مرت سنة على وفاة الشهيد كمال عماري، أحد الذين امتدت إليهم أيادي القمع الظالمة في عز الحراك المغربي، الذي عبر من خلاله الشعب عن رغبته في إسقاط الفساد والاستبداد.

ففي يوم 29 ماي 2011، شارك الشهيد كمال عماري في مسيرة سلمية لحركة 20 فبراير بمدينة آسفي، عرفت تدخلا وحشيا لقوات الأمن، وفيما بين الساعة الخامسة والسادسة مساء نفس اليوم، تقدم نحو الشهيد عناصر من رجال الأمن ستة منهم من القوات العمومية وعناصر التدخل السريع، واثنان من الدراجات النارية الخاصة بما يعرف بفئة الصقور، توجهوا إليه بالسؤال حول سبب تواجده في عين المكان وهل يشارك المتظاهرين، وحين أجاب ب”نعم”، انهالوا عليه بالضرب على جميع أنحاء جسمه: رأسه، وصدره، وظهره، ورجليه، ويديه اللتين ظل يحتمي بهما من “الزرواطة” ورفس الأرجل، لحوالي 7 دقائق، حسب ما رواه الشهيد لعائلته وأكده بعد ذلك شهود عيان لجمعيات حقوقية. وفور تعرضه للضرب قدمت له الإسعافات الأولية من طرف بعض الجيران، وأخذته عائلته إلى المستشفى، لكن عند اقترابهم، تؤكد العائلة، وجدوه محاصرا من طرف رجال الأمن، وخوفا من الاعتقال، أرجعوا الشهيد إلى المنزل ليعرض على طبيب خاص وصف له بعض الأدوية. وفي صباح يوم الخميس 2 يونيو 2011 دخل الشهيد في غيبوبة، فحملته العائلة إلى المستعجلات بمستشفى محمد الخامس بآسفي، حيث توفي بعد 6 ساعات رغم العناية المركزة.

وفي الوقت الذي تم إقبار التقرير الكامل للأطباء الشرعيين، الذين قاموا بتشريح جثة الشهيد، والذي لم تتوصل به عائلته إلى يومنا هذا، صدر بيان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي ليبرر وفاة الشهيد باعتلال رئوي واسع مع فقدان للأكسجين)، وهو مبرر مشبوه خاصة أنه سبقته قصاصة وكالة الأنباء الرسمية التي لم تحترم المعالجة المهنية الموضوعية، حيث تم استباق نتائج التقرير الطبي الموكول له رسميا تحديد أسباب الوفاة. كما كذبت عائلة الشهيد ما جاء في بيان الوكيل العام للملك، حيث أكدت أنه كان في صحة جيدة حتى يوم الاعتداء عليه، ولم يكن يعاني من أي مرض صدري أو رئوي أو اعتلال أو غيره، وكان يمارس عمله بانتظام في الحراسة، وهي المهنة التي تتطلب سلامة بدنية، انطلاقا من المواصفات والمعايير التي يتطلبها الولوج إلى مثل هذه الوظائف. يضاف إلى كل ذلك معاينة الجثة بمستودع الأموات، الملحق بمستشفى محمد الخامس، من قبل فريق التقصي الذي أوفده كل من المرصد المغربي للحريات العامة) والوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان)، والذي أكد وجود الكدمات والجروح وآثار الضرب على مختلف أعضاء الجسم، وخاصة على الظهر والرأس والرجل.

وبذلك يتأكد أن الضرب والاعتداء العنيف غير المبرر الذي تعرض له الشهيد كمال عماري على أيدي قوات الأمن في ذلك اليوم الاحتجاجي، هو السبب المباشر في التدهور الذي عرفته حالته الصحية، والذي أدى إلى وفاته، وهو ما يجعل المسؤولية المباشرة تقع على المؤسسة الأمنية إقليميا ووطنيا في كشف الحقيقة الكاملة وتقديم الجناة للمحاكمة العادلة، عملا بمبدأ عدم الإفلات من العقاب. كما يتحمل القضاء كامل المسؤولية في تجميد هذا الملف وعدم الجدية في فتح تحقيق مستقل من أجل محاكمة المعتدين الذين تطاولوا على حياة مواطن بريء، ذنبه أنه خرج للدفاع عن حقه في الكرامة والحرية والعيش الكريم بطريقة سلمية حضارية.

لقد كان حلم الشاب كمال عماري، كما باقي شباب المغرب، أن يرى بلده يستدفئ بشمس الحرية والكرامة التي انطلقت أشعتها مع الربيع العربي، لكن يد الاستبداد الغادرة لم تكتف بخنق حلمه وإجهاضه بل خنقت أنفاسه هو وأردته جثة هامدة. جثة ستبقى شاهدة على مر التاريخ على فظاعة الجرائم التي ارتكبتها، وما تزال، الآلة المخزنية القمعية العنيفة، وسكتت عنها، وما تزال، المؤسسات القضائية والحقوقية الرسمية في تواطئ مكشوف ضد مواطنين عزل، ذنبهم أنهم يطالبون بكرامتهم الإنسانية وأمنهم المعيشي وحقهم المسلوب.

إن التماطل في إنصاف الشهيد وعائلته المكلومة، دليل آخر على أن رياح التغيير لم تهب بعد على المغرب، وأن زمن الاستبداد مازال قائما مهما غير مساحيقه الزائفة. فما دام هناك أبرياء يموتون عن سابق إصرار وترصد على يد قوى القمع الباطشة، وما دام هناك إقبار عن سابق إصرار وترصد لمعالجة ملفاتهم بمقتضيات الحق والقانون، فستظل أرواح الشهداء، الأحياء عند ربهم، تفضح كذب ونفاق شعارات الإصلاح.