يكاد يجزم كل المتتبعين للشأن السياسي المغربي المعاصر، على أن جدلية الثابت والمتغير فيه تصب دائما في وقف الأول على مخزنية النظام المغربي فيما يأخذ الثاني أشكالا وشخوصا وهيئات متغايرة عبر الزمان والمكان.

ونحن هنا إذ نحاول تأكيد هذه النتيجة عبر وضع مقارنة بين محطتين من تاريخ هذا البلد، يتفق كل المغاربة على أنهما حملا آمالا، بل وحتى أحلاما على جميع المستويات، بل ومن كل الفئات حتى المتشربة لميكانزمات النظام المغربي، إن دراسة وبحثا، أو تجربة ميدانية وممارسة.

أما الأولى فهي ما أطلق عليه- في حينه- بتجربة التناوب التوافقي والذي حمل أحد أقطاب المعارضة وعرابيها: حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأمينه العام آنذاك السيد عبد الرحمان اليوسفي إلى “الحكم” كسابقة في التاريخ المغربي، والعربي، وحتى الثالثي.

في حين تكون الثانية هي: الوصول الأخير لحزب العدالة والتنمية “الإسلامي المعارض” “الحكم أيضا” بعد تسمية أمينة العام السيد عبد الإلاه بن كيران كرئيس للحكومة الثلاثين بالمغرب، والتي حملت هي الأخرى نفس التعليقات والآمال ولو على مستويات مغايرة.

وسنحاول ذلك عبر جرد كل ما يمكن أن نقول أنه الأسباب الكامنة والحقيقية والتي جعلت النظام الحاكم – حقيقة – يسمح بمثل هذا الانعطاف، خاصة فيما يتعلق بالأولى على اعتبار أن الثانية تبدو غير خافية. ثم كذلك القراءات التي استتبعت هذه وتلك وصولا إلى النتائج والخواتم سواء على مستوى النظام ذاته، وكذا الحالة العامة “المجتمع والاقتصاد” أو على رواد هتين التجربتين خاصة حزب الاتحاد الاشتراكي واليسار المغربي بعيد انتخابات 2002. مع القول أن الثانية سنتحدث عنها على سبيل النسج على المنوال مستحضرين دعامتين أساسيتين: تحركات القصر خلال الفترة القصيرة من حياة الحكومة الجديدة، والتصريح الحكومي الذي يلخص مؤشرات اشتغال ونقاط الوصول الأقصى. ثم – وفي المقام الأول – دستور 2012 ومدى مفارقة تعديلاته لسابقيه إن شكلا أو مضمونا، إذ أنه الشاهد الأول على سيرورة أو صيرورة هذا النظام وكل نظام.

1

بداية سنعرج على ما ذكره الدكتور محمد عابد الجابري على أن هناك لقاء جرى بين السيد عبد الرحيم بوعبيد والملك الراحل الحسن الثاني في شهر نونبر من سنة 1974 اتفقا خلاله على تدشين مسلسل ديمقراطي شبيه بمشروع التناوب الذي تم أقراره عام 1998.

والذي يهمنا هنا أمران: ظروف هذا اللقاء وهذا الاتفاق ثم مآله.

قال: “لقد كان ذلك اللقاء تاريخيا حقا ليس فقط لأنه طرحت فيه فكرة الإجماع الوطني من أجل الصحراء 1 بل أيضا لأنه استخلصت فيه الدروس من التجربة التي سار عليها الحكم في المغرب منذ سنة 1960 والتي توجت بمحاولتي الانقلاب الأولي 1971 والثانية 1972 إضافة على حوادث مارس 1973 2 .

لقد تم في ذلك الاجتماع إعلان العزم على ضرورة الرجوع إلى الاختيار الديمقراطي. ومع أن لفظ التناوب لم يكن قد ظهر في القاموس السياسي المغربي آنذاك إلا أن مضمونه كما طبق سنة 1998 كان يلوح في الأفق… يمكن القول إن الاختيار الديمقراطي قد وقع التراضي عليه كاختيار سياسي منذ 1974 3 .

