خرجت الأمة من حرب تحرير طويلة اندحر تحت ضغطها المستعمر اندحارا وهو الذي ظن ألا أحد قادر على زحزحته من مجاله الحيوي “المستعمرات”. لكن المستعمر وإن كان قد انسحب عسكريا فهو قد صنع أتباعا له يخدمون مصالحه وينشرون ثقافته، وقد بدا هذا الأمر واضحا في عالمنا العربي، حيث تبنى الحاكمون من أبناء الفكر المغرب إيديولوجيات غريبة عن المرجعية التي كانت السند الفكري والمعنوي في حروب التحرير. فأصبحت ترى هذه دولة اشتراكية يسير الحاكمون فيها على أربع وأنوفهم في الأرض يقتفون آثار معلميهم الشيوعيين في روسيا وكوبا وغيرهما، وهذه دولة ليبرالية وجدت النخبة المغربة فيها دفئا في أحضان الحضارة المادية الغربية حلوها ومرها.

لقد نسي المغربون من أبناء هده الأمة أصلهم وساروا موالين لأسيادهم في الشرق والغرب الجاهليين، وقادوا الأمة إلى أفق “مشرق” منار بأضواء الحضارة المادية في موكب تسمع فيه موسيقى العازفين على أوتار التنمية والديمقراطية والتقدم، تصاحبها دقات طبول الخيبة والهزائم يستيقظ لسماعها الكثير، لكن سرعان ما يعودون إلى النوم بعدما يجتهد العازفون على الأوتار في عزفهم.

لكن حدث أن استيقظت الأمة في تونس الخضراء بعدما اكتشفت أنها كانت ضحية للتضليل زمانا، وأن الحاكمين لم يحققوا نصرا ولم يحرزوا تقدما، وأن الأفق الذي صوروه لها في أبهى حلله مستعملين كل الوسائل لم يكن إلا وهما يشبه السراب في الصحراء يتبعه العطشان يحسبه ماء حتى يلقى نحبه.

أما الحاكمون الذين لم يصدقوا ما رأته أعينهم، بدؤوا يفكرون بواقعية ونزلوا من عليائهم الوهمي ليكتشفوا أن الأفق “المشرق” الوهمي ما هو إلا نفق مسدود حقيقي. حينها بدأت تتقطع أوتار العازفين المهرة الذين كذبوا على الأمة وأوهموها وصوروا لها أن موكبهم يسير إلى غد أفضل.

لقد عاش الحاكمون من أبناء الفكر المغرب في الوهم ظانين أن هذا الشعب الذي تربعوا على عروشه ميئوس منه لا يحرك ساكنا، لا يفعل بل ينتظر دائما أن يفعل به، لقد أخطؤوا كثيرا لما ظنوا ذلك، لقد نسوا أن النار قد تخرج من تحت الرماد.

في الأمة طاقة كبيرة تحتاج إلى من يرشدها ويوجهها حتى يكتمل التحرير. وها نحن نرى البطولات في سوريا يصنعها شعب آمن بقضيته العادلة فباع الغالي والنفيس من أجلها، رغم القتل والتنكيل والتواطئ الخارجي فلا شيء يثنيه عن هدفه.

لكن العجب كل العجب ممن لا يتعظ بسابقيه، فما زلنا نرى حكاما آخرين يتمادون في غيهم وكأن ما وقع في تونس ومصر وليبيا واليمن ويحدث في سوريا لا يمكن أن يحدث في مكان آخر.

رضي الله عن عمر بن عبد العزيز الذي أعطى القدوة والمثال لعل هؤلاء الحكام يقتدون، فبعدما أسندت إليه شؤون الحكم، الملك العاض الذي قتل الخلافة وأنجب ولدا سماه الملك الجبري لا يزال يكتوي المسلمون بناره، رجع إلى الأمة لتختاره، لأنه أدرك أنه لا مستقبل لحكمه إن لم تكن الأمة معه، وأدرك ما هو أخطر من ذلك حين يقف أمام رب العزة يسأله عن هذه الأمانة العظيمة، فبماذا يجيب؟ وبماذا يجيب هؤلاء الحكام؟

إن الأمة هي القاطرة، وما الحاكمون خدام الغرب إلا عربة من العربات أثبتت فشلها في أداء مهماتها، فهل يقف القطار؟

إن الأمة اليوم تبني أفقا جديدا حقيقيا، أما الحاكمون فلا يزالون في أنفاقهم المظلمة. تزداد مصيبتهم لأنهم لم يأخذوا معهم المعدات الضرورية لحياة الأنفاق، ربما لن يخرجوا منها أبدا.