو علماء السلطان ومنظري الاستبداد، الذين ينظرون إلى نصوص الشريعة من وراء الأطر المخزنية، أسسوا لمشروع إقبار الشريعة حين وسعوا من دائرة “المصالح المرسلة”، حتى صار هذا الأصل اللاحق هو الأصل المهيمن على الأصلين القرآن والسنة النبوية، فصار القرآن وتشريعه جزء من كلية المصالح المرسلة، عوض أن تكون جزئية المصالح المرسلة داخلة في كلية القرآن الكريم وتشريعه ومنهاجه. إن هذا الإشكال اكتنفه عور منهجي خطير على مستوى المعالجة إذ استبد بالنظر فيه وفي مقتضياته وتوابعه ولواحقه وسوابقه عقل يدور هواه مع السلطان لا القرآن. لم تنفتح السلطة السياسية في معالجة هذا الإشكال المتعلق بطبيعة الحال بالاجتهاد والتجديد على باقي المكونات المجتمعية سواء من العلماء أو المفكرين أو أهل الرأي والنظر، بل استبدت به دونهم، ضاربة بمبدأ الشورى القرآني عرض الحائط، فجعلوا النظر الفقهي دُولَةً بين حاشية السلطان منهم. وقد يزعم زاعم ويتوهم متوهم أن الأمر شورى متحققة داخل هيئات علمية متخصصة تابعة للدولة، وهذا لا يقول به إلا جاهل، أو غافل ذاهل، لا يفقه للشورى معنى أو دلالة. ذلك أن من يتداولون في قضايا الشريعة في النظام المخزني إنما هم على منهج واحد، وهم على رأي واحد، والخلاف بينهم نادر ومتعذر إلى أبعد الحدود، لأنهم يصدرون عن نفس التفكير، وعن هوى معين ومحدد، لا يميلون عنه ولا يعدلون، ومهما تنوع الاختلاف في شكله، ومهما بدا للوهلة الأولى أنه اختلاف، فإنما هو رأي واحد في مآلاته ونتائجه. أما الاختلاف إن فرض حصوله فيما بينهم فهو إضافي وليس حقيقيا، لأنه اختلاف ليس في نفس الأمر إنما هو في أحد لوازمه أو توابعه أو سوابقه أو لواحقه. والواقع شاهد بهذا وما هو منا ببعيد، فمجرد الاختلاف الحقيقي والشذوذ بالقول عن وهم إجماع المؤسسات العلمية للدولة يفضي بصاحبه إلى الإقصاء عن هذه المؤسسات. ناهيك عن الافتقار إلى أهم شرط من شروط النظر وهو الحرية كاملة غير مقيدة.

حاصل الأمر أن عددا هاما من المفاهيم الأصولية يحتاج إلى التجديد أو التقييد وإعادة النظر في مبناها ومعناها، بيانا وتقييدا لمدلولاتها ومفاهيمها، وتقنينا لاستعمالها وبيانا لسياقاتها وحدودها، وإلا ترك الحبل على غارب الهوى السلطاني. ومن أمثلة تلك المفاهيم الأصولية مفهوم “المصالح المرسلة” ومفهوم “المصلحة” مجردا ومفهوم “سد الذرائع” الذي سد معه باب الاجتهاد والجهاد، خوفا على بيضة لم يعد لها من وجود إلا في مخيلة الطاعم الكاسي، يسلي نفسه بشيء لم يعد له وجود في الواقع البتة. وأيا ما كان الحال فالموضوع محل نظر أصولي وفقه سياسي، وليس هنا مجاله لاشتماله على مواد متداخلة بين الفقهي والسياسي والتاريخي والأصولي والجهادي والاجتهادي والتجديدي، وهلم جرا من المسائل.