لقد كان كل شئ يسير إلى ما سمي “اليوم” بالتناوب وذلك ما عبر عنه المرحوم بوعبيد حين قال في تصريح له للإذاعة الفرنسية يوم 23 أكتوبر 1976: إننا على عتبة مغرب جديد، لقد تم الشروع في مسلسل الديمقراطية ويجب احترام قواعد اللعبة). انتهى

لكن ما الذي حدث؟ يستطرد السيد محمد عابد الجابري في حكيه ويقول: جرت الانتخابات الجماعية كما كان مقررا يوم 12 نونبر 1976 وقد أسفرت النتائج التي أعلنت في مكاتب التصويت عن فوز الاتحاد بالأغلبية في أهم المدن والمراكز الحضرية والقروية… لكن دار لقمان تأبى إلا أن تبقى على حالها. لقد تدخلت أيدي التزوير لتغيير نتائج مكاتب التصويت ولتعلن وزارة الداخلية عن نتائج أخرى في كثير من المناطق) 4 .

قلت: أعقب ذلك رفض القصر السماح للسيد عبد الرحيم الترشح باسم الاتحاد في الانتخابات البرلمانية لسنة 1977 بمدينة أكادير وهو آخر مسمار في نعش أول مشروع أو لنقل فكرة للتناوب على الحكم.

2

إن ما يسمى بتجربة التناوب التوافقي التي انخرط فيها المغرب عمليا سنة 1998 لم تكن إفرازا موضوعيا وطبيعيا لنتائج انتخابات حرة ونزيهة ممثلة لخريطة سياسية حقيقية غير مصنوعة، ولإرادة شعبية ومجتمعية واضحة المعالم… كما لم تكن مؤسسة على تحالفات سياسية وبرنامجية متكاملة بين الفرقاء… وفوق كل هذا وذاك لم تكن هذه التجربة وليدة إصلاح دستوري وسياسي عميق داعم لتعاقد سياسي صريح بين اللاعبين الكبار…) 5 .

أدت هذه الشروط الملتبسة إلى تبني الفاعلين المعنيين لمدلولات وتفسيرات مختلفة بل متناقضة أحيانا لمفهوم “التناوب”. فيما كان يراد منه على ما يفهم من الكثير من خطب وتصريحات الملك الراحل الحسن الثاني: إشراكا جزئيا وتدريجيا موجها ومراقبا للأحزاب الوطنية “خاصة”، ولاسيما المعارضة في بعض شؤون الحكم وفي تدبير مسلسل الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي تحديدا، وذلك طلبا لتجاوز “تشاركي” – إلى حد ما – لما يعانيه المغرب من توعكات وأزمات على المستوى الداخلي (وهو ما سماه الملك الحسن الثاني بالسكتة القلبية بعد صدور تقرير البنك الدولي حول المغرب 1995) وطلبا أيضا لمواجهة جماعية لما يواجهه المغرب على المستوى الخارجي (الصيد البحري، الهجرة، الشراكة الأورو متوسطية، العولمة…). فبينما كان هذا هو المدلول الذي أعطي للتناوب في خطاب النظام القائم، فإننا نجد أن جل الأحزاب الوطنية قد أسقطت على المفهوم معاني ودلالات مرتبطة أساسا بأساليب تداول السلطة وتدبير دواليب الحكم… كما هي منفذة ومعتمدة في بعض التجارب السياسية للديمقراطية الغربية، خاصة، الشيء الذي جعل مفكرين وسياسيين كثرا، خاصة من رواد الحركة الوطنية، يرسمون لها صورة جد متفائلة 6 ما جعل نتائجها صادمة.

3

لتناوب 1998 بدايات ومسلسل معقد أفضى إلى تشكيل هذه الحكومة. وقد تم هذا المسلسل على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى انطلاق مسلسل التناوب بعد انتخابات سنة 1992. المرحلة الثانية اتسمت بالتأجيل 7 . المرحلة الثالثة تم انجاز المسلسل.

هذه حلقاته الرئيسية:

– 22 أكتوبر 1992 استقبل الملك زعماء المعارضة واقترح عليهم التناوب.

