فكرة هذه القصيدة جاءت نتيجة ما أصاب العين من ضرر استوجب أكثر من عملية كُلِّلَت أغلبها بالنّجاح والحمد لله.

لكنّ العين لم تتجاوز دائرة الخطر فقلت لا بأس من تعزيتها بما يسلّيها بما رأَت وينسيها ما شاهدَت ويأسو جُرحَها بما هو متاح أن تراه قبل الرّحيل، وما هو موعود منشود أن تراه بعد الرّحيل إن شاء الله. وصلى الله وسلم وبارك على الرّحمة المهداة طبّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، والحمد لله على كل حال والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

يا عين لا تجزعي فالعمر مرتحل *** وكلّ ما خلق المولى له أجَل
يا عين لا تدمعي فالسُّقم مطهرة *** من شرّ خائنة تأتي بها الـمُقَل
يا عين لا تطمعي في الخُلد واعتبري *** أنّ البصيرة لا تُعطى لمن غفلوا
يا عين لا ترفعي لَحْظاً لفانية *** ما عند ربّ الورى أبقى لمن عقَلوا
يا عين يكفيك ما أبصَرْت من نِعَم *** الماء والخصب والآثار والدُّوَل
ومصحف الذّكر والمحراب قِبْلَتُه *** ووجهُ مَن وجهُهُ بالنّور مُشتعِل
وكعبةٌ من رآها طاب خاطِره *** وطاف سبعا يناجي الله يبتَهِل
وقُبَّةٌ مَن دنا منها سَما لِعَلٍ *** والعين بالحُسن والإحسان تكتحِل
وفي السَّماء جمال حاز ناظِره *** ما يُرهِف الحِسّ سبحان الذي جَهِلوا
وفي الثّرى بثَّ آيات وأعظمها *** إقبال من وُلِدوا، إدبار مَن رحَلوا
غيث وشمس وأرزاق منوّعة *** خلائقُ اختلَفَت يا سعد مَن كَمُلوا
آياتُه لعيون الخلق تبصِرَة *** وليس راءٍ كمن أصغى لمن عذلوا
يا عين يكفيك ما أبصرتِ من نِقم *** عوراتُ كاسيةٍ تغتابها الكِلَل1
ولمـّة العين سَهْم مِن كِنانته *** ونظرة السّوء تمشي خلفها العِلل
وكم قبيحا بكِ استعدى وداهمَنا *** والقلب بالنَّكتة السوداء يختَتِل2
يا عين يكفيك ما أبصرت مِن ظُلَم *** والظّلم مُنْتَشِر ضاقَت به السُّبُل
ظُلم الرئيس استخفّ القوم فاتمروا *** بأمره قطَّعوا الوثقى ولم يَصِلوا
وظلم مَن أفسدوا واستأسدوا شرَها *** وظُلم مَن أبدعوا في الدّين وانتحَلوا
وظُلْم من أشركوا بالله وَيْحَهُمُ *** وظلم مَن حكموا جَوْرا وما عدلوا
وظلم من آكلوا الظلاّم طِلْبَتُهم *** جَلْب المصالح – سُحقا – ساء ما فعلوا
وظلم من كان جَلاّدا لسَيِّده *** وظلم مَن داهموا الأبواب واعتقلوا
وظلم مَن كذبوا والحقّ ما نقَلوا *** وظلم مَن كتبوا زورا ما خجلوا
وظلم مَن طبَّعوا أبئِس بما صنعوا *** وظلم مَن غَرّروا بالغُفل فابتذَلوا
وظلم من بذَّروا أموالنا سفَها *** في مهرجان سخيف كلّه دغَل
وظلم مَن جعلوا التعليم مهزَلَة *** والدّين فلسفة يعلو بها الجدل
وظلم مَن ظُلمهُم أخزى وأظلَمُهم *** مَن صيّروا قُدسَنا سُكنى لمن وَغِلوا3
وظلم بَعْث لمن عاثوا بثورتهم *** في الأرض عسفا وخانوا العهد منذ وَلوا
مِن تونسٍ هارب و”البيت” مَوئِلُله *** وفي حِمى مِصْرَ محكومٌ به حَفِلوا
وبرَّؤوا مَن دماء الشّعب تلعنهم *** نالوا السّراح وما باؤوا بما عمِلوا
وحِكْمة اليمن المخلوع صالِحُه *** شاهَت بمكر خليج نهجُه الحِيَل
وخَبُّ لِبْيا قضى نحبا ً وما برحت *** جرحا ً ينِزُّ دما هيهات ينْدَمِل
والشّام آه على شام غَدا رِمَما *** تبكيه عين محبّ قلْبُه وجِل
