انطلق الربيع العربي من تونس الخضراء، جراء وفاة الطالب المجاز البوعزيزي، فتحركت الجماهير الشعبية التونسية مطالبة بحقوقها الاجتماعية، التي تم الإجهاز عليها من طرف النظام التسلطي الاستبدادي -البنعلي-. وبعد فترة قصيرة من الحراك الشعبي، الذي تم فيه تحدي هاجس الخوف والقمع اللذين خيما لمدة زادت على ثلاثة عقود ونيف من الزمن، أصبح الثوار يطالبون فيها برحيل كل رموز الفساد والاستبداد، وعلى رأسهم رئيس الدولة آنذاك، فتأتى لهم ذلك بفضل إرادة الشعب التواق إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فكان يوم 14 يناير 2011، ميلاد فجر الحرية، الذي انتظره الشعب التونسي سنوات ذوات العدد.

وغير بعيد عن تونس الحرة، تحرك أبناء الشعب المصري الأبي، في ثورة شبابية كان مسرحها ميدان التحرير، مطالبين بما اندرس من حقوقهم الاجتماعية والسياسية، ومن ثمت التحق بركب هذه الثورة المباركة، جل شرائح المجتمع المصري- من علماء ومثقفين وغيرهم- فكان التحاق هؤلاء ومن سار في دربهم حصنا أمينا للثورة. وفي مقابل هذا تحركت الآلية – المباركية – في خطوة غير مسبوقة لامتصاص غضب الشعب المقهور، فوعد مبارك الجماهير الشعبية الثائرة، بالقيام بإصلاحات مهمة على حد تعبيره. لكن موقعة الجمل الشهيرة التي راح ضحيتها عدد من الثوار قلبت الموازين، فازداد سقف المطالب الشعبية، والتي أدت إلى الإطاحة بمبارك يوم 11 فبراير 2011. وبهذا الحدث العظيم تكون مصر وأبناؤها ثاني قطر يتحرر من ربقة العبودية ليتنعم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، التي كانت على رأس هرم مطالب الثورة.

فبتحرر تونس ومصر استيقظت الجماهير العربية والإسلامية من سباتها العميق، الذي استمر لسنوات عجاف، ساهم فيه الاستبداد والفساد من جهة، وإبعاد الأمة عن هويتها وأصالتها من جهة أخرى، لتستسلم هذه الأخيرة لذلك الواقع المفروض عليها. لكن هذه العوامل وغيرها لم تمنع الشرفاء والأحرار، من الانقلاب على هذا الواقع المفروض، وبهذا خرج أحرار ليبيا في 17 فبراير، وطلائع المغرب في 20 فبراير، وتحركت أقطار وبلدان أخرى قبل وبعد هذا التاريخ.

لكن الملفت للنظر أن جل هذه الثورات المباركات، سواء منها التي أطاحت برموز الفساد والاستبداد، أو التي ما تزال مصرة على إبعاد الجبابرة والطواغيت، كان شعارها السلمية وعدم اللجوء إلى العنف، باستثناء الثورة الليبية التي أريد لها أن تدخل المسار المسلح الذي فرضه النظام العسكري الليبي في شخص ذلك العقيد المجنون، الذي سلح أتباعه من أجل إجهاض الثورة في مهدها، لكن السحر انقلب على الساحر، فألقي القبض عليه في مكان تتربص فيه الجرذان، وليلقى حتف أنفه على أيدي من نعتهم بالجرذان أيام انطلاق الثورة، وبهذا يكون يوم 20 أكتوبر 2011 أول يوم للحرية بليبيا الصامدة، وثالث يوم يسقط فيه ثالث دكتاتور.

لكن بعد هذه الدروس الثلاثة، هل سيستفيد أبناء جلدتنا المتربعين على الكراسي ظلما وعدوانا؟ أم سيستمر القمع والاعتقال، عوض الاستجابة لمطالب الثوار، وبالتالي يكون المصير، مصير بنعلي ومن بعده لا محالة، لأن الثوار أيقنوا أن إرادة الشعوب المناضلة والتواقة إلى الحرية فوق كل المقولات والشعارات، التي طالما تحصن بها المستبدون طيلة حكمهم.