– 9 يوليوز 1994 يصدر الخطاب الملكي العفو عن المعتقلين السياسين والمنفيين.

– 14 أكتوبر 1994 يقترح الملك على المعارضة تشكيل حكومة أقلية يضمن لها الاستقرار لمدة ثلاث سنوات على الأقل.

– 11 يناير 1995 بلاغ من الديوان الملكي بتأجيل التناوب بسبب خلاف حول بقاء السيد إدريس البصري في منصب وزير الدولة في الداخلية.

– 1995 صدور تقرير للبنك الدولي حول المغرب والذي أحال عليه الملك الحسن الثاني في خطابه حول السكتة القلبية.

– 20 غشت 1996 أعلن الملك عن مراجعة الدستور.

– 13 شتنبر 1996 الدستور الجديد المراجع المحدث لبرلمان بغرفتيه والمصادق عليه بالاستفتاء.

– 28فبراير 1997 توقيع التصريح المشترك بين الأحزاب والحكومة.

– 14 نونبر 1997 الانتخابات التشريعية

– 5 مارس 1998 انتخاب أعضاء مجلس المستشارين.

– 14 مارس 1998 عين الملك السيد عبد الرحمان اليوسفي في منصب الوزير الأول. 8

– تشكلت حكومة اليوسفي من 7 أحزاب من اليمين واليسار الوسط. 9

وضمت 41 وزيرا. وزيران للدولة 23 وزيرا، 7وزراء منتدبين، 3 كتاب الدولة من بينهم امرأتان، احتفظ النظام فيها بما يسمى بوزارات السيادة: الخارجية والعدل والداخلية والأوقاف، إضافة إلى الأمانة العامة للحكومة.

وقد لازم الأمل قواد هذه التجربة حيث تحدث الوزير المعين عبد الرحمان اليوسفي في تصريح أمام البرلمان 10 عن أن مقدم حكومة التناوب حدث تاريخي في مجرى السياسة الوطنية. واقترح ميثاقا لحسن التدبير، طبقا لهذا الميثاق ينظم الوزراء عملهم حول ثلاث أوليات: أولية أخلاقية تروم محاربة جميع أشكال الانحراف والشطط في استعمال السلطة واللاعقاب، أولية تتعلق بالتسيير الحازم والمقتصد للمال العام، وأولية تهم العلاقات: مبنية على الإنصات وخدمة المواطنين والمقاولة). أما في الرسالة التي وجهها إلى وزرائه تحت عنوان الميثاق من أجل التغيير 11 فقد حدد الوزير الأول مجمل برنامجه، حيث قال فيها يجب أن يتجه التغيير نحو تعميق المسلسل الديمقراطي وتدعيم دولة القانون ومكافحة البطالة وتحسين مستوى المعيشة، يجب أن يتجسد في المقام الأول في تطهير المحيط المؤسساتي من خلال إصلاح الإدارة والقضاء كما يجب أن يتجلى عبر الإسراع في التنمية الاجتماعية وتدعيم تنافسية اقتصادنا) 12 . انتهى.

4

مع توالي الشهور ثم سنوات عمر حكومة التناوب بدأت تلوح في الأفق خيبة الأمل لدى جل شرائح المجتمع، يوازيه حديث عن أن الوزير الأول لم يتمكن من استغلال الهامش الضئيل الذي تمنحه إياه الوثيقة الدستورية، بل أصبح يوظف قربه من رئيس الدولة أكثر من عمله باختصاصاته الدستورية وهو ما جعل الحكومة هيئة ثانوية 13 لا تتمتع بالسلطة اللازمة لممارسة مهامها خاصة إزاء الموظفين السامين ورجال السلطة. 14

في المقابل نجد تفعيل المؤسسة الملكية للعديد من المؤسسات الموازية. وهو ما أكده السيد عبد الله ساعف أحد وزراء هذه الحكومة حين سئل: عن أن هناك من يتحدث عن الأداء الملكي المتميز بالمبادرة الجريئة والقوية وبالسرعة، ويعتبر الأداء الحكومي خجولا وبطيئا، فأجاب أن الموقع الذي يتحرك منه الملك هو موقع معروف وواضح وواسع جدا يتجاوز كل الفاعلين والموقع الذي تتحرك منه الحكومة موقع آخر محدد واللغة فيه مسطرة) 15 .

