برولوج

دعنا نفهم هذه النظرية على الشكل التالي:

1 _ كل دول العالم العربي تعاني شعوبها من الاستبداد والظلم إلا المغرب.

2 _ كل دول العالم العربي تعاني شعوبها من ويلات الفقر والأمية والفوارق الطبقية الفاحشة إلا المغرب.

3 _ كل دول العالم العربي تعاني شعوبها من انسداد آفاق الحرية ومن دوس الكرامة الإنسانية إلا المغرب.

4 _ كل دول العالم العربي تحررت شعوبها أخيرا من شبح الخوف، وآمنت أخيرا أنه ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، وأن ثمة ما يستحق أن نموت من أجله: الخبز أولا، والحرية والكرامة ثانيا وثالثا… وآخرا… إلا المغرب.

عندما روجت وسائل الإعلام المغربية الرسمية لهذه النظرية، ما الذي قصدت إليه بالذات؟ ما هي الدلالات التي أريد لهذه العبارة أن تؤديها؟ كيف فهم المواطن العادي هذه العبارة؟ كيف فهمها المثقف الحامل لهموم هذا الوطن الذي أريد له أن يبقى خارج السرب؟ أي العبارات تعتبر تجسيدا صحيحا لنظرية الاستثناء المغربية هذه؟ أي العبارات تعتبر لاحنة _ بتعبير أهل اللغة _ وأيها يعتبر صحيحا؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها بإلحاح، ونحن نستهل هذه المقالة بهذا البرولوج الذي نسعى من خلاله أساسا إلى فتح شهية القارئ الكريم ليشاركنا في مناقشة موضوع، يعتبر موضوع الساعة بلا منازع…

تحديدات مفاهيمية

تعرف النظرية لغة بأنه ج نظريات: قضية محتاجة إلى برهان لإثبات صحتها) 1 . والنظرية في مفهومها الفلسفي: نسق فكري استنباطي متسع حول ظاهرة أو مجموعة من الظواهر. وهي ذات توجيه نسبي يساعد على فهم مستقبل الظاهرة). والاستثناء مصدر مشتق من فعل استثنى الشيء: أخرجه من الحكم العام. واستثنى فلانا وعلى فلان: أخرجه من حكم غيره) 2 . ويعرف الاستثناء في النحو بأنه أن تخرج شيئا، مما أدخلتَ فيه غيره، أو تدخله فيما أخرجت منه غيره) 3 . والوهم من توهم الشيء: تخيله وتمثله، كان في الوجود أو لم يكن. وقال: توهمت الشيء وتفرسته وتوسمته وتبينته بمعنى واحد…) 4 . والحقيقة من الحق: نقيض الباطل… وحق الأمرَ يحقه حقا وأحقه: كان منه على يقين، تقول: حققت الأمر وأحققته إذا كنت منه على يقين منه… وبلغ حقيقة الأمر أي يقين شأنه… وحقيقة الرجل: ما يلزمه حفظه ومنعه ويحق عليه الدفاع عنه من أهل بيته…) 5 .

1 _ “الاستثناء المغربي” حقيقة

سارع المخزن المغربي إلى الترويج لهذا الأمر منذ بدأت عواصف الربيع العربي في الهبوب بدءا من تونس التي شكلت ثورتها التي لم تكن متوقعة بداية مرحلة جديدة في التاريخ العربي المعاصر، لقد تعلم المخزن من خبرته الطويلة والعريقة أن يستبق الأحداث، وأن يقرأ جميع الاحتمالات الممكنة ليعد لها العدة المناسبة، وهكذا سارع إلى إجراء التعديل الدستوري، الذي لم يسفر إلا على دستور قديم في طبعة جديدة، كما عجل بالانتخابات ليعطي المشروعية لخريطة سياسية كان قد وفر بذورها من قبل، وهكذا ورغم نسبة المقاطعة المرتفعة، ورغم حركة 20 فبراير ومسيرات الاحتجاج الحاشدة، ورغم حالة الاحتقان التي عاشها الشعب المغربي، ورغم إدراك الرأي العام بأن الأمر كله لا يعدو أن يكون مسرحية رديئة الإخراج، فقد تم للمخزن ما أراد، وتمت الانتخابات في أجواء قيل “شفافة ونزيهة”… وتقلد الحزب الذي احْتُفِظَ به لهذه الظرفية الحرجة مقاليد السلطة، وعلقت وسائل الإعلام على ذلك، بسذاجة سياسية، بأن صناديق الاقتراع في المغرب سمحت للإسلاميين بتقلد السلطة…

هكذا إذا بدا المغرب البلد الوديع الذي ينعم بالاستقرار والدعة والهدوء وسط العواصف التي هبت وما تزال تهب في كل أنحاء العالم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج، هدوء يطرح أكثر من علامة استفهام، ويثير أكثر من علامة تعجب، في أجواء عالمية تهاوت خلالها الحدود والجدران، وصار العالم كله خلالها مجرد “قرية صغيرة”، تنتقل الأخبار والصور والأفكار والتيارات والموجات والحركات والسكنات… وكل شيء عبر أنحائها بعفوية وشفافية وطلاقة ولباقة…

2 _ الاستثناء المغربي: مجرد وهم

هذه هي الحقيقة التي تثبتها كل المؤشرات وكل الإحصائيات وكل المعطيات الاقتصادية والسوسيولوجية والثقافية… وهي الحقيقة ذاتها التي يشعر بها المواطن العادي الذي لم يعد طنين الإعلام الرسمي يعني له شيئا، ولم يعد ينتظر منه أكثر من الترويج للكذب في واضحة الفضائحيات وعلى مرأى ومسمع من الشبكة العنكبوتية التي كانت مفتاح سقوط أنظمة فرعونية قارونية عنيدة وعتيدة… ماذا تقول لغة الأرقام عن مغربنا الحبيب؟!

