صدى السنين الحاكي

إذا كانت الذكريات صدى السنين الحاكي) كما يقول شاعرنا شوقي رحمه الله، فقد وجب أن تكون ترجمتنا ورؤيتنا القرآنية للتاريخ باعتبارنا أمة ذات دين وحضارة متصلة بالموعود الرباني المطلق، هي ترجمة هذه الذكريات بالذات. فالرؤية الواضحة للماضي والحاضر شرط لتصور المستقبل والتحرك نحوه دون تهيب من الانحراف) 1 ، كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين.

إن طريقنا التاريخية ولا سيما تلك التي تبدأ بعهد الرسالة الإسلامية والتي تمضي فوقها مواكب العرب والمسلمين في روعة بالعشرات بل بالمئات من مواطن الذكريات، كلها متصلة أوثق الاتصال بالوقائع والأحداث التي تسجل لنا مواقف حية، وأطماحا كريمة، وتضحيات جليلة في سبيل بنية اجتماعية قويمة.

البيت الحرام في وادي مكة موطن من مواطن هذه الذكريات، وهو الموطن الذي ارتفعت بجدرانه قواعد العقيدة الإسلامية لا منذ أيام المصطفى العدنان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، بل منذ أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام يوم قال وولدَه بعد رفعهما القواعد من البيت: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 2 .

وتمضي القرون الطويلة بعد ذلك ويتعاقب الأنبياء من بني إسرائيل وغير بني إسرائيل حتى يأتي اليوم الذي تتخذ فيه الدعوة طابعها العالمي، فإذا ببيت مكة وبوادي مكة يحتفظان بعد الدهر الطويل بخصائص الذكريات التي هي “صدى السنين الحاكي” تحكي للأجيال الطالعة القصة الكاملة للهداية التي تغلغلت بها أنوار المعرفة إلى القلوب.

ويأتي المسجد النبوي بالمدينة المنورة شاهدا آخر من الشواهد المزروعة في الطريق فيكون بمثابة الحافز إلى المزيد من الإيمان، والآية على رجولة المواقف الفريدة وقدرة المومنين المجاهدين من الصحب الكرام على تحقيق المنجزات الكبيرة وإنفاذ موعود الله في الأرض وعليها بصحبتهم للشخص الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.

ثم يكون ثالث الحرمين في بيت المقدس تمنحه امتيازاته في ترجمتنا التاريخية تلك الزيارة المنيفة التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم من أيام دعوته السماوية، والتي صنفت في عداد الذكريات الحاكية لأيام العرب والإسلام في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ 3 .

وهنا نقف فلا نجاوز هذه الذكرى إلى ذكريات أخَر في عشرات من المواطن أسهمت في رعايتها وسقايتها ملايين من القلوب العامرة بالله والحافلة بمواقف الجهاد والتضحية والنجدة. إذا كنا اخترنا الوقوف عند ثالث الحرمين فلأن هذا الحرم هو اليوم قضية العرب الكبرى ومعضلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

ثالث الحرمين والهجمة الصليبية-الصهيونية

ثالث الحرمين لم يعد ملكا للعرب، ولم يبق موطئ قدم للمسلمين في أقطار الأرض دون سواهم. لقد انتزعته صليبية من نوع جديد. وأشاعت من حوله الرعب موجة استعمارية اختلطت فيها الوقائع، واضطربت بها السبل، وموَّهت بها حدود ما بين الحق والباطل.

وأصر المستعمرون على جعل هذه الغارة العدوانية مزيجا من الأسطورة الوقحة والمكيافيلية الفاسدة، وسياسة القوة الرابضة وراء مسيرة الإسلام تتذرع بكل الوسائل الممكنة لِوأْدها، والقضاء على ينابيع الحياة والفتوة فيها.

الصليبية في هذه المرة لم تموِّه عدوانها بدعوى الحفاظ على قبر المسيح، وهي التي تعلم أن هذه الدعوى قد بليت جِدتها، وافتضحت أغراضها، ولكنها أتتنا على صهوة الصهيونية بكل ما يرافقها من المزاعم الأسطورية في حق سليب لها باستعادة أرض الميعاد.

