التربية لغة واصطلاحا

يقول أهل اللغة ربّ الولدَ والصبي يرُبُّه ربّا: ولِيه وتعهده بما يغديه وينميه ويؤدبه. وقال الراغب الاصفهاني: الربّ في الأصل التربية، وهو إنشاء الشئ حالا فحالا إلى حد التمام). وقال اللحياني: ربّبَه تربيبا وترِبّة بمعنى ربَّاه أي أحسن القيام عليه ووليه حتى يفارق الطفولة). وفي الحديث: “لك نعمة ترُبُّها” أي تحفظها وتراعيها، وتربيها كما يربي الرجل ولده. وربَّ القوم ساسهم ورأسهم، والعرب تقول لأن يرُبَّني فلان أحب إلي من أن يربني فلان. وقال ابن الأعرابي الربّاني: العالم المعلم الذي يغدو الناس بصغار العلم قبل كبارها، والرباني المتأله، العارف بالله تعالى، وفي التنزيل كونوا ربانيين وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: الناس ثلاثة عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهَمَجٌ رُعاعٌ أتباع كل ناعق) 1 .

والتربية من حيث الاصطلاح تهذيب النفس وتزكيتها، والسلوك بها مسلك الرجال، اقتحاما للعقبة وتشوفا للمعالي ومقامات القرب والإحسان بصحبة ولي مرشد، ومن تم فهي خلة في الدين واليقين بمعية وصحبة الصالحين، وعلى قدر المصحوب إيمانا وإحسانا وولاية ينتفع الصاحب) 2 .

تربية مبكرة

الاهتمام المبكر بالناشئة لإسماع الفطرة والتذكير بها أمر مطلوب مرغوب فيه، حيث يؤذن للمولود في الأذن اليمنى، ويقام له في اليسرى. هذه الحركة المباركة هي أولى الخطوات التربوية المنوطة بالآباء اتجاه الأبناء أو من يقوم مقامهم. تبدأ هذه التربية يوم تبدأ تذكيرا بعهد الله وميثاقه السرمدي لتثبيت الفطرة وتهييء الأجواء لتلقين المولود مبكرا أبجديات الدين ومبادئه. والفطرة إقامة الوجه لله، وتستوي الفطرة أو تعوج وتحيد عن الجادة بالتربية روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )“ما من مولود إلا يولدعلى الفطرة ثم يقول اقرأوا إن شئتم {فطرة الله التي فطرالناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}” زاد البخاري: “فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” 3 . من هنا تتضح لنا المسؤولية العظمى الملقاة على كاهل الآباء والقائمين على أمر التربية، والواجب فعله في هذه الفترة بالذات. الكفر ليس من ذوات المولود ومقتدى طبعه، بل إنما حصل بسبب خارجي فإن سلم من ذلك السبب استمر على الحق) 4 .

جاء في عمل اليوم والليلة لابن السني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أفصح أولادكم فعلموهم لاإله إلا الله ثم لا تبالوا متى ماتوا”. وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس رضي الله عنهما: “افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله”. وهذا لا يتنافى مع اللعب معهم ومداعبتهم، إذ اللعب مع الصبية الصغار جزء من تربيتهم والاعتناء بهم. روى البخاري عن محمود بن الربيع قال: “عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مَجَّة مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو”، قال شارح الفتح الباري: وفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع محمود إما مداعبة أو ليبارك عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة)، وقال أيضا: وفي الحديث من الفوائد جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث… ومداعبتهم…).

وقد كان هذا ديدنه صلى الله عليه وسلم مع الأطفال، يسلم عليهم إذا مر بهم يلعبون، يلاطفهم، وربما مسح على رؤوسهم وأردفهم خلفه عندما يكون قافلا من سفر، وعند البخاري باب: الدعاء للصبيان بالبركة، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن الزبير مبايعة تبريك وتشريف لا مبايعة تكليف، كل هذا ليتصل حبل الصغير – الحديث عهد بالحياة – بحبل الوحي لينقاد سمعه وبصره وفؤاده لنداء الفطرة التاريخي الأبدي فتسلس بذلك سائر جوارحه الأخرى للخير والعمل الصالح.

التربية بالتلقين والإقتداء

والتربية بعد ذلك تعلم وتعليم واقتداء بالراشدين من ذوي الصلاح والخيرية في الدين والتقوى. روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلقن صبية بني هاشم إذا أفصحوا قول الله عز وجل وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن ولي من الذل وكبره تكبيرا 5 سبع مرات، وهكذا يحصن الطفل من البداية ومنذ نعومة أظفاره للمحافظة على الفطرة السليمة، يتربى، يسمع ويلقن ويربى على مبادئ الاسلام. جاء في كنز العمال عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله: أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن).

