قال ابن إسحاق: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: “إن الحمد لله أحمده وأستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له. إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه… أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم… وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكس عهده، والسلام عليكم”.

وصية غالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم تأمرنا بالتحاب بيننا بروح الله، لم لا و“المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، يغبطهم بمكانهم النبييون والشهداء”، وجبت لهم محبة الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فيما يبلغه عن ربه عز وجل أنه قال: “وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في والمتبادلين في والمتزاورين في”.

محبة تقرب المتحابين إلى الله، يجلسهم عن يمينه، ويؤمنهم من الفزع الأكبر يوم القيامة، ويشفع بعضهم في بعض، قال الله تعالى: الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف / 67ـ68] . وانظر أخي إن شئت إلى ذاك الهائم على وجهه يوم القيامة يبحث عمن يغيثه بحسنة متوقفة عليها نجاته من النار، فكلما لجأ إلى قريب سواء كان أبا أو أما أو شقيقا إلا قال أنا الآن أحوج إليها من سواي، ولا يسعفه إلا حبيب اجتمع معه في الدنيا على الله وافترقا عليه، يوثره بها كما كان الصحابة حين وصفهم القرآن وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].

ضرب الصحابة مثلا عاليا في الإيثار كما لا يخفى عليكم، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: “سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا”. وإن همم الصالحين لترنو إلى مرتبتهم العالية، كما كان أبو مسلم الخولاني يعلنها أيظن أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – أن يسبقونا، والله لننافسنَّهم فيه).

وللحاق بالنماذج الخالدة يدعو الأستاذ عبد السلام ياسين، فيقول لي ولك حفظه الله: يا غافل! هذا عمرك يتصرَّم! فماذا أسست من صداقات، وماذا بنيت لآخرتك من معارف، وما شَغَفَ قلبك من أحباب؟ أنت مع أولئك يوم القيامة، وأنت من ذلك الصنف أيا كان. “فالأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف” كما روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا).

اهرُب من قرناء الغفلة، وارْتَمِ في أحضان قوم صالحين، وابك على ربك ليرزقك محبتهم، عسى أن تنجوَ من وَرطة الانحشار في زمرة الهالكين. فإن حب الصالحين يُثمر حب الله، وحب الله يثمر حب الصالحين قال الغزالي: إن حب الله إذا قوي أثمر حب كلِّ من يقوم بحق عبادة الله في علم أو عمل، وأثمر حب كل من فيه صفة مرْضية عند الله من خُلُق حسن أو تأدب بآداب الشرع).

وإن للحب في الله أمارات وثمرات، وحقوق وواجبات. ومن علامات التحاب في الله أن يكون الاجتماع على الله، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من الايمان أن يحب الرجل رجلا لا يحبه إلا لله، من غير مال أعطاه، فذلك الإيمان”.

والاجتماع على ذكر الله عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء” قال: فجثى أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله! حلهم لنا نعرفهم! قال: “هم المتحابون في الله من قبائل شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه””.

ومن علاماته أيضا التعاون على الدعوة والجهاد وعلى البر والتقوى، قال تعالى: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا [طه/24-35]. وقال الله سبحانه وتعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]، “وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ”.

ومن أماراته التنافس في حفظ المحبة والحرص عليها، قال الجاحظ [في الترفق بالصاحب واحتماله]: لا تكوننَّ لشيء ممَّا في يديك أشد ضناً، ولا عليه أشد حدباً منك بالأخ). وقال أيضا: الأخ الذي بلوته في السراء والضراء فعرفت مذاهبه، وخبرت شيمه، وصح لك غيبه، وسلمت لك ناصيته، فإنَّما هو شقيق روحك، وباب الروح إلى حياتك، ومستمد رأيك، وهو توأم عقلك، إذا صفا لك أخٌ فكنْ به أشد ضناً منك بنفائس أموالك، ثم لا يزهدن لك فيه أن ترى منه خلقاً أو خلقين تكرههما، فإنَّ نفسك التي هي نفسك لا تعطيك المقادة في كل ما تريد فكيف بنفس غيرك) أهـ. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: “ما تحاب رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبا لصاحبه”، فانظر إلى حرص أبي بكر مثلا، في القصة “أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ قَالُوا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي”. وقال الشاعر:

فإنما الدنيا بسكانها *** وإنما المرء بإخوانه

وتحفظ المحبة بالمواساة وحسن الصحبة والعشرة. روي أن رجلاً جاء أبا هريرة فقال: إني أريد أن أؤاخيك في الله فقال: أتدري ما حق الإخاء في الله؟ قال له: عرفني!

