بسم الله الرحمن الرحيم

الرباط في: 31/05/2012

يقول الله عز و جل في محكم تنزيله: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ. إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة الأنعام الآية 135.

إن هيئة الدفاع المنتصبة في ملف الشهيد كمال عماري رحمه الله، إذ تستحضر تصريحها الأول الذي وجهته للرأي العام الحقوقي والسياسي والمدني، الوطني والدولي من خلال ندوتها الصحفية المنظمة بتاريخ 22/11/2011، والذي عرضت فيه تطورات القضية وملابساتها، وعبرت عن انشغالها وقلقها على المسار الذي تعرفه، وكذا عن ما كانت تنوي القيام به من إجراءات وتحركات بهذا الخصوص.

وبناء على التطورات التي عرفتها القضية والمتمثلة أساسا في الأمر بإجراء تحقيق الذي أصدره الوكيل العام للملك، والذي أحال ملف القضية على السيد قاضي التحقيق بالمحكمة نفسها، ملتمسا إجراء تحقيق ضد مجهول من أجل تهم العنف العمدي المؤدي للوفاة دون نية القتل، والعنف العمدي).

وبناء على كون السيد قاضي التحقيق استمع لعائلة الضحية وكذا لبعض شهود القضية في جلستي 16/02/2012، و10/05/2012، كما قرر استدعاء شهود آخرين لجلسة 27/08/2012.

ورغم أن هيئة الدفاع أعلنت في ندوتها السابقة اتجاه نيتها نحو تقديم شكاية مباشرة في النازلة، وسلكت فعليا بعض الإجراءات التحضيرية لتجهيز الشكاية بتشكيل فريق العمل والاستماع للشهود وتهييء الملف، لكنها بعد مبادرة السيد الوكيل العام، اختارت الانخراط في ملف التحقيق المفتوح والتفاعل معه بايجابية. وذكرت، عبر بلاغها الصادر بتاريخ 14/02/2012، من جهة بموقفها الراسخ بخصوص كشف الحقيقة عن ظروف وفاة المرحوم، وتقرير المسؤوليات الفردية والجماعية بهذا الخصوص مع معاقبة كل المتورطين بعد محاكمة علنية توفر جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وتعويض المتضررين من هذه الجريمة بما يجبر الضرر الذي لحقهم). كما ذكرت من جهة أخرى أنها تعتبر أن الجناة الذين اعتدوا على المرحوم كمال عماري ارتكبوا “جناية التعذيب” نظرا لكون الاعتداء تم بعد تفريق التظاهرة السلمية، واستهدفوه شخصيا عن طريق العنف والإيذاء وبالغوا في الاعتداء عليه بوحشية وبدون أي تحفظ). كما عبرت هيئة الدفاع عن قلقها من أن يكون إحالة الملف على التحقيق على حالته وضد مجهول مجرد محاولة للتخلص من المسؤولية الجنائية والمدنية للدولة ولأجهزتها الأمنية).

وقد سجلت هيئة الدفاع انتصابها بشكل رسمي في الملف نيابة عن بعض ذوي حقوق الشهيد كمال عماري، وأدت الرسم القضائي المفروض، وطلبت من أفراد العائلة الحضور أمام قاضي التحقيق رغم عدم توصلهم بأي استدعاء.

لكنها لاحظت للأسف، أن الملف يعرف مسارا غير طبيعي، عبر عدة تفاصيل يمنعنا الالتزام بسرية التحقيق من كشفها، وخصوصا بالنظر إلى أن السيد قاضي التحقيق يصر على حرمان هيئة الدفاع من حقها في الاطلاع الكامل على ملف التحقيق وتسلم نسخ من وثائق القضية ومحاضر البحث المنجز من طرف الشرطة القضائية.

وإذا كانت هيئة الدفاع تؤكد على موقف جميع ممارسي مهنة المحاماة ممثلين في شخص جمعية هيئات المحامين بالمغرب) الذي يعتبر موقف بعض قضاة التحقيق بخصوص هذه النقطة يفتقد لأي أساس قانوني ويضيق على حقوق الدفاع، فإن موقف السيد قاضي التحقيق المكلف بالملف أكثر غرابة لاعتبار أن قسم قضاء التحقيق بمحكمة الاستئناف بآسفي درج على السماح لمحاميي الأطراف بتصوير الوثائق والمساطر بشكل عادي في جميع الملفات، مما يجعل موقفه بخصوص هذا الملف بالذات لا يستند إلى قراءة ما للقانون المسطري، وإنما يؤكد أن الملف لا يخضع للقواعد العادية للقانون.