تتدرج بعد ذلك، هذه التربية، مع تدرج أعمار الناشئة من التلقين إلى التعلم بالاقتداء والمصاحبة، فنعم الوالد المصحوب بما معه من صلاح وحظ من الله، والوالدة الصالحة أولى الناس بالصحبة، كما ورد في الأثر، والأستاذ المربي نعم الخليل اتخذته). روى الترمذي وابن عدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد”. قال سيدنا عبد الله بن مسعود: لا يزال الناس صالحين ما أخذوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا).

والتربية في أسمى معانيها اقتداء وسماع وأخذ وتلمذة عن الأكابر في الدين والتقوى والورع والعلم عن الله عز وجل وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهناك الاقتداء بالأكابر، والسماع من الأكابر، والأخذ عن الأكابر. الأكابر قنوات موصلة يجذبك مغناطيسهم إلى حب الله ورسوله) 6 .

التربية بالصحبة والجماعة

جاء عن الوحي وبأمر منه قول الله عز وجل: واتبع سبيل من أناب إلي 7 . وعن النبي صلى الله عليه وسلم: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”، ومعنى الآية والحديث يفيد الأمر بالاتباع والصحبة والمخاللة في الدين، نَعَمْ، الأمر جلل، والأمر فيه نظر، لابد إذن من صحبة الأخيار والأخذ عنهم ولزوم غرزهم حتى يكتمل الإيمان واليقين. يقول سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في فتحه: اِصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب، لابد لك من شيخ حكيم عامل بحكم الله عز وجل يهذبك ويعلمك وينصحك)، ولن ترقى هذه الصحبة إلى درجة الكمال إلا بوجود مصحوب محبوب كامل الوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبين مخلصين صادقين نذروا أنفسهم وأرواحهم للبذل والجهاد في سبيل الله، والمصحوب رجل حي سلك المراحل إلى الله وتقرب حتى أحبه الله وجعل قلبه مشكاة ونبراسا وسراجا وهاجا). والتربية الايمانية على هذا الأساس تهيء العبد لاقتحام العقبة والدخول إلى حضرة القرب والأنس بالله عز وجل بمعية إخوانه المؤمنين المتحابين بروح الله في جلسات إيمانية ومحاضن منتظمة. الصحبة في الله المؤدية إلى جماعة في الله هي مبدأ الحركة ووسطها ومعادها).

والتربية مراحل ورواحل، تكلمنا بعجالة عن هذه المراحل لنذكر بعد ذلك بعضا من هذه الرواحل والمطايا التي يفيء إليها وإلى ظلها الوارف المؤمن المشتاق الملتاع ليجد بغيته، فيربى على الصلاح والاستقامة حتى يشتد عود إيمانه ويكبر يقينه بين احضان الصحبة والجماعة. وكل تاريخ الايمان يشهد بأن قلب الداعي إلى الله على بصيرة، نبيا كان أو وليا، هو النبع الروحي الذي اغترفت منه أجيال الصالحين بالصحبة والملازمة والمحبة والتلمذة والمخاللة) 8 .

أ- أهمية الجلسة التربوية

من الوسائل المعتمدة في التربية لدى جماعة العدل والإحسان نظام الأُسر، ونخص بالذكر الجلسة الإيمانية أو ما اصطلح على تسميته بلقاء القيام، وهو محضن إيماني يجتمع فيه المؤمنون بمعية وصحبة نقيب مرب بعدد محدد، لتجديد الإيمان، وشحذ الهمم وصناعة الرجال، واستمطار رحمة الله عز وجل ورضاه بالتوبة والاستغفار وذكر الله تعالى.

لا شك أن الاجتماع على الله هو لب الأمر وقوامه، وسواء أكان اللقاء تلاوة للقرآن أو مدارسة أو تعلما أو ذكرا، أو تهمما وانشغالا بقضايا الأمة، فإن هذا الجمع هو الذي يباركه المولى عز وجل نظرا لأهميته وفضله، حيث يباهي الله تعالى به ملائكته الكرام، ويثاب صاحبه عليه ويُدّخر له في ميزان حسناته. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده”.

روى الطبراني في الحديث القدسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله جل ذكره: “لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملإ من ملائكتي، ولا يذكرني في ملإ إلا ذكرته في الملإ الأعلى”.

وأي فضل وأي حظوة أكبر من أن يذكرك الله عز وجل في الملإ الأعلى وهو الغني عنك، سبحانه وأنت الفقير المعدم المحتاج؟ المطلب هو أن يحبك المولى عز وجل، والوسيلة هي هذه المجالس وهذه المطايا المباركة التي تسلك بك مسلك الرجال، تتقرب إلى الله عز وجل بالفرض والنفل والإخلاص والحب فيه واتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته حتى يحبك المولى ويقربك. يا حسرة على اللاهي، ما درى أن الله تعالى يحِب ويحَب. إنه طريق واحد يسمو به العبد بين يدي ربه متذللا مطيعا باذلا ماله ونفسه في الله وتسمو به الأمة من كبوتها واستعباد العباد لها في الأرض) 9 .