قال: ألا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني! فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة بعد. فقال أبو هريرة رضي الله عنه: فدعك عني.

وعن ابن عمر قال: ثم لقد أتى علينا زمان أو قال حين وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم).

قال سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: وأنت يا كذاب تدعي محبة الصالحين وتخبئ عنهم دنانيرك ودراهمك وتريد القرب منهم والمصاحبة لهم، كن عاقلا، هذه محبة كاذبة، المحب لا يخبئ عن محبوبه شيئا ويؤثره على كل شيء).

وكذلك تحفظ بقول الكلمة الطيبة والبشاشة ورد السلام والفرح باللقاء، قال الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [ البقرة : 83]، وقال أيضا: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء :53]. وفي الحديث: “ثلاث يصفين لك ود أخيك تسلم عليه إذا لقيته وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه”. وفي حديث آخر: “لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ”.

ومما يديم لك أيضا ود أخيك، خفض الجناح ولين الجانب والتواضع وحسن الخلق وإقالة العثرات والتزاور في الله والتهنئة وتفقد الحال، قال الله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة : 54]. وقال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا”.

وإن من أدب الزيارة القصد والكرم وعدم التكلف، فمن المواقف الطريفة التي تذكر في هذا الصدد، أنَّ رجلين ذهبا ليزورا سلمان الفارسي فقدم لهما خبزاً وملحاً، فلما أرادا أن يأكلا قالا: لو كان مع الخبز شيء من الزعتر.

فأخرج سلمان إناءً كان عنده يتوضأ فيه (مطهرته) فرهنها عند البقال، وأتى لهما بشيء من الزعتر فبعد أن أكلا قالا: الحمد لله رضينا بما رزقنا.

قال سلمان: لو رضيتم ما كانت مطهرتي مرهونة عند البقال.

وأيضا يديمها السعي بالشفاعة الحسنة، وبذل النصيحة والمشورة، ونصرة الإخوان المظلومين، قال صلى الله عليه وسلم: “وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ”. و“المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيقته ويحوطه من ورائه”.

وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: يجب على المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم). وذكر ابن عابدين فقيه الحنفية صورة فقال: مسلمة سبيت بالمشرق، وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر).

ويصون الأخوة أيضا قبول الهدية والإثابة عليها، قال صلى الله عليه وسلم: “تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَب الشَّحْنَاءُ”، و“كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا”. وكذلك إجابة الدعوى، وتشميت العاطس، وستر المسلم، وحسن الظن وسلامة الصدر؛ قال صلى الله عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيث وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ”. وانظر إلى الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ وقد دخل عليه تلميذه الربيع بن سليمان في مرض موته فقال: قوى الله ضعفك يا إمام.

فقال الشافعي رحمه الله: انظر ماذا تقول لو قوَّى الله ضعفي لقتلني (يعنى لو زاد ضعفي أموت).

قال الربيع: والله ما قصدت يا إمام، قال: والله لو شتمتني لعلمت أنك لم تقصد.

ويقول سعيد بن المسيب: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وُهِبَ نقصه لفضله).

والتغاضي عن جهالات الناس، قال صلى الله عليه وسلم: “أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا الحدود”، وأصحاب الهيئات كما يقول الشافعي ـ رحمه الله ـ إنَّهم الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة، فتغفر له زلته، ولا تذكر، ولا يُشَنّع بها عليه، “إلا الحدود” فلا شفاعة في حد من حدود الله.

عن سعيد بن عبد العزيز قال: إن رفيقاً لحبيب بن مسلمة ضاق يوماً عن شيء (أي أن أخلاقه ساءت في شيء ما). قال حبيب: إن استطعت أن تغير خلقك بأحسن منه فافعل وإلا فسيسعك من أخلاقنا ما ضاق عنَّا من خلقك.

يقول رجاء بن حيوة [وزير عمر بن عبد العزيز]: من يؤاخى من الإخوان إلا من لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومن لا يرضى من صديقه إلا بإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه).

قال الرجل لأخيه: إني أحبك في الله، قال: لو علمت ذنوبي لأبغضتني في الله، قال: لو علمت ذنوبك لمنعني من بغضك في الله علمي بذنوبي.

ومما ينمي الأخوة الدعاء للإخوان بكل خير في حياتهم وشهود الجنازة والدعاء بالمغفرة والرضوان بعد مماتهم، ففي الحديث الصحيح “مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ”.

اللهم ارزقنا حبك وحب نبيك وحب من ينفعنا حبه عندك آمين.