وحشدت لهذه المزاعم كل الأكاذيب، ووضعت في خدمتها كل الأجهزة الإعلامية، وأنفقت على هذه وتلك مئات الملايين بل ألوفها من الدنانير. وفوجئ العرب ومن ورائهم العالم الإسلامي كله بسلسلة محكمة من المؤامرات والمناورات اشتركت فيها المنظمات والمؤسسات الدولية على نحو لم يعرف التاريخ البشري له شبيها في الإعداد والمتابعة والتنسيق.

ومما يلفت النظر أن المعسكرات العالمية المتناحرة قد اختلفت عام 1948 على كل شيء، وتنابذت في كل موقف، وتطارحت فنونا من الاتهامات، باستثناء الحملة الصهيونية الفاجعة التي زُودت بالسلاح والمال، وساندها النفوذ السياسي، ووقفت في جبهتها كل المعسكرات الأجنبية، وتم الضغط في سبيلها ولتحقيق النجاح لها على دول كانت جديرة باتخاذ موقف الحياد على الأقل، ناهيك عن الضغوط التي مارستها الدوائر الدولية المتحالفة مع الصهيونية على مراكز القوة التي تملك في داخل الأرض العربية وعبر العالم الإسلامي كله.

ثم انكشفت كل هذه الجهود غير الشرعية، والمناورات المريبة، والمؤامرات السوداء عن دُويلة مصطنعة لم تكد تعلن عن نفسها في 15 أيار/مايو من عام 1948 حتى تسابق الأقوياء في العالم إلى الاعتراف بها، والإعلان عن حمايتها، والمبادرة إلى تزويدها في سخاء منقطع النظير بالمال والسلاح والرجال، وبصورة خاصة بأحدث الكفاءات العلمية والتكنولوجية.

والواقع أن الخطط الصهيونية الاستعمارية العالمية كانت ولا تزال أعظم حجما من أغراضها العسكرية والسياسية المباشرة؛ إن القوة المعبأة لإنجاح هذه الخطط منذ بداية تنفيذها عام 1948 وحتى اليوم، أي على امتداد سبعة عقود تقريبا، لا تهدف في الحقيقة إلى إجلاء شعب فلسطين ومَن حولها من الأرض وحسب، بل تطمح إلى القضاء على تراث تاريخي ضخم، هو في حقيقته منهاج حياة، وعقيدة ذات أبعاد عالمية، وقدرة تشكل تهديدا لقوى الاستكبار العالمي، ومراكز إستراتيجية تستوعب حضارةً غيرَ الحضارة التي تفد إلينا على هيئة صور ثقافية وأسلوب حياة وخطة عمل وتفكير.

إن تعبئة العدو الصهيوني ومن ورائه دوائر الاستكبار العالمي هي تعبئة قوية عرفها العالم الإسلامي، وواجهها منذ بداية القرن الثاني عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلاديين – أيام كانت في القلب نخوة من إيمان وعزة بالله رغم الملك العضوض في أصقاع العالم الإسلامي– مع الفارق الكبير في الأهبة والاستعداد، والخبرات وأسلحة التكنولوجيا الضخمة.

كل هذه التعبئة تقف وراء “إسرائيل”، وتمكن لها في أرض فلسطين، وتتيح لها فرصة السيطرة على ثالث الحرمين بحيث يكون وجودها المستمر في بيت المقدس عنوانا على هزيمة معنوية تتحطم بها روح المقاومة والجهاد عند العرب والمسلمين بعامة، وهي واحدة من الأغراض البعيدة التي يُقصد بها استنزاف ينابيع الرجولة والفتوة في ثقافة المسلمين وعقيدتهم.

فالتعاون مع اليهودية الصهيونية لم يأت عفو الخاطر ولا هو حصيلة جهد يهودي صهيوني وحسب، لقد تم هذا التعاون وتوفرت لليهودية الصهيونية المساندة التامة رغم تعاقب الحكومات، وتباين الأغراض عند الدول والمعسكرات العالمية، لأن هناك مصلحة مشتركة عليا دفعت كل الأطراف بكل مذاهبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى اتخاذ موقف التأييد والمساندة دون تحفظ من الأطماع الصهيونية، واقتنعت كل هذه الأطراف بضرورة تعبئة كل الإمكانات المادية والمعنوية واتخاذ كل الأسلحة للحيلولة دون نجاح الرد العربي، ونمو الاستجابة الإسلامية للتحديات الصهيونية.