ب- دور الجلسة الإيمانية في البناء التربوي

بالإضافة إلى هذه الفضائل والمحاسن تعتبر هذه المحاضن التربوية فضاءات لبناء شخصية المؤمن المتكامل وصناعة الرجال حق الرجال الذين يسترخصون كل غال ونفيس من أجل تبليغ كلمة الله عز وجل وإعادة بناء الأمة على أسس متينة من الدين. كان الإمام علي كرم الله وجهه يخاطب جنده في حروب الفتنة يقول: “يا أشباه الرجال ولا رجال” ذلك أن عامة جنده كان من مسلمة الفتوح، ما نالوا من التربية نصيبا مما ناله الرجال حق الرجال، الذين عرفهم الإمام الخليفة وعاش بينهم وجاهد) 10 .

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله في المنها ج النبوي:

فلا يدخلن في عضوية الجماعة ونظامها إلا القادرون على حمل هم الأمة، القادرون على بذل النفس والنفيس، جهادا في سبيل الله، الأقوياء الأمناء على ذلك مع شرط التقوى ومحبة الله ورسوله).

أمام هذه المهمات الجسام قد يتساءل الواحد منا: لكن ما السبيل إلى ذلك؟ وما هي الوسائل والسبل إلى هذا المرتقى الصعب لتجاوز العقبات؟ عقبات النفس والشيطان والذهنيات والأنانيات، والصحبة الفاسدة، بله صناعة الرجال؟

لعل حجر الزاوية واللبنة الأساس في هذا البناء المبارك هو هذه الأسر الأرقمية، التي تحتضن ثلة من المؤمنين، القائم عليهم هو النقيب المربي، والذي يجب أن يتوفر فيه مجموع من الفضائل يؤهله لتربية هؤلاء المؤمنين، يسعهم بروحانيته وإيمانه ليسلك بهم ومعهم مسلك الرجال، من خلال التحقق بشعب الإيمان. وقبل هذه المسيرة وأثناءها، لا بد أن يسعى النقيب المربي لاحتضان الوافدين وحسن معاشرتهم، وتربيتهم بالتدرج، والصبر معهم بالوجه الباش والكلمة المشجعة الحانية البانية، حيث يجد الوافد الدفء الإيماني، والطمأنينة والسكينة ليكتمل البناء ويشتد عوده.

صناعة الرجال وتربيتهم ليست بالأمر الهين، ليست نزهة، بل جهاد، جهاد طويل النفس تحدوه المحبة واللين والرغبة والصبر والتؤدة. من البيت الإسلامي تنطلق القومة، وتمر بالمدرسة، وتستقوي بعد الله بمن سمع ولبّى، وسأل، وسُئل عنه ولبى النداء والتف، واجتمع، وأيد، وانتظم، وكلها مراحل تربوية تأخذ الأقرب فالأقرب، السائر في الحياة بلا هدف لتوقظ فيه هم مستقبله الحقيقي الأبدي ن ولتعقد له مع الله الصلح الكبير) 11 .

الجلسة الإيمانية قوة وإعداد وعدة، وصحبة ومحبة، تنصهر فيها وتنجلي رعونات النفس البشرية، بمعية وصحبة الأخيار. في الجلسة التربوية وفي حضن الصحبة والمحبة تتألف عناصر التربية الإيمانية المتكاملة والمندمجة. الجلسة الإيمانية هي اللبنة التي تكمل البناء، وهي الأساس في بناء وإعداد شخصية المؤمن المؤهل لحمل رسالة الاسلام اليوم وغدا… هي المحضن الذي يترقى فيه المؤمن في مدارج الإيمان بجهاده وصبره، تشوفا إلى المعالي، وطلب الزلفى بين يدي المولى، حيث تذوب أنانيته بصحبته للمؤمنين، ويزول شحه بما يبذله من دريهمات، عسى أن يتبوأ مقام الصدق والبذل ليجود بالنفس والنفيس، ليكون أمر الله ورضى الله أغلى من نفسه، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.


[1] لسان العرب، ابن منظور.\
[2] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين.\
[3] الإحسان 1، عبد السلام ياسين.\
[4] الفتح الباري، ابن حجر.\
[5] الإسراء 110.\
[6] الإحسان 1، عبد السلام ياسين.\
[7] جزء من الآية 14 لقمان.\
[8] المنهاج، عبد السلام ياسين.\
[9] مقدمات المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين.\
[10] نفسه.\
[11] تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين.\