تشميع أم تصفيد

تشميع البيوت إغلاقها بوضع الشمع الأحمر دليلا على تحذير أصحابها من عدم فتحها، والتشميع إجراء إداري بناء على حكم قضائي يستند إلى مسوغات ومبررات نص عليها القانون. وفي العرف المخزني تلجأ السلطة إلى تشميع البيوت وطرد أهلها في واضحة النهار، كما في الساعات المتأخرة من الليل، لا فرق في منطق تعليماتها بين شيخ مسن، وبين امرأة حبلى توشك أن تضع. قرار بموجبه شُمعت البيوت بعد اقتحامها وترويع أهلها وتشريدهم رميا بهم في العراء، تطبيقا لتعليمات يتبرأ منها المسؤولون تباعا، فيُحيل كل واحد منهم لجهة أعلى منه، فيصبح التشميـع واقعا وصاحب قراره شبحا. “تعليمات، تعليمات عليا، قرار سياسي يتجاوز سلطة الوالي..” كلمات يتوارى خلفها المخزن ويتقزّمُ فتفقد الدولة مصداقيتها وهي تتنكر لواجباتها حماية للمواطن وتوفيرا لأمنه.

وحيث إن قرار التشميع عار من أي سند قانوني، فهو تعسف سلطوي لا يصنف ضمن إجراء التشميع، لذلك فهو في الحقيقة تصفيد للبيوت يحيل على منطق “السيبة” واللادولة: لا قوانين، ولا مؤسسات. وإلا بأي ذنب أو جريمة صُفدت البيوت وشرد أهلها؟ ألا يكتفي المستبدون بدوس كرامة الأبرياء وترويع الآمنين، ليستبيحوا حرمة البيوت، فتقاضيهم عند الملِكِ الديان، يوم ينادى في الخلائق: لمنِ الملك اليوم؟ وكأن لسان حال البيوت يقول: لمَ صفدتني أيها المخزن، وحرمتني من احتضان أحبتي وأهلي؟ لم صفّدتني ومنعتني من احتضان مجالس الذكر والقرآن الكريم؟ أما علمت – أيها المخزنُ – أن البيوت كالقلوب تحيى بذكر الله، ورأس الذِّكْرِ كتاب الله؟

زيف الشعارات

إن ملف تصفيد بيوت أعضاء جماعة العدل والإحسان خصوصا، والتضييق الممنهج على أنشطتها وحرمانها من أدوات التواصل مع الشعب بسطا لتصورها، من خلال فتح المقرات وتأسيس الجمعيات وإصدار وسائل إعلام مكتوبة واستغلال الفضاءات العمومية لعقد التظاهرات الفكرية والعلمية عموما صخرة تنهار عليها شعارات دولة الحق والقانون، وتكشف زيف الإصلاح المزعوم. والسؤال هو: ألا يعتبر سلوك السلطات المغربية في حق جماعة العدل والإحسان إرهاب دولة؟ ألا تنتهك الدولة المغربية بهذه الخروقات المواثيق الدولية الحامية لحقوق الأفراد والجماعات؟ والحالة هذه، كيف تفسر سلبية القضاء الذي فضل الهروب إلى الأمام بعبارة “عدم الاختصاص”؟ أليس القضاء هو ملاذ كل ذي مظلمة كيفما كان مصدرها فردا أو إدارة أو دولة؟ ثم كيف صمتت وزارة العدل ومجلس حقوق الانسان وهيئات حقوقية – إلا ما ندر– عن خرق سافر كهذا لحق الناس في بيوتهم وتشريدهم؟ وما مصداقية الإدارة – الولاية الأمنية، وولاية وجدة – التي يتوارى مسؤولوها وراء الأبواب الحديدية أو حواجز الأجهزة الأمنية ويرفضون استقبال مواطن أعزل إلا من قضيته؟ أم إن المخزن حدد للحقوق معيارا خاصا يربط ممارستها بالولاء والخنوع والاستسلام له؟ وعليه، فمن عادى المخزن ونازعه آذنه بحرب لا أخلاق ولا ضوابط لها، يبيح لنفسه النزّاعة للاستبداد استعمال كل الوسائل، إذا لم تسعفه قوانينه تنكر لها، وأطلق العنان لأجهزته تستبيح الحرمات وتدوس الكرامة الآدمية للمعارضين.

عود على بدء

بعد ست سنوات من تعسف ولامسؤولية الإدارة المغربية، يطفو ملف تصفيد بيتي الأستاذين: محمد عبادي بوجدة ولحسن عطواني ببوعرفة، ويطرح من جديد على نظر القضاء، ليس إنصافا للمتضرريْن وتمكينهما من استعادة “حرية” بيتيهما السليبين، بل بتعويضهما عما نجم من ضرر معنوي ومادي جراء تشريدهما وذويهما، فبيت الأستاذ محمد عبادي لم يصفد فحسب، فقد تعرض للنهب – وهو تحت الحراسة الأمنية – لتكتمل عناصر الاعتداء: انتهاك لحرمة بيت، تشريد أهله، نهب ما خف حمله، وإتلاف ما تعذر نقله في عملية قمة في الاستفزاز.

القضاء اليوم – موضوع الحوار الوطني لإصلاحه وتأهيله– على المحك، وأمام اختبار حقيقي لقياس مدى استقلاليته ونزاهته، ليقول كلمته ويتحمل مسؤوليته، أو ليواصل لعبة الهروب من جديد إلى الأمام رافعا شعار: “عـدم الاختصاص”.

خلاصة

إن استمرار جريمة تصفيد البيوت رغم تعاقب حكومات وتعديل دستور وإحداث هيئات حقوقية دليل قاطع على احتكار المخزن للسلطة ومصادرته لاختصاصات وسلط الأجهزة المكونة للدولة. فلا برلمان، ولا حكومة، ولا قضاء، ولا هيئات أو مجالس مختلفة؛ الكل أشباح وهياكل لا روح فيها، بل هي أدوات لتكريس الاستبداد وشرعنته، ليس إلا. وسيبقى هذا الحصار– ما لم يرفع– شاهدا على بطلان الشعارات المزيفة من قبيل: دولة الحق والقانون، حقوق الإنسان، العهد الجديد، الإصلاح في ظل الاستقرار… إلى غير ذلك من الشعارات التي لا علاقة لها بأرض الواقع) 1 .


[1] من حوار موقع الجماعة مع الأستاذ محمد عبادي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، عن وضعية بيته الأسير بوجدة. بتاريخ: الجمعة 25 ماي/أيار 2012.\