كما أن موقف السيد قاضي التحقيق المستكمل لموقف النيابة العامة بخصوص عدم تسليم نسخة من تقرير التشريح الطبي لعائلة المرحوم ودفاعها لا يجد له أي مبرر أو أساس قانوني، ويحرم المعنيين والرأي العام من تفاصيل هذا التقرير الذي انفرد السيد الوكيل العام بإعلان خلاصاته المبتورة.

ينضاف إلى كل ذلك الموقف الأكثر غرابة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي أعلن تشكيل فريق لتقصي الحقائق مباشرة بعد وفاة المرحوم كمال عماري وأعد تقريرا مفصلا شمل واقعة الوفاة وكذا وقائع الاعتداءات التي استهدفت العديد من مناضلي الحركات الاحتجاجية، وأنفق أموالا عامة من أجل ذلك، لكنه لم يقم بإشهار ونشر تقريره، ورفض الاستجابة للطلب الرسمي الذي وجهته عائلة الضحية عبر دفاعها، خارقا بذلك القانون المؤسس له خصوصا الفصل الرابع الذي يلزم المجلس بإخبار الأطراف المعنية بالتوضيحات اللازمة.

إننا نسجل كذلك أن مجرد إجراء المتابعة وإن ضد مجهولين، وبناء على أوصاف مخففة، يعتبر في حاصل القول، إقرار من الدولة بمسؤوليتها عن واقعة الاعتداء الذي كان سبب وفاة المرحوم، وهذا الإقرار هو مكتسب لذوي حقوق الضحية وللأحرار في هذا البلد يتعين أن تستتبعه اعتذار من الدولة وسلطاتها الأمنية مع اتخاذ جميع التدابير التي من شأنها ضمان عدم تكرار هذه المأساة. نؤكد ذلك كله خصوصا في سياق يعرف تفاقما حادا لاستعمال العنف في قمع الاحتجاجات السلمية.

ولا زال الرأي العام المحلي والوطني وكذا الحركة الحقوقية في المغرب مصرا في المطالبة بالكشف عن الحقيقة بخصوص وقائع ذلك الأحد الأسود الذي تسلط فيه القمع على أجساد المحتجين السلميين في عدة مدن بالمغرب بشكل يوضح أن الأمر لا يتعلق بمجرد خطأ أو تصرف فردي من عناصر معزولة من القوة العمومية تعرضت لضغط زائد بعد عدة شهور من التجند والاستنفارـ

إن هذا التفسير الذي يحاول الالتفاف على مسؤولية الدولة في أعلى هرم مؤسساتها المركزية، لن يقنع أبدا ذوي حقوق الضحية وعائلته المدنية والسياسية وجميع أحرار المغرب، كما لن يفلح في إقناع الحركة الحقوقية الوطنية و الدولية.

إننا اليوم، بعد مرور سنة كاملة على وفاة المرحوم كمال عماري، بعد الاعتداء الشنيع الذي تعرض له لمجرد كونه اختار التعبير السلمي عن مناهضته للظلم والفساد والاستبداد، نعتبر أن السلطات المغربية، الأمنية والقضائية، لا زالت لا تتعامل بالجدية والتجرد اللازمين مع الملف، ونعتبر أن تعثر البحث وتمطيطه هو شكل من أشكال توفير الإفلات من العقاب للفاعلين المباشرين وغير المباشرين.

إن عائلة الضحية وأصدقاءه والمتضامنين معهم متشبثون بمطالبتهم بكشف الحقيقة عن ظروف وفاة المرحوم، وتقرير المسؤوليات الفردية والجماعية بهذا الخصوص مع معاقبة كل المتورطين بعد محاكمة علنية توفر جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وتعويض المتضررين من هذه الجريمة بما يجبر الضرر الذي لحقهم.

لكل ذلك فإن هيئة الدفاع تؤكد أن متابعتها لإجراءات ملف التحقيق يتم في سياق هذه المطالب وتنتظر من السلطات القضائية المعنية التعامل بجدية وتجرد مع الملف وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة والإنصاف للضحية، كما تصرح أن خيار اللجوء للمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان لا زال اختيارا مطروحا، في إطار الالتزامات الدولية للدولة المغربية والاتفاقيات والعهود التي صادق عليها بهذا الخصوص.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.