ولا بدع أن تجد الصهيونية الأنصار الكثر في الدوائر الاستعمارية الكبرى وأن تتلاقى مصالح الطرفين. والواقع أن هذه الدوائر قد اكتشفت في الصهيونية المنجم الذهبي الذي يغذي حملاتها العدوانية لكبح جماع العرب وإطفاء نور الإسلام لا سيما وأن الصهيونية هي في جوهرها جزء من الحضارة اللائيكية التي تمثلها هذه الدوائر بالذات، ويوم تم اكتشاف الدور الذي يمكن أن تقوم به اليهودية الصهيونية لحماية النفوذ الاستعماري على طريقة حصان طروادة لم تتردد الدوائر ذات العلاقة في إخراج هذه الحركة من ميدان النظر إلى ميدان الفعل.

يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا الصدد على أن الولايات المتحدة بالذات قد دعمت الدولة الصهيونية منذ نشوئها لثلاثة أسباب يراها أكثر أهمية من دوافع أوربا إلى مؤازرة تلك الدولة الصهيونية. يقول: أولها أن حلول مملكة صهيون عقيدة يشارك اليهود فيها البروتستانتيون المنكبون على تلاوة التوراة. وثانيها أن الأرض العربية تتوفر على أكبر حقول النفط في العالم وتحتاج لذلك إلى حارس”أمين” يحفظ الكنز ريثما تهب “عاصفة الصحراء”. لكن العلة الاقتصادية والعلة الاعتقادية تدعمهما علة ثالثة -سياسية هذه المرة- تنبع مباشرة من الأحداث، وتكمن في وجود مجموعة ضغط يهودية في واشنطن يسندها حوالي ستة ملايين من اليهود يملكون الثراء والقوة، ويتمتعون بالنشاط) 4 .

نحن هنا لا نحاول أن نثبت للعالم ولأنفسنا بأن الصهيونية والقوى المحالفة لها هي عنوان على جريمة دُبرت بليل، حتى الذين اقترعوا ويقترعون لمصلحتها يعرفون حقيقة هذه الظاهرة وأبعادها والدور الذي تقوم به، والأغراض التي تسعى إلى تحقيقها، ولكننا نسلط الضوء على الجريمة الدولية لنربط بينها وبين معنًى من المعاني الخاصة بنا نحن المسلمين. نحن نسلط الضوء لنحكي حكاية التناقض العجيب بين ما يرمي إليه العدوان الصهيوني الأسود، والصورة الإنسانية المتمثلة في الإسراء والمعراج.

الخلفية التربوية والثقافية للصهيونية

من الطبيعي أن نتعرف إلى الخلفية التربوية والخصائص الثقافية الأساسية للعقلية اليهودية الصهيونية، قبل أن نعقد المقابلة بين موطن الإسراء والمعراج بما هو رمز للوحدة بين رسل الله وكتبه في دعوتهم الناس إليه سبحانه لفيفا وبين الحضور الصهيوني بما هو مُطلقُ ومُنطلقُ الشر الأسود من ناحية أخرى.

هناك نصوصٌ كثيرة منثورة في سِفري الخروج والتكوين من أسفار التوراة مليئةٌ بالمزاعم والأساطير والحكايات التي تغذي فكرة تحيز الإله، إله إسرائيل، لجماعة اليهود، كما تغذي روح الحقد والكبرياء والاستعلاء والجبروت عند أصحاب هذا الدين. يصف لنا القرآن الكريم هذا الجبروت اليهودي في سورة الإسراء: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً 5 .

يقول الأستاذ ياسين: هذا الاستكبار متجذر في الشخصية اليهودية التي تُلَّقن مند نعومة أظافرها مبادئ العنصرية وتجعل من بني إسرائيل شعب الله المختار. وذلك ما تردده توراتهم: “ففي ذلك اليوم، فتح يوشع ماقدة Maqqeda وأباحها وملِكَها للسيف. لم يدع فيها حيا. عامل ملكها بمثل ما عامل به ملك أريحا من قبل”، ثم يضيف متسائلا في استغراب: “(…) نحن لا نمانع في تصديق التوراة حين تصف قسوة اليهود التي نعانيها يوميا، لكن كيف نُصَدّق هذه القصص الدموية التي تجعل من نبي طاهر -يوشع- جبارا متعطشا للدماء؟) 6 .

