لم يكد الرأي العام المغربي يستوعب تداعيات فضيحة الوثيقة السرية المسربة من أروقة وزارة الداخلية -التي تداولتها وسائل الإعلام على نطاق واسع- حتى بدأ المسؤولون الأمنيون في تنفيذ التعليمات الواردة عليهم فيها بشكل حرفي وصارم بعرقلة أنشطة جماعة العدل والإحسان، والتضييق على أعضائها والمتعاطفين معها، وبسلوك كل السبل المفضية إلى ذلك. فمساء الثلاثاء 13 يونيو 2012 أقدمت أجهزة البوليس في فاس على اختطاف الأستاذة هند زروق عضو جماعة العدل الإحسان ومنسقة أسر المعتقلين السبعة. وبعد ارتباك أجهزة الأمن المفضوح في التخطيط لهذه الفرية وفي تنفيذها تم تطويق مقر ولاية الأمن لمنع أسرة الأخت المختطفة وأعضاء الجماعة من الاحتجاج على جريمة الاختطاف وأسقط في أيدي خفافيش الظلام فلم يجدوا لأنفسهم مخرجا أفضل من تلفيق ملف مفبرك للأستاذة زروق المعروفة بمواقفها وأخلاقها واستماتتها في مجابهة الظلم.

إفك آخر وفرية أخرى تشهد أن لا شيء تغير في المغرب، وأن سياسة الاختطافات والمعتقلات السرية والعصا الغليظة ما زالت سارية المفعول، وأن شعارات العدالة والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان ليست أكثر من حبر على ورق وفقاعات للاستهلاك الإعلامي. وعوض أن تشغل هذه الأجهزة الأمنية نفسها بمهمتها الأساسية في حفظ أمن المواطنين المروَّعين في واضحة النهار فضلا عن الليل، وبمتابعة ناهبي المال العام، ومحاسبة المتورطين في ملفات الفساد المالي والسياسي وشبكات الدعارة والإفساد المنظم ومافيات المخدرات المحمية، ها هي تبذر أموال المواطنين المغاربة ومواردهم في تلفيق التهم الفارغة وتصفية الحسابات السياسية مع الخصوم، لأهداف لا تخفى على أحد.

القضية، بكل تأكيد، جاءت في هذه الظروف التي يمر بها المغرب لشغل الرأي العام وإلهائه عن قضاياه اليومية الملحة في الحياة الكريمة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بعد الفشل الذريع الذي منيت به سياسة المخزن في احتواء الحراك المجتمعي، والتنفيس عن الاحتقان السياسي والاجتماعي، بعد تماديه وإصراره على انتهاج سياسة تفقير الشعب بالزيادة في الأسعار وضرب القدرة الشرائية للمواطنين، والاستمرار في نهب ثروات الشعب جهارا نهارا. فتفتق خيالهم الكسيح مرة أخرى على التعمية عن ذلك بالتعمية علية بمحاولة جر جماعة العدل والإحسان الملتحمة مع الشعب والوفية لقضاياه العادلة إلى معارك جانبية.

وقد كان جواب العدل والإحسان دائما وسيبقى أبدا أن هذا الأسلوب طالما جرب في الحرب على الجماعة في مراحل متعددة، ولفقت التهم وفبركت الملفات ولم يجن الملفقون من وراء ذلك إلا البوار والخسارة؛ بوار في الدنيا لأنهم رجعوا يجرون أذيال الخيبة إذ لم يزدد صف الجماعة إلا التحاما بين أعضائها وقوة وتوسعا وثقة من الناس في مشروعها واختيارها وخطها ورجالها، وخسارة في الآخرة لرميهم المحصنين والمحصنات من المؤمنين والمؤمنات، إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.