ليبلوكم أيكم أحسن عملا

قد علمت، رعاك الله، الداعية إلى الجهاد؛ وهو سعي الظالمين في خراب العبادة الربانية، والأخوة الإنسانية، والعمران الأخوي 1 . ثم استبان لك المقصد منه؛ وهو حفظ الدين عبادة وأخوة وعمرانا 2 .

وإذ بان هذا، وعلمت هذاك؛ فتعال نتفقد حكمة الجهاد، وقد جاء بها الوحي تصديقا لحكمة الابتلاء في حقيقة الموت والحياة؛ فتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ1 الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ2.

يعلمنا القرآن الحكيم، أن الله شرع دفع الظلم والعدوان؛ ليحق الحق ويبطل الباطل؛ ويمحق الكافرين ويمحص المؤمنين؛ ويميز الخبيث المنافق من الطيب المؤمن، فيعلم المنافق، ويعلم المؤمن الصابر المجاهد، ويتخذ من المؤمنين شهداء.

إحقاق الحق وإبطال الباطل وقطع دابر الكافرين

قال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ7 لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون8 سورة الأنفال.

وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ أي أن يظهر الإسلام. وقيل: “بِكَلِمَاتِه” أي بأمره إياكم أن تجاهدوهم. وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ أي يستأصلهم بالهلاك 3 .

تمحيص المؤمنين ومحق الكافرين

قال تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ141 سورة آل عمران.

فيه ثلاثة أقوال: يُمحِّص يختبر. الثاني ـ يطهِّر؛ أي من ذنوبهم فهو على حذف مضاف. المعنى: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا؛ قاله الفرّاء. الثالث ـ يمحِّص يخلِّص؛ فهذا أغْرَبُها. قال الخليل: يقال مَحِصَ الحبلُ يَمْحَص مَحْصاً إذا ٱنقطع وَبَرُه؛ ومنه “اللّهم محِّص عنا ذنبوبنا” أي خلصنا من عقوبتها. وقال أبو إسحاق الزجاج: قرأت على محمد بن يزيد عن الخليل: التمحيص التخليص. يقال: محَّصَه (يمحصه) مَحْصاً إِذا خلصه؛ فالمعنى عليه ليبتلي المؤمنين ليُثِيبهم ويخلِّصهم من ذنوبهم. وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ أي يستأصلهم بالهلاك 4 .

طالع أيضا  الجهاد (4).. الوعد القرآني

وعلى هذا السبيل قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ127 سورة آل عمران.

لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أي بالقتل. ومعنى {يَكْبِتَهُمْ} يحزنهم؛ والمكْبُوت المحزون 5 .

التمييز بين الخبيث والطيب

قال تعالى: مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ179 سورة آل عمران.

وقيل: الخطاب للمؤمنين. أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من ٱختلاط المؤمن بالمنافق، حتىٰ يميِّز بينكم بالمحنة والتكليف؛ فتعرفوا المنافق الخبيث، والمؤمن الطيب. وقد مَيَّزَ يوم أُحُد بين الفريقين 6 .

1. العلم بالمؤمنين وبالذين نافقوا

قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ 166 وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ سورة آل عمران.

{وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} {وَلْيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} أي ليُمَيّز. وقيل ليرى. وقيل: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم في القتال، وليظهر المنافقين بإظهارهم الشّماتة فيعلمون ذلك 7 .

2. العلم بالذين اتخذوا وليجة وبطانة يفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم

قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ16 سورة التوبة.

وقال الفرّاء: وليجة بطانة من المشركين يتخذونهم ويُفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم) 8 .

3. العلم بالمجاهدين والصابرين

قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ142 سورة آل عمران.

وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ31 سورة محمد.

4. العلم بالمومنين واتخاذ الشهداء

قال تعالى: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ140 سورة آل عمران.

طالع أيضا  الجهاد (5).. الفاعل المجاهد

[1] انظر الجهاد 1.\
[2] انظر الجهاد 2.\
[3] تفسير القرطبي.\
[4] تفسير القرطبي.\
[5] تفسير القرطبي.\
[6] تفسير القرطبي.\
[7] تفسير القرطبي.\
[8] تفسير القرطبي.\