يرى بشحمة عين الرّأس أزمَتَه *** ولا نصير له يحيى به الأمل
كلٌّ مصالحُه تُنسيه واجِبَه *** كلّ هوايته البهتان والدَّجَل
هذا ب”دُبّ” و”تِنّين” تَحَصُّنُه *** وذاك للغرب والأذناب يمتثل
هذا ب”فيتو” شيوعيٍّ تمَنُّعُه *** وذا على النّاقم الشيعيِّ يتّكل
هذا على نصرة “الرّاعي” مُعوَّله *** وذاك يرجو حوارا خاب لو قَبِلوا
هذا لمؤتمر يدعو مُعارضة *** وذا يُعارضه يهجو ويعتزل
هذا يُسَلِّح أحرارا قد انفصلوا *** وذا يجرِّم من خانوا ومن خذلوا
أمين جامعة الأعراب منزعج *** ومجلس الأمن للأعذار يفتَعِل
وهيأة الأمم المهزوم قائدُها *** تدعو إلى الصّلح فالإصلاح محتمل
بين الضحية والجلاّد ما صدَقَت *** نِيات فرعون هل يحمي الحِمى خَبِل؟!
وشرّهم مَن بتِبْر الأرض مكتسِب *** أمْنا ولو نُدِبوا للبِرّ ما بذَلوا
يكفيكَ فخراً ربيعَ العُرب أن سقَطَت *** رموز أنظمة و”استثور4″ الحمَل
يكفيك ذُخرا ربيع العُرب أن نشِطَت *** مِن قيدها هِمم واسترشَد الهَمَل
يكفيك عُذرا ربيع العُرب أن فُضِحَت *** مجالسٌ مِدحَةٌ في حَقّها الفَشَل
يُعليك قَدْرا ربيع العرب أن رضِيَت *** بالله ربّاً شُعوبٌ ربَّها5 “هُبَل”
يزيدك الحق نصرا ما تزَعَّمَنا *** مُسَدَّد شاهد مُستَاْمَن بَدَل6
يدعو إلى رحمة الهادي وسنّته *** سَيْرٌ قويم رشيد الخَطْو مُعْتَدل
يعود بالأُمّة الفضلى إلى رشَد *** قوامه القصد لا رَيْث ولا عجَل
شعاره العدل والإحسان أمرهما *** بالله لله لا زيغ ولا دخَل
النور منطفئ إن كان مِن لهب *** نور النبوة بالإسناد يتَّصل
ربيعنا النبويُّ المرتجى غَدُه *** وعْد يحقّقه الإيمان والعمل
يأتيكَ بالخبَر الموثوق مبتدأٌ *** موعودنا خبر والمبتدا بطَل
مَن لم يُفِد خبراً لم يُجْدِ مبتدأً *** لا ينفع الحَلُّ إن لم يُعرَف الخَلَل
عضوضهم خلَل والحَلّ قومتُنا *** هل يمتطي صهوة الإحسان مَن سَفُلوا؟!
لا يستوي ثائر بالعُنف هَبَّتُه *** وقائمون لهم في مَن مضى مَثَل
مُقَدَّرٌ خبَر الهادي لمبتدإ *** تقديره عَلَم، تعريفُه رجُل
وظاهرٌ خبر التمكين يرفعه *** ضمٌّ ومَن ضُمَّ للأخيار يهتَبِل
صبراً أيا عين لا تستعجلي ظَفَرا *** فالنّصر آت وإن لم يُدْنِه الكسل
يا عين ليس العمى ألاّ ترَيْ فلقد *** تعمى القلوب ونور العين مُكْتَمِل
يا عين إن حجَبَت عنك الرّؤى عِلل *** ففي المنام رؤىً تُشفى بها الغُلَل
وإن حُرِمْتِ جمال القبر قُبَّتَه *** ففي البصائر ما تهفو له المـُقَل
يا عين إن فاتك الإبصار مِن كَلل *** عزاؤك النّعمة الفضلى لمن قُبِلوا
نودوا لرُؤيته فضْلا ومَكْرُمَة *** حازوا بها مِنَّةً تُزري بما سأَلوا
صلوا على المصطفى الهادي وعِترته *** أكرِم بمن أكثروا أبئِس بمن بخِلوا
صلوا على الرّحمة المهداة أسوتِنا *** ما حنَّ قلب وعين الصبّ تنهمِل
بالدّمع شوقا إلى خضراءِ طيبته *** مَن زارها لم يداخِل قلْبَه الـمَلل
في حِضْنِها يجد المكروب سُلوته *** في ذمّة الله لا حُزْنٌ ولا وجَل
1- الكِلل: الستائر والألبسة الخفيفة الشفّافة.

2- الختل: تخادع عن غفلة.

3- وغل في الأمر: دخل فيه بغير وجه حق.

4- استثْوَر الحمَل: أي صار ثورا، ومثله استأسد الهِرّ.

5- ربَّها: كان لها ربّاً.

6- رجل بدل: شريف كريم.