2- هوية محصنة

الكيانات الاجتماعية التي تعيش فوق هذه الأرض، لا مناص لها من التواصل والتعامل مع غيرها من الكيانات الاجتماعية الأخرى، سواء أكانت بينها مناسبة بصفة كلية، أو في بعض الجوانب التفصيلية المخصوصة. ولما كانت هذه الضرورة تفرض نفسها على كل كيان لزم أن يكون له هوية خاصة به يتميز بها عن غيره من الكيانات الاجتماعية الأخرى، التي يتعامل معها في سياق صيرورة حياتية، ويضمن لنفسه بها إطارا تعريفيا يقدم به شخصيته الهوياتية للآخرين. ولما كان الإسلام هو المكون التاريخي الأساسي لبنية العقل العربي ونسيجه الثقافي، فقد كان لزاما أن يكون الإسلام هو الإطار التعريفي، دون غيره من المكونات الأخرى التي يسعى البعض إلى جعلها منظومة تعريفية تضاهي الإسلام الوجود، أو تقفز عليه في إطار نفس الرهان. فأن يكون الإسلام إطارا تعريفيا لأمة رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا لا يجادل فيه إلا من ختم الله على قلبه، ولم يَشرح صدره إلى الإسلام، لكن محل النزاع والمآخذ تكمن في صورة وطريقة اعتماد الإسلام إطارا تعريفيا، هل يكون ذلك على وفق ما أراده الشرع، أم يكون على وفق إرادة وأهواء النفوس، أو هل يكون تنزيل التعريف تابعا لمقاصد الدين أو تابعا لأغراض النفوس ومقاصد الأهواء. واقع هذه المقاربة المحصنة ذات النزوع التعريفي تتعاطى مع نصوص الشرع من وراء أهواء النفوس، بحيث لا تستلهم من الدين إلا ما وافق أغراض النفوس، وفي الحدود التي تضمن الحد الأدنى من “التعريف الهوياتي”.

2-1 انفصال الغيب عن الشهادة

من خصائص هذه المقاربة الهوياتية انفصال الغيب عن الشهادة. لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام لهداية الخلق إلى سبل الفلاح في الدنيا والآخرة كان أول ما بدأ به هو غرس التربية على الإيمان بالغيب وتعهدها، لأن ما كان يدعو إليه صلى الله عليه وسلم هو من الغيب، وكلها أمور لا تدرك بالحس، وأقصى ما يمكن أن يدركه المدعو بالحس هو الأدلة العيانية التي جعلها الله دليلا على ما يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فكان الإيمان بالمغيبات يتلوه التصديق في عالم الشهادة المحسوس من خلال القول والفعل، وكان القول المخبر عن مكنونات القلب، والفعل المصدق لما يعتقد بالقلب هما التجليات البارزة للإيمان بالغيب. كان الغيب حاضرا في عالم الشهادة بوجه ما، وكانت الشهادة عنوانا للغيب، لم يكن هناك انفصال بين الغيب والشهادة. هذه الحال لا تكون إلا بأمرين هما جذوة الإيمان العميق والتربية المستمرة، التي تغرس وتتعهد تلك الحقائق في القلوب والعقول. لكن الانحدار التاريخي الذي ألم بالمجتمع المسلم، ودهم أهم أجزاءه وهو قيمه الروحية والأخلاقية، وكذلك هجوم النزعة المادية وجعلها محور التفكير والحركة في الحياة لدى العديد من المسلمين، أضحى التفكر تفكيرا والسعي كدحا، كل ذلك أدى إلى انفصال عالم الغيب عن عالم الشهادة على مستوى فلسفة الحياة في عموم المجتمع المسلم، والانحسار الخطير لهذا الازدواج على مستوى الخطاب الذي أفرزته الحداثة المادية اللاأخلاقية، الجالبة على ديار المسلمين بخيلها ورجلها، فصار الخطاب الإسلامي نفسه، في بعض الأحيان، ناهيك بالخطاب المتأسلم، ينجر إلى محاكاة الخطاب الحداثي، ومفرغا من هذه الثنائية والرابطة بينهما، فانحدر إلى ملابسة الشؤون المادية مجردة، فلا ذكر للغيب فيه.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال التنمية الاقتصادية 5/4

