إلى غير ما تهتدي إليه النفوس السليمة والعقول الرزينة في المحن والظروف العصيبة، اهتدى النظام المغربي إلى جبر المغاربة قاطبة على تعايش موجوع مع أنغام بائسة لمهرجان موازين، في ظرف أوجعت مصائبه المتوالية والمتزامنة قلوب كل المغاربة والغيورين على هذا الوطن.

المهرجان يفضح موازين القوى الحقيقية

أصر مالكو القرار وواضعو السياسات العامة بالمغرب، ودون إعمال منهجي بمقتضيات الدستور المزعوم، على تنظيم مهرجان موازين رغم موجة الاحتجاجات العارمة، الرافضة له والتي اخترقت أصدائها قبة البرلمان أملا في ردة فعل حكومة العهد الجديد، والتي تجاوبت بدورها مع صوت الشعب المغربي باحتجاج شفوي بسيط، يخفي وراءه سلبية الحكومة وقصورها في إيقاف نوطة الموسيقى الصاخبة، التي يروضها (مايسترو) استطاع بفنون إيحاءاته تنويم المغاربة الحالمين بالتغيير على سرير إنعاش الحكومة الجديدة. بل وفاجأ رئيس الحكومة المغاربة الذين راهنوا على حكومة نصف ملتحية، بتصريحاته الغريبة والمتناقضة حيال تنظيم موازين، حيث قال: إن هذا المهرجان له جمهوره، يتابعه ويحضره بالآلاف، كما أن هناك آلاف آخرين من المواطنين غير متفقين على انعقاد هذا المهرجان، وهذا هو واقع التنوع بالمغرب، إذ لكل وجهة نظره، وله الحرية في التعبير عنها بمسؤولية). كلام رئيس الحكومة المرحب بالمهرجانات وتبذير الأموال ينم عن شيء واحد، هو تبرير عجز سلطة الحكومة التنفيذية أمام سلطة أخرى نافذة.

دماء وقتلى على إيقاعات العالم

إضافة إلى حالة الاحتقان الاجتماعي التي يشهدها المغرب والتصعيد الخطير الذي يعرفه ملف المعطلين والذي ووجه بلغة القمع سليلة العهود الغابرة، وحالة الانفلات الأمني اللامسبوق، وعشرات المظاهرات اليومية التي تطالب بحقها في الإنصاف والعيش الكريم، شهد المغرب في أواخر شهر ماي المنصرم، وتزامنا مع موعد تنظيم مهرجان موازين، عدة كوارث اهتز لمصابها الضمير المغربي. حيث عرفت المدينة القديمة بالدار البيضاء في ليلة الأربعاء 16 ماي انهيار ثلاث منازل، أدى لسقوط سبع ضحايا، ستة منهم من أسرة واحدة. وقد خلف الحادث استياء كبيرا لدى ساكنة المدينة القديمة وكل الأحياء المماثلة، الآيلة منازلها للسقوط، والتي تقدر ب 360 ألف منزل يعد بمثابة قنبلة موقوتة.

وقبل أن يستفيق المغاربة من صدمة الفاجعة، عرفت منطقة بنجرير حادثا مروعا يوم الاثنين 21 ماي حيث اصطدم قطار بحافلة للنقل المدرسي في نقطة عبور أهملتها الجهات المسؤولة، مما أدى إلى مقتل أربعة أطفال وجرح 16 آخرين، جروحهم متفاوتة الخطورة.

رقص وحداد

ما نستهجنه جميعا، ليست الدوافع الخفية والملحة وراء تنظيم مهرجان أبدع المغاربة في دحض حجة تنظيمه، ولا الميزانيات الضخمة المرصودة لأجانب يتقنون بيع الأحلام والأوهام على إيقاعات موسيقية لجمهور مغربي منهك مثخن بالمصائب والهموم… لا، فما موازين 2012 إلا امتداد لمهرجان الفساد والاستبداد الذي ظن المغاربة أن الربيع المغربي قد قطع مع عهده بدستور وانتخابات مسرحية. بل استنكارنا، أن يوارى الثرى مواطنون قضوا نحبهم على إيقاعات الموسيقا الصاخبة والرقص في الشوارع والهرج الفاحش، عوض التضامن المعنوي مع أهالي الضحايا واحترام مشاعرهم وتقديم التعازي لهم وإعلان حالة حداد رسمية، لتحمل الدولة المغربية مسؤوليتها كاملة في مصابهم، لما خذلتهم أعين السلطات والحكومة المغربية بالتهميش والتقصير واللامبالاة.