وهكذا تقررت الإفادة من هذه المزاعم الأسطورية التي تحفل بها الكتابات اليهودية ذات الطابع الكهنوتي، لإعطاء المؤامرة العالمية في وجهها الصهيوني الشرعية والصفة القانونية.

ومن البديهي جدا أن تتخذ هذه المزاعم الأسطورية والكتابات النابعة من عقدة الشعور بالعجز والنقص في فترات طويلة من تاريخ الشعب اليهودي صفة الحافز الذي يتحول إلى ركام من أحلام اليقظة يجترها أصحابها بوصفها عملية تعويض مُرضٍ عن العزلة الطويلة التي فصلتهم عن شعوب العالم.

وبغض النظر عن تصديق كل اليهود أو بعضهم بصحة النصوص الواردة في التوراة والتلمود، وبعيدا عن إيمان الكل أو البعض بالوجود الإلهي، فقد كانت هذه النصوص قبل ظهور الحركة الصهيونية حركة سياسية اقتصادية وبعد ظهورها مادة إعلامية وينبوعا ثقافيا لكل الدعاة الصهاينة حتى الملحدين منهم. وتحت الضغط التلمودي-البروتستانتي أفلح الماكرون في ارتهان الضمير المعذب وأصبحت أوربا ملزمة بوضع أسس دولة يهودية في فلسطين لتخفيف الضغط اليهودي على بلادها أولا وللتكفير عن خطيئتها ثانياً) 7 .

أرض الإسراء والمعراج

إن مدينة القدس موطن لذكريات إسلامية، والذكريات كما قلنا في بداية هذه المقالة هي شواهد وَصُوًى في الطريق التاريخية للشعوب والأمم. ولما كان الإسراء والمعراج صورة روحية تشد المسلمين إليها بخاصة وتحقق لهم إحساسهم بوحدة الشخصية، وتقوم بعملية توكيد لدورهم في التاريخ، فإن وضع المكان الذي أُسري إليه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بشهادة القرآن الكريم، تحت السيطرة اليهودية الصهيونية هو بمثابة المعول الذي تُحدث به “إسرائيل” شرخا حقيقيا عميق الأبعاد في الشخصية الإسلامية.

في الإسراء آية على اتصال المسلم بالغيب الذي يؤمن به. إنها تعريف أمة تائهة بحقيقتها، ورسالتها، وقدرها المكتوب وحسابها الدقيق. إن المسلمين ينبغي أن يعرفوا من هم؟ وبم أوثروا؟ وما المطلوب منهم لليوم الحاضر والغد القريب الموعود، غد الخلافةِ على منهاج النبوة ثانيةٍ. لذلك ستظل إسرائيل الابتلاء مؤقتا، ريثما يدرك المليار ونصف المليار مسلم المتشرذمون هويتَهم الحقيقية، لأن الابتلاء مفهوم مركزي في الإسلام يميز الله به الذين آمنوا من الكافرين. وعد الله جلي في كتاب الله، لكن تحقيقه رهين ببضعة شروط؛ بالإيمان، بالمؤهلات السياسية والاجتماعية، بالمقاومة والاستشهاد، وبالإعداد الطويل المتأنِّي إلى أن يحل يوم “التداول”، فالنصر رهين بالاستحقاق!) 8 .

وفي الإسراء توطيد لتكامل الرؤية الثقافية والتربوية عند المسلم، وفي الإسراء أيضا إعلان عن أن الحفاظ على أرض ثالث الحرمين هو توكيد لحماية الدعوة إلى الله.

وليس عبثا أن الله سبحانه وتعالى قد جعل بيته المحرم في واد غير ذي زرع، وربط قواعده بوجود أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام وأتاح لهذا النبي الكريم أن يتولى هو شخصيا بالتعاون مع ولده إسماعيل رفع القواعد من البيت الحرام وجعل استمرار الحنيفية السمحاء مرتبطا باستمرار الحرمة التي يتمتع بها هذا البيت الكريم.