2-2 انفصال القول عن العمل

نتج عن آفة انفصال الغيب عن الشهادة آفة أخرى لا تقل خطورة عن الأولى، هي انفصال القول عن العمل، حيث إن مقتضيات الانتساب إلى الإسلام مطابقة العمل للقول، وأن يكون العمل برهانا للقول، وعندما نطلق القول فإن المقصود به هو تضخم جانب العلم على حساب العمل، أو توسع دائرة الجدل والخلاف على حساب العمل، فلم يعد الاقتصار في العلم على ما يفضي إلى العمل، أو الوسائل الموصلة إلى طريقه، فقد تعداه إلى ما لا يدل في الشريعة على استحسانه، وما ليس تحته عمل، بل توسعت دائرة ملح العلم حتى صارت الدائرة الرئيسية ذات القاعدة المتشعبة، وانحصرت في المقابل دائرة صلب العلم الذي يستقيم به العمل، ويحفزه عليه، ويشمل هذا الأنساق الفكرية والكلامية، وهكذا نزولا إلى دائرة الفرد في الأمة الإسلامية. يمكن رصد هذه الآفة من خلال استقراء التراث العربي الإسلامي والتدقيق في مختلف مضامينه وعناوينه، حيث الاتساع المهول لدائرة القول في القضايا النظرية، خاصة علم الكلام، الذي شغل العقل المسلم قرونا عدة، وهو أبرز تجل من حيث الموضوع لاتساع دائرة القول. لم تكن قضايا علم الكلام مما يهتم به من قبل الرعيل الأول من الصحابة الذين تشربوا التربية النبوية، وأدركوا أولوياتها العملية، ولم يستحق اسم العلم في فهمهم إلا ما كان حاثا على العمل مقربا إليه دالا على طريقه الموصلة إليه.

تتخذ المقاربة التحصينية للهوية الإسلامية في عصرنا هذا أشكالا متعددة للقول تتجاوز حدود الكلمة إلى التعبيرات الشكلانية الطقوسية التي يراد بها التعبير عن حقيقة الإسلام، ويراد اختزال الإسلام فيها بدعوى إبراز القيم الجمالية فيه، وانفتاحها على الحضارة الحداثية، لكن بتمثل مادي لقيم الجمال، ونزوع جسماني، دون أن يكون ذلك منبعثا من حقائق الإيمان بالله واليوم الآخر، ودون أن يكون المعبر الحقيقي عن رسالة الإسلام ومقاصده. وما هي في الحقيقة إلا تعبيرات ثقافية تصدر عن قيم بشرية تصادم أحيانا مقاصد الفطرة ومقتضيات سلامتها، ترتبط بالموروث الثقافي أكثر من ارتباطها بالدين الإسلامي، ويراد تقديمها على أساس أنها تعبيرات دينية وهذا تدليس خطير يمس بنصاعة الإسلام ووضوح رسالته.

3- الهوية المعنونة

3-1 تكامل العقيدة والشريعة

إن مما هو معلوم من الدين بالضرورة هو وجود تكامل بين القول والعمل، وبين التصور والفعل، وبين الاعتقادات والعبادات، ومما هو معلوم أيضا من الدين بالضرورة أن الله تعالى كما تعبدنا بالفعل فقد تعبدنا بالقول، ولم يتعبدنا بواحدة منهما دون الأخرى، وهذا واضح بين دلت عليه نصوص القرآن والسنة النبوية، ولا حاجة إلى الإطناب في بيانه، لكن تعين التنبيه في هذا المقام، ونحن نحاول مقاربة الهوية المعنونة باعتبارها المقاربة الأكثر تعبيرا عن الهوية الإسلامية الحقيقية، وما جرى عليه العلم عند صالحي الأمة ابتداء من الصحابة رضوان الله عليهم ومن تليهم، إذ علم منهم تمثل الحديث وآيات القرآن الكريم الحاثة على مطابقة العمل لمقتضى القول. وهذا تدل عليه سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في فعله وتربيته للصحابة رضوان الله عليهم، ابتداء من المستوى الشخصي، مرورا بالمستوى الأسري، إلى المستوى الاجتماعي. فقد كان الصحابة لا يعتنون بحفظ آيات القرآن مجرد الحفظ أكثر من عنايتهم بفهم وعمل ما حفظوه، فلم يكونوا ينتقلون إلى حفظ الآيات الأخرى حتى يصير لهم ذلك المحفوظ سلوكا عمليا وملكة مكتسبة، لا يتكلفون العمل به، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام فيه حديثه: “ألا وإني بريء من التكلف وصالح أمتى” 2 .

