تعتبر فترة الامتحانات مرحلة مهمة بالنسبة للطلاب فهي فترة لتقييم الأداء ومدى التحصيل العلمي والمدارك المعرفية التي لقنوها طيلة فصل من الدراسة. ولأهمية المرحلة وحساسيتها خصوصا ما يعيشه الطلاب من قلق وهواجس نفسية وغيرها في الإعداد للامتحانات قررت أن أضع بين أيدي أحبتي الطلبة هده المقالة المتواضعة فيها ثوابت لابد كل واحد منا ان يجعلها قواعد انطلاق له في امتحانه.

1- تذكير: همسات لابد منها

– الهمسة الأولى: تجديد النية

السؤال الذي يطرح نفسه هنا وقد يطرحه الكثير من طلبة العلم لماذا النية؟

لأن عليها مدار العمل من صلاح وفساد، فالنية هي ركيزة العمل التي ينبني عليها قبوله من رفضه وهذا بدليل حديث الحبيب محمد صلوات ربي وسلامه عليه فيما رواه عنه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه” 1 .

والنية أصل عظيم في إسلامنا، صدر له البخاري كتابه (الجامع الصحيح) إشارة إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو مردود على صاحبه للحديث: “إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول: ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بما فيها وجهي” 2 .

– الهمسة الثانية: تقوى الله

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 3 وقال سبحانه وتعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 4 .

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل).

وقال بن رجب رحمه الله: وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه).

قال الشافعي رحمه الله تعالى: شكوت إلى وكيع سـوء حفظـي *** فأرشـدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلـم نور *** ونـور الله لا يهدى لعـاصـي
5

– الهمسة الثالثة: التوكل على الله

فالتوكل على الله وتفويض الأمر إليه سبحانه، وتعلق القلوب به جل وعلا من أعظم الأسباب التي يتحقق بها المطلوب ويندفع بها المكروه، وتقضى الحاجات، وكلما تمكنت معاني التوكل من القلوب تحقق المقصود أتم تحقيق.

قال الحق جل وعلا: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ 6 .

قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً” 7 .

وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك” 8 وكان يقول: “اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون” 9 . وكان لا يتطير من شيء صلوات الله وسلامه عليه، وأخذ بيد رجل مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: “كُلْ ثقةً بالله وتوكلا عليه” 10 .

– الهمسة الرابعة: الصبر

إن طريق طلب العلم ليس طريقا مفروشا بالورود والزهور، وإنما هو طريق التحمل والمشقة يحتاج إلى الصبر وطول النفس لان النفس داعية الى الملل والدعة، والراحة.

يقول الشاعر:وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى *** فإن أطمعت تاقت وإلا تسلتِولنا في قصة في قصة موسى والخضر عليهما السلام الدروس والعبر، قال تعالى في سورة الكهف: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا {66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا {69} 11 .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة” 12 .

والصبر وجهان:

الوجه الأول: أن العلم عبادة، وكل عبادة تحتاج إلى صبر.

الوجه الثاني: الصبر على الثبات على سلوك طلب العلم، فإن طلب العلم يحتاج الى صبر كثير.

2- تنوير: قصص لحشد الهمم

قصدنا من إدراج هده القصص هو حشد الهمم لتقتضي بهده المصابيح من علماء الأمة وكيف صبروا على طلب العلم حتى غدا العلم حياتهم وراحتهم.

– القصة الأولى: الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي البغدادي رحمه الله تعالى

الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي المتوفى سنة (513هـ) صاحب كتاب الفنون والدي اعتبره الكثير من العلماء من أضخم الكتب فعد البعض مجلداته بأنه بلغت 800 مجلد وقال فه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه من أذكياء العالم. بلغ في محافظته على الزمن مبلغاً أثمر أكبر كتاب عرف في الدنيا لعالم، وهو كتاب (الفنون).

ونورد هنا قصة رائعة تبين همة هدا العالم الفذ فهمته كانت عالية، جاء في ذيل طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب في ترجمة الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي البغدادي المقرئ الفقيه الأصولي الواعظ المتكلم ذي العلوم والفنون أحد الأئمة الأعلام في الإسلام ومن أفاضل العالم وأحد ادكياء بني أدم (431/513) رحمه الله: أنه كان يقول: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن العشرين سنة.

وأنا اقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى اختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما ببينهما من تفاوت المضغ، توفرا على مطالعة أو تسطير فائدة لم أدركها فيه). انظر كتاب صفحات من صبر العلماء للشيخ أبو غدة عبد الفتاح.

– القصة الثانية: الإمام ابن الجوزي رحمه الله

لم يترك أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله فناً من الفنون إلا وله مصنف.

سُئل هو عن تآليفه؟ فقال: زيادة على ثلاثمائة وأربعين مصنفاً، فكان كثير التأليف والتصنيف، قال الحافظ الذهبي عنه: ما علمت أحداً من العلماء مثل ما صنف هذا الرجل، فإنه لا يضيّع من زمانه شيئاً، وقد كان يكتب في اليوم: أربعة كراريس، مع اشتغاله بالتدريس والتأليف وإفتاء السائلين.)

ختاما: هدية لك

قال صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه: “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على بُرْدٍ له أحمر، فقلت له: إني جئتُ أطلب العلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (مرحبًا بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها)” 13 .


[1] حديث متفق عليه.\
[2] أخرجه الدار قطني من حديث أنس بإسناد حسن.\
[3] البقرة: 21.\
[4] سورة الأنعام 153.\
[5] ديوان الإمام الشافعي.\
[6] سورة آل عمران : 173 – 174.\
[7] رواه أحمد والترمذي.\
[8] رواه البخاري ومسلم.\
[9] رواه مسلم.\
[10] رواه أبو داود وابن ماجة.\
[11] سورة الكهف من الآية 66 إلى الآية 69.\
[12] رواه البخاري.\
[13] أخرجه أحمد والطبري.\