أدى إحساس الحكومة والائتلاف الحكومي بالأزمة وأمام الضغط الاجتماعي المتواصل ومسلسل الحركات الاحتجاجية المتعددة الأشكال إلى توجيه الأنظار صوب الانتخابات التشريعية المنتظرة. حيث انتقلت أحزاب الحركة الوطنية وهي تقود حكومة التناوب من الاحتجاج على سير انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين سنة 2001 إلى الدفاع المستميت عن أحقية الحكومة من خلال وزارة الداخلية، على اعتبار أنها مجال من مجالات السيادة (وزارة السيادة) وهو ما يعني الإلتفاف حول هذه الوزارة بالذات والتماهي معها دون ترك أية مسافة بين الحزب والحكومة والدولة والانتخابات. 16

هذا السلوك السياسي كان تعبيرا عن الضعف الذي وصلت إليه أحزاب الحركة الوطنية من جهة ومن جهة أخرى عن التشردم الحاصل بين هذه الأحزاب وصراعاتها الداخلية حول “مولة نوبة” حسب خطاب حزب الاستقلال في تعيين الوزير الأول من داخله.

وبالتالي جاءت انتخابات 27 شتنبر 2002 والتي كان من أبرز مظاهر تميزها علاوة على أنها أول انتخابات في عهد الملك محمد السادس أنها عرفت أسلوبا جديدا للإقتراع، وهو الاقتراع النسبي مع أكثر البقايا والتوافق الحاصل حول الكوطا المتعلقة باللائحة الوطنية، حيث ولجت 30 امرأة مجلس النواب، ثم بروز متغير جديد في الحقل السياسي المغربي يتجلى في صعود حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي إلى مصاف القوى السياسية “الفاعلة” فيه وذلك بعد حصوله على المرتبة الثالثة ب 42 مقعدا مقابل 50 و48 لكل من الاتحاد الاشتراكي والاستقلال في المرتبتين الأولى والثانية على التوالي.

جاءت هذه الانتخابات بخريطة سياسية أقرب إلى البلقنة منها إلى إفراز قوة سياسية أبرز حضورا وأكثر حيازة للأصوات خاصة وما عرفته من دخول قرابة عشرة أحزاب جديدة السباق الانتخابي. 17

وهذا ما مهد إلى دخول هذه الأحزاب في حكومة ائتلافية (تقنو حزبية) وقادها إلى المساهمة في التخلي عن آلية التناوب، والاستعداد تدريجيا للتنكر لواقعها كأحزاب حركة وطنية. لينتهي التناوب وينهي معه مفهوم الحزب وطريقة تكوين الحزب كما وضعته الحركة الوطنية نفسها، بل إن السلطة والنظام الحاكم “حقيقة” قامت بإدماج نخب الأحزاب المنعوتة بالوطنية في ظرف زمني سريع، قوبل باستعداد سيكولوجي لدى قياداتها.

تعزز ذلك بهيمنة تداول خطاب سياسي نقدي منذر ليس فقط بإقبار التناوب التوافقي بل أيضا بموت النخب والديمقراطية وبإبادة السياسة… إلخ، وبدا المشهد كما لو أن الأمر يتعلق بتأبين جنائزي لآمال جماعية كبيرة بكاملها، كان المجتمع المغربي البسيط قد علقها على تجربة التناوب التي عم الإحساس بدخول مرحلة توديعها إلى غير رجعة. 18

5

لم تخرج انتخابات 2007 عن مسار التراجع الذي عرفته نسبة المشاركة حيث لم يتجاوز نسبة 35% مقابل 52% خلال انتخابات 2002 و58% في انتخابات 1997.

وأيضا عن الخريطة السياسية المبلقنة التي تشكل فسيفساؤها من 23 حزبا سياسيا، أول حزب منها حصل على 52 مقعدا وآخرها حصل على مقعد واحد.