وكذلك لم تكن عنايتهم بالقرآن بغرض التحدي والجدل والمفاخرة به. ولما كان جل عنايتهم بالعمل فقد كانت دائرة الجدل منحصرة ومحاصرة بالوعي العملي للصحابة رضوان الله عليهم، وما إن تظهر بوادر السؤال بخلفية الجدل إلا ويبادر الصحابة إلى رده على صاحبه، ورد صاحبه إلى جادة الصواب والعمل، وهذا موجود في سيرة الصحابة رضوان الله عليهم مشتهر كقول سيدنا علي رضي الله عنه: سل تفقها ولا تسل تعنتا)، ونهى سيدنا عمر رضي الله عنه عن السؤال فيما لا يفتقر العمل به إلى الوقوف على معناه التفصيلي، كما وقع في تفسير قوله تعالى “وفاكهة وأبا”. وقد أجمل الإمام الشاطبي القول في هذه القضية في إحدى مقدماته بالقول بعدم وجود ما يدل في الشريعة على استحسان الخوض في ما ليس تحته عمل. ولعل من أبرز التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي هي كيفية تعاطي مخلفات وآثار قرون الجدل والكلام واتساع دائرتهما وهيمنتهما على طرائق التفكير. يتعلق الأمر إذن في هذا المستوى بإعادة النظر في مناهج التفكير، بحيث يتعين بناء نماذج تفضي إلى العمل دون أن تسجن المفكر في دائرة النظر فقط. ولو قلنا بأن هذا موجود بالفعل فإن دائرته لا تزال متقلصة بقدر لا يساعد على تحقيق نهضة عملية حقيقية. الجدل والكلام هما ديدن منافقي العصر الذين يجادلون بالقرآن، ويتحدثون في كل شيء عن الدين عدا الحديث عن العمل وأوله إقامة الصلاة، التي كانت ميزانا حقيقيا عند الأوائل من الصحابة، إقامة الصلاة يعرف المسلمين ويميزهم عن غيرهم من الكافرين والمنافقين، الصحابة الذين فهموا الدين كما جاء به الرسول الأمين، لا كما يريده المارقون عنه اليوم. يتحدث المارقون عن الاجتهاد والتجديد، والحال أنهم لم تعرف لهم مزاولة شعائر الدين والعمل بشرائعه، بل منهم من رائحة معاصيه ومخالفته لصريح نصوصه وشريعته تزكم الأنوف، وصارت معلومة للبعيد قبل القريب، ومع ذلك تلفيه يجادل في الدين والتجديد بالقرآن، وهو بعيد منه كل البعد. وحجتهم في ذلك أن هذا شأن خاص، ويعتبر من جملة الحريات الشخصية، وأن ليس لأحد الحق أن يتدخل في الحريات الشخصية، مشهرا بعض النصوص التي فهمها وأولها على هواه، مفصولة عن سياقها وأسباب ورودها، وهذه طامة أخرى حين يقابل منطق ديني بمنطق لائيكي، تفرزه منظومة حقوق الإنسان غير المتعارف عليها عالميا، لأن الجزء الأكبر من ساكنة الأرض، وهم المسلمون بطبيعة الحال، لم يحضروا موائد صياغتها، إنما فرضت عليهم مقتضياتها فرضا، وسلبوا الحق في النقاش والمشاركة والمساهمة، إنما الأمر فرض وليس عرضا من قبل القوى المهيمنة، والمسلمون مستهلكون في هذا الباب لا منتجون. وعلى كل حال ذلك اعتراض مردود على صاحبه بأدلة إجمالية قطعية وأخرى تفصيلية؛ منها أن الاجتهاد في الدين لا يسوغ إلا لمن ثبتت عدالته وورعه وزهده وتقواه، وأن النوازل الفقهية وغيرها تعرض على الصالحين من الأمة دون غيرهم. وإذن فقد حصل الإدراك أن هذا الدين ليس كلاما وأفكارا تعرض في ساحة الجدل، بل هو عمل مبني على علم نافع، وهو ما أدى بصاحبه إلى العمل لا ما قصر بصاحبه عن العمل والخشية لله تعالى. ولعل من عوائق النهوض في العالم العربي الإسلامي هو إعادة إنتاج مقتضيات “حضارة القول” الموروث عن تاريخ الجدل والصراع الكلامي العنيف، وإهمال حضارة العمل المتأصلة في التراث النبوي الصحابي، وبقدر رجوعنا إلى “حضارة العمل” والابتعاد عن “حضارة القول” نكون أقرب إلى “أمة استخلاف” وأبعد ما نكون عن “أمة استخفاف”.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال الطبقية والاحتقان الاجتماعي 5/2

3-2 كمال الشريعة

أشرت في السابق إلى طبيعة تعاطي الشريعة من قبل أصحاب المقاربة المشرعنة المتسمة بطبيعة “اجتزائية”، والمقاربة المحصنة التي تسعى إلى امتلاك أسباب الحصانة لتمنعها من الذوبان في الهويات الأخرى، تتسم بطبيعة “إرجائية” للشريعة الإسلامية، وتغلب جانب القول على جانب العمل، بل لا تقيم وزنا للعمل، والمقاربة المعنونة للهوية الإسلامية المتسمة بطبيعة “الاستيفائية” لجميع شروطهم سماتها وأبرزها هو الاهتمام الذي يليق بالانتساب إلى الإسلام، حيث العمل على وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية هو رائد هذه الدعوى، أو المقاربة، وبرهان صدق انتسابها الحقيقي.