إن العلاقة النفسية بين المسلمين ومكة علاقة وجود وبالتالي عملية توكيد للشخصية الإسلامية على امتداد التاريخ. ولم تكن الدعوة السماوية التي جاء بها خاتم الأنبياء بدعا في تاريخ النبوات التي ظهرت بعد نبوة إبراهيم الخليل، بل إحياء لجوهر هذه النبوات وتوكيد لها وتصحيح للقيم والأفكار وتحرير لها من الشوائب التي دخلت عليها. كما أن إبقاء البيت الحرام الذي دنسته وثنيات الجاهلية بعد تطهيره منها ركيزة تستقطب قلوب المسلمين، بمعنى تحقيق تلك العلاقة النفسية بين المسلمين وبيت الله في مكة المكرمة.

ولنا في العديد من الآيات القرآنية الكريمة شواهد ثابتة على المعنى الديني العميق الذي يرمز إليه موطن الاستمرار الإسلامي في مكة وعلى أن سلامة هذا البيت تعني توكيد السيادة والسلامة لتراث العقيدة الإسلامية.

هذه الظاهرة نفسها نجدها في موطن الإسراء والمعراج، وقد أعطت العناية الإلهية هذا الموطن دورا خاصا حين جعلت من إسراء النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه مناسبة يتعرَّفُ فيها ونتعرف نحن من خلاله عليه السلام على جملة من آيات الله في كونه العظيم، ويكتشف عن طريقها ونحن أيضا بصحبتنا له نِعَم الله وآلاءه.

وبيت المقدس يبقى في ضوء هذه الرؤية الدينية موطنا للحدود الخارجية لأبعاد الشخصية الدينية وخصائصها الأخلاقية، وخسارة هذا الموطن تعني أن العدو قد بدأ يحطم الحصون الخارجية والهامة لحرمة الوجود الإسلامي.

لا عجب إذا أن اليهودية الصهيونية وحلفاءها في العالم حريصون على الاحتفاظ بهذا الموقع الذي انتزعوه، وهم أشد حرصا على تشويه معالمه. وإذًا، فالعدوان اليهودي الصهيوني على أرض الإسراء والمعراج هو المدخل إلى تنفيذ خطة طويلة الأجل تجمد بها طاقات المسلمين وتسهل عن طريقها عمليات التضليل والتشويه والتزييف لفكر المسلم وعقيدته وعلمه.

وما لم ندرك نحن المسلمين العلاقة الوثيقة بين خطة العدوان على مواطن حرماتنا وأرض ذكرياتنا من ناحية، وبين ضرورة التقدم الاقتصادي والاجتماعي في مستقبلنا المنظور وغير المنظور، فستبقى معركتنا التحررية التي نخوضها ضربا في فراغ، وسرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وجهودا ضائعة.

لقد فقدنا حريتنا منذ بدأنا نفقد قدرتنا على الدفاع عن حصوننا الدينية، ثم فقدنا قدرتنا على التعامل مع الثروات الطبيعية وتنمية اقتصاداتنا واحترام نواميس الكون منذ فقدنا أخلاق الجهاد في ميدان وجودنا العلمي والفكري. ولا سبيل إلى استعادة ذلك كله إلا بالرجوع إلى معين البلاغ القرآني وعلى منهاج البيان النبوي الشريف.

لكن يجب ألا نمني أنفسنا بالأحلام وننتظر انهيار المعتدي بفعل سحر خفي! يجب أن نفهم ونتحرك! علينا فهم التاريخ والاستعداد لموعود الله بالشرط المذكور في القرآن:)وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 9 . هذه الآيات نزلت بعد هزيمة المسلمين في أحد، لكن القرآن ليس تسجيلا لأحداث محدودة بزمن معين، بل هو كلام الله الحي الذي ينطبق على كل “الأيام”، الذي يعد المؤمنين بالعلو بعد الهزيمة، وبالعز بعد الذل) 10 .

ذلك ما نوقن به ونرجو .. والله حسبنا وهو نعم الوكيل.


[1] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 146.\
[2] سورة البقرة، الآيتين 127- 128.\
[3] سورة الإسراء، الآية: 1.\
[4] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 125.\
[5] سورة الإسراء، الآية:4.\
[6] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 142.\
[7] المصدر نفسه.\
[8] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 132.\
[9] سورة آل عمران، الآيتان: 139-140.\
[10] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 131.\