_ تراجع وتيرة ارتفاع الإنتاج الداخلي من 5.6 % من المعدل المتوسط خلال السبعينات، إلى % 2.4 خلال نهاية التسعينات وبداية الألفية الثالثة.

_ انتقل المغرب من المرتبة 128 حسب الدخل الوطني الخام إلى المرتبة 132 من مجموع 208 دولة المصنفة في المراتب الدنيا على مستوى الدخل في العالم.

_ احتل المغرب المرتبة 124 ضمن لائحة 173 دولة حسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية، فهو حسب نفس التقرير مرتب في الثلث الأخير الذي يضم الدول الأكثر فقرا في العالم.

_ كما أن تقرير المنتدى الاقتصادي الذي يهتم بمستوى التقدم أو التراجع في مستوى القدرة التنافسية، صنف المغرب في مؤخرة الترتيب برتبة 61 ضمن لائحة 102 دولة.

_ ويصنف المغرب في المرتبة 78من بين 133 دولة في مجال الرشوة حسب منظمة ترانسبارانسي.

_ 51.5% من السكان البالغين يعانون من الأمية.

_ عدد الأطباء لكل 100 ألف نسمة لايتعدى 46 طبيبا.

_ الولادات التي تتم برعاية طبية لاتتعدى 40%

_ التغطية الصحية لاتتعدى 15% من السكان.

_ محاربة السكن غير اللائق تقتضي إنشاء مليون وحدة سكنية.

_ أكثر من ربع المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر المدقع، (يتمثل في إنفاق أقل من دولار واحد في اليوم الواحد).

_ بعض رؤساء المؤسسات العمومية تصل أجورهم إلى 800 مرة راتب عون بسيط، كمدير لكوما نف الذي حدد مبلغ 785 ألف درهم كأجر له، أي ما يوازي 978 مرة الأجر الأدنى للأجور.

_ أما بالنسبة للبطالة فهي تطال حوالي 30% من حاملي الشواهد العليا.

_ وكدليل على خطورة ظاهرة الجرائم الاقتصادية فإن ترجمة المبلغ الإجمالي للاختلاس والتبذير من صندوق الضمان الاجتماعي والمتمثل في 115 مليار درهم، وهو مبلغ يمثل لوحده:

_14 مرة الاحتياطي المغربي من العملة لسنة2001.

_ و34% من الناتج الداخلي الخام لسنة 2001.

وحسب الدراسة التي أنجزتها الهيئة الوطنية لحماية المال العام سنة 2003 بواسطة مختصين فإن المبلغ المذكور سيكفي لوحده ل:

_ توفير 4 مليون منصب شغل.

_ أو بناء 22 ألف و400 مدرسة نموذجية.

_ أو بناء مليون و67 ألف وحدة سكنية اقتصادية.

_ أو حوالي 25 ألف مستشفى متوسط… 6

إذا كان الواقع المعيش هو أكبر محك للحكم على هذه “النظرية” التي صمت أبواق الدعاية المخزنية آذان الكل بالترويج لها، فإن هذا الواقع ومن خلال أرقامه الصادمة يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الأمر مجرد وهم أريد به الترويج للمزيد من التمويه والخداع والكذب في واضحة النهار، ولعلنا لا نستغرب ونحن نتابع يوميا كيف ينكشف أمر هذه الحكومة “الإسلامية” التي سيكلفها الأمر الكثير من الاجتهادات السياسية والفقهية من أجل إيجاد تخريجات فقهية مناسبة لكل حماقات المخزن التي لا تنتهي بدء بمهرجان “موازين/ ايقاعات العالم”، مرورا بقانون مكافحة الإرهاب، وبالقانون المنظم للإضراب… وليس انتهاء بضرب المناطق الحساسة من أجساد المحتجين والمحتجات في الشارع العام على مرأى ومسمع من مبنى البرلمان المحترم جدا…

عود على بدء

أعتقد جازما بأننا – بعد كل ما تقدم – لن نجد أدنى صعوبة في الاتفاق على أن الجمل 1 و2 و3 الواردة في البرولوج تعتبر لاحنة كاذبة بامتياز، وأن الجملة 4 تعتبر وحدها الجملة الصحيحة بامتياز، وهي وحدها تعتبر التجسيد الصحيح والمناسب لنظرية الاستثناء المغربي… التي أريد لها أن تكون حفلا تنكريا آخر يضاف إلى الحفلات التنكرية التي تعود المخزن على تنظيمها في كل وقت وفي كل حين، ومنذ عهود وعهود… حفلا قوامه الغناء والرقص والضحك بملئ الفم على ايقاعات الموت والفقر والأمية والعطالة والتهميش والهشاشة بكل ألوانها وبجميع صورها…


[1] (المنجد في اللغة والأعلام) ص: 817 / مادة: نظر / دار المشرق _ بيروت.\
[2] (المنجد في اللغة والأعلام) ص: 75 / مادة: ثنى / دار المشرق _ بيروت.\
[3] (اللمع في العربية) / أبو الفتح عثمان بن جني / تحقيق: حامد المؤمن / عالم الكتب / مكتبة النهضة العربية / الطبعة الثانية / 1405 هـ _ 1985 م / ص: 121.\
[4] (لسان العرب) / مادة: وهم / ابن منظور / دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع / دار صادر بيروت / الطبعة الأولى / 1410 هـ _ 1990 م.\
[5] (لسان العرب) / مادة: حقق.\
[6] الهيئة الوطنية لحماية المال العام باعتبارها أداة للدفاع عن حماية المال العام/ موقع على شبكة الأنترنيت.\