وعندما أطلق لفظ الكمال فإن ذلك معناه كمال الشريعة في ذاتها، وكمالها في التشريع لشمولها كل أبعاد الإنسان، وشمولها لكل مجالات اشتغال الإنسان والمجتمع والدولة، والعلاقات التي تنظم المجتمع والدولة بغيرهما من المجتمعات والدول الأخرى. وهذا المعنى المتعلق بكمال الشريعة وشمولها لما ذكر يقتضي بالضرورة والقطع تكامل الشريعة ومقتضياتها فيما بين المجالات والمستويات والمراتب السالفة الذكر. ومن كمال الشريعة بالمعنى الحقيقي للكمال استحالة وجود التعارض والتناقض بين المجالات التشريعية، لأنها موضوعة على مقتضى العدل، والله الواضع لأسس هذه الشريعة ولكلياتها، وضعها على قاعدة العدل، لذلك استحال وجود التعارض بين أجزائها، ولأن الشارع واحد لا يتعدد، وهو أعلم بمصالح الخلق، وهو الواضع لها على وزان يراعي مصالحهم في الدنيا والآخرة سواء بسواء، ويعلم حالهم في خاصة أنفسهم وفيما بينهم، وبين المسلمين وغيرهم. والأدلة على ذلك غير منحصرة، والشريعة في جملتها كلها شاهدة على هذا. ولأن واضع الشريعة ليس له مصلحة خاصة في التشريع عائدة إليه، بل المصلحة التشريعية عائدة على الخلق في الدنيا والآخرة، بخلاف التشريع الوضعي، رغم ما يبدو ببادئ الرأي والوهلة والأولى أنه لمصالح الخلق والعباد، إلا أن النقص الذي يعتري البشر، بحكم طبيعتهم، وعدم قدرتهم على الإحاطة بالمصالح في كلياتها، وعدم القدرة على تحقيق الكمال، فإن ذلك مانع من تجريد التشريع لمصالح كافة الخلق، واقتصاره على طائفة معينة، وكذلك عدم قدرته على ضمان مصالح الخلق في الآخرة، ينزل به عن مرتبة الإحاطة والشمول لمصالح الخلق، وهذه أكبر علة باعثة على القدح فيه من جهة قصوره لا من جهة تحقيق المصلحة العاجلة، ناهيك عن كونه لا يمحض لمصلحة الخلق مطلقا، بل هو مشوب بهوى المشرع في جميع الأحوال، سواء أكان فردا أو فئة أو طبقة. فمتى عدل الإنسان والمجتمعات عن التشريع الإلهي الرباني إلى التشريع الوضعي فإن ميله هذا إنما هو ميل إلى الهوى، وعدول عن دواعي الاستقامة في الدنيا وطلب الفلاح في الآخرة. ورغم أن الأمة التي تسوس أمورها بالحكمة العقلية المانعة من استبداد الفرد بالرأي دونا عن الكافة من الناس ظاهريا، إلا أنها تركن إلى مقتضى الهوى المانع من ملابسة وغشيان الرحمة المبثوثة في الشريعة الإلهية.

لعل من القضايا والأسئلة التي يتعين الإجابة عليها هي: هل إقامة العدل وفق مقصد التعبد هي أولى ومقدمة على إقامة العدل على قاعدة التعدد في التشريع؟ أو أن التعدد في إقامة العدل مقدم على إقامة العدل وفق مقصد التعبد؟ إذ التعبد عموما هو سلوك طريق الآخرة، سواء كان المتعبَّد به تنحصر فائدته في المتعبِّد أو تتعداه إلى غيره فردا كان أو جماعة. أم إن إقامة العدل بأي قانون اتفق وعلى أي وجه تحقق هو المطلوب، رغم كونه لا يعدو حدود مصلحة الدنيا، وليس لمقيم العدل إلا كما لغيره من المنتفع به من أفراد المجتمع، وليس له في الآخرة خلاق من سعيه ولا نصيب من كدحه، بخلاف الأول فله جزاء الدنيا وحسن جزاء الآخرة فضلا وكرما من الله تعالى؟

