أي شيء عرف من لم يعرف الله ورسله، وأي حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة، وأي علم أو عمل حصل لمن فاته العلم بالله والعمل بمرضاته ومعرفة الطريق الموصلة إليه، وما له بعد الوصول إليه). إنها مقولة نورانية من طبيب القلوب العلامة الحبر شمس الدين ابن القيم رحمه الله.

إن القلوب إذا لم يحركها حادي معرفة الله عز وجل وتعظيمه، فإن العطب سيتمكن منها، والران سيكسوها، فأي شيء يريده قلب لم يتعرف على الله عز وجل.

إن الحياة المادية إذا استغرقنا فيها وابتعدنا عن تذكير القلوب بهذا المعنى المهم (معرفة الله) فإننا ولا شك سنستجلب الهم والغم، ونبتعد عن التوفيق، بل وعن لذة الحياة، فأي لذة في حياة من لم يتعرف على الله أو غفل عن سبل معرفته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن اللذة والفرحة وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله – سبحانه وتعالى – وتوحيده والإيمان به… وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه).

وقال رحمه الله: والعبد كماله في أن يعرف الله فيحبه، ثم في الآخرة يراه ويلتذ بالنظر إليه).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله ولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص).

كيف نتعرف إلى الله عز وجل

سؤال كبير، ينبغي أن يكون شغلنا الشاغل خصوصا في ظل هذا البحر المتلاطم من الفتن، ولعل هذه الأصول الثلاثة يدور حولها الجواب:

1/ صحبة ولي مرشد دال على الله عز و جل، يقرب لك الطريق وينير لك الدرب، يرفعك حاله و يدلك على الله مقاله.

2/ تدبر كلام الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إذ هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، فيه صفات الرحمن وأسماؤه التي بها عرف نفسه سبحانه عز وجل إلى خلقه.

3/ الإكثار من العبادة والتقرب من المولى سبحانه خصوصا عبادة الذكر والتفكر.

قال أحد الصالحين: من لم يكن كلامه ذكر فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكر فهو سهو.

وأختم بكلام نوراني لابن القيم، حيث قال رحمه الله: القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى في صفات الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الأصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء، وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات، فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته، فإذا أراد منه الغير أن يعلق تلك المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء).