أعاد القرار الحكومي الأخير -القاضي بالزيادة في أسعار البترول ومشتقاته- إلى الواجهة إشكالية صندوق المقاصة والضرورة الملحة لإصلاحه، في ظل الدعوات المتصاعدة في السنوات الأخيرة إلى إعادة النظر في آلياته، التي أصبحت في نظر العديدين “منبعا للريع” وتكريسا للفوارق الاجتماعية المستفحلة، عوض أن يكون وسيلة لدعم الفئات المعوزة والفقيرة. غير أن هذا المطلب الملح وإن اتفق الجميع على ضرورته فإنه يطرح أكثر من إشكال على مستوى التطبيق، مما يجعل أي تحرك في هذا الاتجاه وخارج حل شامل للمنظومة الاقتصادية والسياسية مجرد تضييع للجهود وكما يقول المثل الغربي ماذا يجدي الجري نفعا إن كنا على الطريق الخطأ).

وإذا كان الكل مجمعا على أن اختيار الإلغاء النهائي للصندوق يبقى مستبعدا في الظرفية الحالية خاصة في ظل استحضار شبح انتفاضة 1981 المندلعة إثر ارتفاع أسعار الخبز وما خلفته من دماء وأشلاء بعد القمع المخزني، فإن التوجه الحتمي للقرار الرسمي سيرسو على ضفة نموذج “الاستهداف” الذي سبقتنا إليه دول أخرى كالبرازيل والشيلي والمكسيك. إلا أن محاولة إسقاط أحد هذه النماذج على البيئة المغربية دون مراعاة لخصوصيتها يشبه إحضار نبتة تنمو في بيئة ساحلية لتزرع في صحراء قاحلة ثم نتساءل بعد ذلك كيف لا تؤتي ثمارها؟! وهذا ما يدفعنا للحديث عن أهم العقبات التي تعترض هذا الاختيار.

1- أي أساس؟

يبرز على سطح هذه الإكراهات إشكالية تحديد الفئة المستهدفة، والأساس المرجعي الذي سيتم بناء عليه تمييز المستحقين للدعم من غيرهم، في غياب قاعدة بيانات واضحة وفي ظل العقلية النفعية السائدة، إضافة إلى غياب المصداقية والسمعة السيئة لوسطاء السلطة في مثل هذه العمليات حيث استشراء الفساد والرشوة والابتزاز.

مما يضعنا أمام خيارين اثنين: إما أن نحذو حذو النموذج الإيراني الذي تميز بالتحويلات المباشرة دون “استهداف” كما هو الشأن في البرازيل والمكسيك، حيث أن كل من أبدى الرغبة في ذلك يستطيع أن يستفيد من دعم شهري مباشر بمجرد تسجيل اسمه في اللائحة المخصصة دون أي شرط بخصوص الدخل المادي، وهذا ما يستدعي تخصيص ميزانية قد تفوق بكثير ما تم رصده سابقا.

وإما أن يتم العمل على تغيير الوسطاء في اتجاه توظيف الجمعيات المستقلة كي تقوم بعمل تطوعي لانتقاء الفئات المستهدفة وفق معايير محددة سلفا ومساطر مدروسة بخبرة ودقة متناهية الشيء الذي يستلزم القيام بمجهودات استثنائية.

2- والأسعار؟؟

الإشكال الثاني الذي وجب النظر إليه بجدية يتعلق بمسألة ارتفاع الأسعار، فرفع الدعم المباشر عن بعض المواد الاستهلاكية الأساسية سيضع المواطن بشكل مباشر بين فكي الحيتان الكبرى للسوق المتوحشة، مما يجعلنا نثير مسألة القيمة النقدية للدعم المتوقع، وهل سيتمكن من تعويض الخسارة الحتمية للقدرة الشرائية غداة ارتفاع الأسعار؟

بمعنى أدق هل سنمنح لرب أسرة فقيرة 500 درهم شهريا ليجد نفسه أمام ازدياد للحاجيات في الغاز والدقيق والسكر وغيره بقيمة 600 درهم شهريا مثلا؟ ثم ما هي الضمانات لحماية الطبقة المتوسطة الأكثر تضررا من هذه العملية، حيث توجد في منزلة بين المنزلتين فلا هي من المستفيدين من الدعم ولا من الآمنين من فئة الأغنياء.

3- الإجراءات المصاحبة؟

أما المسألة الثالثة التي ينبغي الإشارة إليها فهي الإجراءات المصاحبة لتنزيل هذا المشروع. وهنا أطرح الأسئلة التالية:

1- أي إصلاح للمنظومة التعليمية والخدمات الصحية في ظل الحديث عن اشتراط “تمدرس” أطفال العائلات المستفيدة وإلزامية المواظبة على تلقيحهم؟

2- أية آليات لمراقبة المضاربة في الأسعار؟

3- في ظل الحديث عن اشتراط الحساب البنكي من أجل الاستفادة، ما هو المقابل الذي ستؤديه المؤسسات المالية بعد الاستفادة الكبيرة التي ستجنيها جراء الزيادة في نسبة الاستبناك؟

4- إذا كانت الحكومة قد تحدثت غداة تعيينها عن القيمة المهولة للأرباح التي يتوقع جنيها جراء محاربة الفساد والحكامة الجيدة، لماذا لا يتم طرق هذا الباب كأولوية من أجل الإصلاح بدل الالتجاء إلى الحلول السهلة المتمثلة في العكس المباشر للأزمة على المواطن البسيط؟