بل أصبح الحديث عن عدم اقتصار البلقنة على الخريطة البرلمانية فقط بل طالت التشكيلة الحكومية أيضا. فسابقا كان هناك الحديث عن صنفين من الوزارات داخل التشكيلة الحكومية وزارات السيادة ووزارات غير سيادية. لكن تشكيل حكومة عباس الفاسي عقب اقتراح 7 شتنبر 2007 أصبح الحديث من جهة عن ثلاث أصناف للوزارات، وزارات السيادة ووزارات شغلها مستقلون، ووزارات يشرف عليها منتمون إلى بعض الأحزاب إما حقيقة أو مجازا.

ومن جهة أخرى عن مدلول الفصل 24 من الدستور الذي كان باستمرار خاضعا لقراءتين مختلفتين قراءة نصية تمنح للملك صلاحية تعيين الوزير الأول بصرف النظر عن حصوله على أغلبية حزبية من عدمها وبصرف النظر عن كونه سياسيا أو تكنوقراط. وقراءة سياقية فرضت نفسها بعد تعين الملك الحسن الثاني لعبد الرحمان اليوسفي 1998 إذ بموجب هذه القراءة أصبح الملك مطالب بتكليف رئيس الحزب السياسي الذي يحتل الرتبة الأولى في الاستحقاقات الانتخابية في إطار ما عرف باحترام المنهجية الديمقراطية. كما أن تعيين وزير أول سواء ارتبطنا بالقراءة النصية أو بالقراءة السياقية يجب أن يتم في إطار مقتضيات الفصل 24 بحيث ترجع صلاحية اقتراح أعضاء الحكومة على الملك إلى الوزير الأول المكلف نفسه، غير أن هذه الكيفية التي شكلت بها حكومة عباس الفاسي فتحت النقاش من جديد حول مضامين ودلالات هذا الفصل، فكثير من الفاعلين السياسيين والمتتبعين للشأن السياسي أجمعوا على كون الوزير الأول المكلف لم يقترح أعضاء الحكومة على الملك بل اقترحوا عليه من قبل مستشاري الملك أو بتعبير أوضح استلم لائحة أعضاء الحكومة ليعرضها على الملك. 19

6

لقد حاولنا من خلال السطور أعلاه الوصول إلى نتيجة مفادها استمرارية النسق الذي يشتغل به النظام المغربي عبر توالي السنوات، وكذا وحدة الطريقة التي يواجه بها فترات الضعف والضغط داخليا كان أو خارجيا.

لكن هل تكون سنة 2011 وحكومة بنكران “الاستثناء” الذي يخالف القاعدة أم الذي يؤكدها؟ خاصة وأن أحداثها، من جهة: جاءت كأول امتحان حقيقي للعهد الجديد بعيد انتهاء عقده الأول، ومن جهة أخرى هي امتداد لزلزال إقليمي عربي أسقط أكثر من نظام عتيد وبآلية الشعوب وليس النخب (العسكر – السياسيون).

أو بعبارة أخرى هل يلعب حزب العدالة والتنمية الدور ذاته الذي لعبه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إبان تجربة التناوب على اعتبار أننا في إطار وضع مقارنة بين التجربتين؟ ثم لماذا هذا الحزب الموسوم بالإسلامي وليس غيره؟ وفي الأخير نقف على السؤال المحوري الآتي:

هل استطاع النظام المغربي مرة أخرى الخروج من عنق الزجاجة التي ظل موضوعا فيها طيلة أشهر من الحراك السياسي والمجتمعي بل ومنتصرا قادرا على تحريك مسار هذه الحكومة ليس فقط من خلال الامتيازات والمؤسسات الدستورية الموازية بل من داخل الحكومة نفسها؟

في الحقيقة تتناسل أسئلة عديدة تأخذ أهميتها من تشعب الموضوع الذي نحن بصدد النبش في جزء من تجلياته فقط، ألا وهو تحكم النظام في هذه الحكومة وفي كل حكومة بغض النظر عمن سُمي وزيرا أولا وعن الحزب الذي ينتمي إليه، بل أكثر من ذلك له إمكانية اختيار الحزب الذي له شروط تسكين الشارع وتسويف قضية القضايا العدل والديمقراطية، علاوة على قابلية الانصهار دونما أدنى مقاومة أو بأبخسها في أحسن الأحوال.