أما كمال الشريعة على مستوى الترابط والاتصال بين عناصر الدين من عقيدة وشريعة فقد شكلت الثانية البرهان العملي للأولى، ويزيد هذا البرهان كلما كان الاشتمال حاصلا في كل جانب من الجوانب التطبيقية للشريعة، بحيث تشمل كل جزء من أجزاء الحياة الفردية والجماعية، ولا يشذ عنها فرع من الفروع، حتى تصير كلها داخلة في الشريعة ومندرجة تحت حكمها، وفي ذلك ما فيه من جريان الحاكم على حكم الانتظام داخل مقتضيات الشريعة، مع مراعاة مصالح الخلق في عاجل دنياهم وفي آجل آخرتهم، وتجري الأحوال على ضمان حقوق الخلق وحفظها من الضياع وتفويت فرص الهرج والفتنة، أو على الأقل الحد منها ومن أسبابها إن لم يقدر على القضاء عليها بصفة نهائية، لأن البشر مع ما جبلوا عليه من نوازع الميل إلى الخير فهم كذلك لهم من الاستعداد ما يماثله للنزوع إلى الشر، ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. لذلك لم يوكل الله تعالى صيانة الحقوق فيما بينهم لأنفسهم، ولم يجعل حفظها منوطا بهم، بل وكل بها من يقوم عليها قيام حفظ وعدل ونصفة، ويكون هذا الأخير بمحض إرادتهم لا استبدادا بأمرهم والقطع في القضايا دون مشورتهم أو الرجوع إليهم، أو الاستبداد بالثروة دونا عنهم تسخيرا للغلبة والتسلط عليهم.

3-3 استكمال الدين

فكما أن الشارع لم يترك الخلق لحفظ الحقوق لأنفسهم، أو لمجرد الضوابط القانونية، كذلك لم يتركهم هملا دون أن يحدد لهم الوجهة في الحياة الدنيا، ويرسم لهم اتجاها معينا لكي يحقق لهم معنى الكرامة الآدمية، ويميزهم عن غيرهم من المخلوقات، لأجل ذلك كلفهم بالبحث عن المعنى وحدد لهم كيفية الوصول والطريق الموصل إليه، وليس ثمة دليل أقوى وأوضح لهذا الحث من حديث جبريل الذي رسم فيه الشارع للعبد المسلم اتجاه الحركة وقصدها، فجعل الدين مراتب بعضها فوق بعض، ولا يتحقق العبد بمرتبة من المراتب حتى يستوفي شروط المرتبة التي قبلها، وقد يكون له بعض من المرتبة التي تليها دون أن يستوفي المرتبة التي هو فيها، كأن يكون له نصيب من الإحسان دون أن يكون قد استكمل الإيمان، وهكذا، إلا أن الأصل المعول عليه هو أنه لا يصير إلى المرتبة التالية إلا بعد استيفاء شروط الأولى. هذه السمة التشريعية التي ترسم للعبد غاية وقيمة جمالية روحية ترتفع به عن حضيض المادة إلى سماء المعرفة والمحبة التي تجعل الشريعة الإسلامية في غاية التميز، بخلاف الشرائع الوضعية التي لا تُعرِّف للإنسان بما تتجاوز به حدود المطالبة المادية الجسدية. وكيف يعرف غير ذلك من لم يخلص نفسه من عقال المادة وتعلقاتها. إن ما تمتاز به شريعة الإسلام، فضلا عن كونها في غاية الكمال والتمام والانسجام بين مجالاتها، هو كونها تمنح الإنسان السعادة، أو أنها تمنحه السبيل لتحقيق السعادة الروحية القلبية، بعدما تعبد له الطريق المادية المطلبية الجسدية الجسمانية، لا تهملها، بخلاف القانون الوضعي الذي لا يعطي للإنسان السعادة الحقيقية بقدر ما يمنحه قدرا من الاستقرار المادي الذي لا يستهان بقيمته في صون كرامة الإنسان، ما لم يظلمه أخوه الإنسان، والظلم على كل حال حاصل كلما جانب العباد سبل الرشاد التي رسمها الشرع الحنيف.


[1] الموافقات في أصول الشريعة ص:3/47.\
[2] أخرجه الهندي في كنز العمال (33136).\