وقد ارتأينا رصد رقمين سيساعداننا على الوصول إلى إجابات عن بعض من هذه الأسئلة: الدستور الجديد، وبعض معالم الحكومة الجديدة. مع الإشارة إلى أننا قد أعرضنا عن ذكر تقابلات عديدة تتلاقى فيها التجربتان، واستحضرنا أخرى متعلقة بالأولى يستطيع القارئ الكريم استحضار ما يقابله في الثانية، اختصارا.

أما الدستور الجديد، فلن لا يكفينا المقام لوضع مقارنة بين دستور 30/06/2012 وسابقيه إن شكلا أو مضمونا، خاصة وبراعة فقهائنا في إنتاج ترسانة من المفاهيم المتجددة والمتلونة تستطيع تحميل المتون الدستورية المتعاقبة تأويلات لها من الصفة الديمقراطية بقدر ما لها من الصفة الدكتاتورية، وبالتالي جعلها لا تراوح مكانها قيد أنملة..

لكن يمكن القول إن الحكم بمدى تجدد الوثيقة الدستورية المغربية خاصة، يمر، في تقديرنا، عبر خلخلة نقاط أساسية ثلاث: موقع الملكية… والقضاء وعلاقته بباقي السلط ثم الحريات والحقوق و كيفية التنصيص عليها وآليات تطبيقها.

ثم إن موقع الملكية هو في الحقيقة مدى تخلي هذه الأخيرة عن بعض من سلطاتها لصالح الحكومة ورئيسها بداية، ثم عن درجة ضبطها لإيقاع تدبير السياسة العامة للبلد داخليا وخارجيا، أو بعبارة الواقع المغربي احتفاظها بعصب حركية الحكومة من خلال وضع اليد على وزارات بعينها تأخذ اسم وزارات السيادة.

وهنا نجد أن الدستور الجديد قد أجاب عن كل سؤال من هذه الأسئلة، بالشكل الذي يحافظ فيه على جوهر سابقيه. فقد تصدى لدعوات الملكية البرلمانية بتحريك أنزيم الخصوصية المغربية الذي لا يسمح لا بتبني هذا النظام كما هو مسطور في النظم الدستورية العالمية، ولا بسمو مجموع مواثيق ومعاهدات حقوق الانسان وآليات تطبيقها، في وقت تكون عملية خلق مؤسسات موازية تزيد من تراكم الرئاسات لدى الملك (المجلس الأعلى للقضاء، المجلس العلمي، المجلس الأعلى للأمن،……) الضامن والمغني عن الأخذ بزمام أي وزارة ولو كانت سيادية، بل عاملا مخترقا لكل فصل بين السلطات وبالنتيجة وفاء حليمة لبنيتها القديمة.

أما الحكومة: فعلاوة على أنها تكونت من وبأحزاب، ورجالات سابقيها (طبعا باستثناء حزب رئيسها) فقد جاءت ليس بوزارة سيادة واحدة- كما كان الوعد- بل بالأوقاف والأمانة العامة ووزارة منتدبة في الداخلية وأخرى في الخارجية وواحدة منتدبة لدى الحكومة مكلفة بإدارة الدفاع الوطني، مع الاحتفاظ بسنة سابقيها في وزارة الدولة (وزير بدون حقيبة).

كل ذلك وتبقى الصدمة الأشد هي فقدانها (تخليها عن) لصلاحيات عديدة ابتداء من عدم إلزامية عرض الحكومة على الملك واختيار الوجوه الوزارية، وانتهاء بالتعيين في المؤسسات العمومية والشركات ذات الأهمية. الشيء الذي اعتبره متتبعون حتى من داخل حزب العدالة والتنمية (عبد العالي حامي الدين – عبد اللطيف برحو) إنذارا بعودة الوضع السابق الذي عرف خلطا بين مهام واختصاصات المؤسسة الملكية والحكومة. في حين يبقى الجديد في هذا الباب تباهي رئيس الحكومة به وإنزاله منزلة التطبيع.

أما التصريح الحكومي فقد جاء هو الآخر من دون معطيات، مليئا بالأفكار، فاقدا لآليات التتبع ومنهجية العمل بل وكرس تراجعا صارخا -عضده القانون المالي من بعده- عن الوعود والأرقام المعلنة انتخابيا.

مع ذلك نجد الكثير من الناس من داخل الشعب المغربي ونخبه يلتزمون جملة تبدو مألوفة في كل ولاية تشريعية، وهي ضرورة عدم الحكم – القبلي – على أداء الحكومة وانتظار مرور ربما حتى ولايتها الثانية للحكم على إيجابية أو سلبية النتائج. وكأن تحديد 100 يوم – لبعض من ذلك على الأقل – هو ضرب من الخيال أوفي عالم غير العالم.


[1] من أهم أسباب هذا اللقاء قرار اسبانيا إجراء استفتاء في الصحراء بهدف إقامة شبة دولة “مستقلة” تابعة لها تبين أنه كان بتواطئ مع الحكومة الجزائرية التي كانت هي الأخرى تطمح إلى الوصول بحدودها الغربية إلى المحيط الأطلسي.\
[2] عرف شهر مارس سنة 1973 دوامة عنف في أكثر من مدينة مغربية (مولاي بوعزة، خنيفرة، كلميم، ‘ميلشين) نسبت إلى بعض قياديي اليسار.\
[3] سلسلة مواقف د. محمد عابد الجابري الكتاب 9 ص 13.\
[4] نفس المرجع.\
[5] كتاب: في التنمية السياسية مقدمات في سوسيولوجيا الإصلاح والتحديث والتحول الدمقراطي المغربي المعاصر مصطفى حسن ص، 92- 93.\
[6] المرجع نفسه.\
[7] كان السبب في التأجيل إصرار القصر على الاحتفاظ بالسيد البصري على رأس وزارة الداخلية.\
[8] عبد الكبير الخطيب: التناوب والأحزاب السياسية عز الدين الكتاني الإدريسي منشورات عكاظ الرباط.\
[9] يصعب على الدارس للحقل السياسي بالمغرب تصنيف الأحزاب السياسية نضرا لعوامل متعددة منها ما هو مرتبط بطبيعة التشكيلات الاجتماعية ومنها ما يتعلق بتدخل الدولة بخلق أحزاب موالية لها وشق أخرى لعصيانها سواء كانت يسارية أو يمينية كما ان الدارس يلمس ان سلوك الأحزاب غالبا ما يتناقض مع خطابها الاديولوجي والسياسي.\
[10] نشر يوم 8 أبريل 1998.\
[11] نشرت يوم 27-3-1998.\
[12] عبد الكبير الخطيب –المرجع السابق-.\
[13] المسار الذي أكده الوزير الأول نفسه في يعرف تصريح له.بعد خروجه من الحكومة.\
[14] عبد الرحيم المنار السلمي مجلة وجهة نظر 23 خريف 2004. تجربة التناوب في المغرب متاهات الانتقال في المجتمع السياسي.\
[15] د. عبد الله ساعف: أحاديت في السياسة المغربية مشورات الزمن العدد 33.\
[16] عبد الرحيم المنار السليمي المرجع السابق.\
[17] نشأت ما 2001 و2002 أحزاب (…الحزب المغربي الليبرالي – الاتحاد الديمقراطي – القوات المواطنة – حزب العهد – حزب المؤتمر الوطني للإتحاد – مبادرة المواطنة والتنمية – التجديد والإنصاف – اليسار الاشتراكي الموحد – رابطة الحريات. …).\
[18] مصطفى حسن: في التنمية السياسية مقدمة في سوسيولوجيا الإصلاح والتحديث والتحول الديمقراطي في المغرب المعاصر ص113.\
[19] د. محمد ضريف مجلة منار الهدى العدد 10 خريف 2008.\