خاض الشعب المصري يومي 23/24 من هذا الشهر الجولة الأولى من الانتخابات على منصب الرئاسة في أول انتخابات حرة، بعد أن أسقطت ثورة 25 يناير واحدة من أعتى الديكتاتوريات في العالم العربي، التي جثمت على صدر الشعب المصري لأكثر من ثلاثة عقود، وقد سجل أغلب المتابعين للانتخابات في مصر، وقبل الإعلان الرسمي عن النتائج من قبل اللجنة العليا للانتخابات ملاحظتين بارزتين:

1- تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية

حسب النتائج الرسمية التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات اليوم بشكل مفاجئ، فإن 22,856,708 ناخبا شاركوا في الانتخابات من إجمالي عدد الناخبين البالغ 50,524,993 ناخبا أي بنسبة 46,42%). وهي نسبة متدنية مقارنة مع نسبة المشاركة في انتخابات مجلس الشعب التي تعدت 70 في المائة، ورغم أن أغلب الباحثين السياسيين يرون أن ذلك أمرا عاديا ويسجلون أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية والمحلية عادة ما تكون أعلى من الانتخابات الرئاسية، خاصة في ديمقراطية انتقالية ناشئة تتلمس خطواتها الأولى في دولة كمصر، إذ ومقارنة مع نسبة المشاركة في الديمقراطيات العريقة فالأمر يبدو مقبولا، فمثلا نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة (2008) بلغت 57.5% وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة (2009) 75.52% في إيران، لكن وضع مصر الخارجة من ثورة تاريخية، والتي تعيش مرحلة انتقالية لم تطح بعد بالنظام المخلوع وفلوله بشكل نهائي، يطرح أكثر من سؤال ويجعل المتابع أمام مجموعة من الاحتمالات لمحاولة فهم هذا التدني الملحوظ في نسبة المشاركة، الذي ينتظر أن يعرف ارتفاعا في جولة الإعادة:

1- تراجع روح التعبئة والتحفز التي جاءت بها الثورة، وعودة الشعب إلى حالة اللامبالاة السائدة سابقا وتسرب الملل إلى نفوس المواطنين والدخول في دوامة الروتين بسبب عدم توحد قوى الثورة وتصارعها وعدم وجود تغيير على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وبسبب طول مدة التجاذبات السياسية.

2- تشتت الولاءات وتوزع الكتلة الناخبة بين مرشحين من نفس المرجعية وبنفس الأهداف أربك المصوتين وقد يكون جعل بعضهم يحجم عن التصويت.

3- إنهاك آلة التعبئة والدعاية للإخوان والتيار الإسلامي عموما، واستنزافها في معارك جانبية متعددة وقضايا كثيرة.

2- تقدم أحمد شفيق وعودة الفلول

شكلت العودة القوية لأحمد شفيق، رجل النظام السابق والمرشح المفترض للمؤسسة العسكرية، باحتلاله المرتبة الثانية –دائما حسب النتائج الأولية- مفاجأة من العيار الثقيل تصل إلى درجة الصدمة، مما طرح أكثر من سؤال عن إمكانية حدوث ارتداد داخل المجتمع، ونكوص على مكتسبات وقيم الثورة، ويطرح أكثر من احتمال:

1- نجاح الفلول في تنظيم أنفسهم وترتيب أنصار الحزب الوطني لأوراقهم وتجميع صفوفهم، ولا يخفى ما كان لهم من قوة على التعبئة والحضور، وارتباط بمصالح لوبيات مع دعم غير معلن لحكومة الجنزوري والمجلس العسكري، فشفيق اكتسب قوته من دعم الجهاز الإداري للدولة الذي مازال قائما بآلياته، بجانب قدامى العسكريين) حسب رأي الدكتور رفعت سيد أحمد، أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الدراسات العربية.

2- بدون شك أن وجود شفيق في الجولة الثانية دليل على حدوث شراء للأصوات، وعلى حصوله على دعم خفي من الجيش، واحتمال التزوير بأساليب مبتكرة أمر وارد.

3- شعور الناس بعدم حدوث تغيير بسبب تمطيط مدد التغييرات في هذه الفترة الانتقالية، والبحث عن الأمان الموهوم على يد المؤسسة العسكرية التي تعطي الانطباع بأنها أقوى مؤسسة في مصر والرهان على مرشحها المفترض، فالمحلل السياسي، فريد زهران يرى أن “جزء كبيرا من الداعين إلى الاستقرار، والذين يطلبون الأمن ويشعرون أن شفيق سيلبي احتياجاتهم في هذا المجال، أعطوه صوتهم، وهي كتلة كبيرة تمثل فئات التجار والعاملين في السياحة ورجال الأعمال والموظفين وغيرهم”

4- نجاح الإعلام المصري في التخويف من هيمنة الإسلاميين على الحياة السياسية، وخاصة الأقباط، وهو ما يفسر تصويت نسبة كبيرة من الأقباط لشفيق في مناطق الصعيد، لأسباب سياسية ودينية في ظل فراغ في التوجيه السياسي خلفته وفاة البابا شنودة.

خلاصات

يرى كثيرون إن المستقبل قد يحمل مفاجآت لم تكن في الحسبان، في حال لم تغلب القوى الديمقراطية والثورية الوطنية المصلحة العامة وتخرج من الحسابات الحزبية الضيقة، وإذا فشلت في توحيد صفوفها أو امتنعت عن المشاركة في التصويت ضدا في جماعة الإخوان المسلمين -التي تحاول الهيمنة على مقاليد الحكم- حسب ادعاءات المعارضين، فإنها ستفسح المجال لعودة النظام السابق. إذ أنه في اعتقاد كثيرين أن العسكر هو الذي يمكنه ردع التيار الديني في إطار لعبة “توازن الرعب”. وعليه فإنه على قوى الثورة القيام بمراجعة سريعة وعميقة وحاسمة قبل انتخابات الدور الثاني باستحضار الملاحظات التالية:

1– تغليب الوطني على الحزبي، خاصة أن قوى الثورة أعطت الأولوية للمكاسب السياسية والحزبية وتحصين وجودها، على حساب العمل على تفتيت وتفكيك بنية الديكتاتورية.

2– ضرورة تمييز الإسلاميين بين الانتماء إلى الأمة والانتماء إلى التنظيم، الذي قد ينتج تعارضا في مرحلة من المراحل وينبغي التعامل معه بمرونة كبرى وفق رؤية مستقبلية.

3- إعادة شحذ ماكينة التعبئة التنظيمية لقوى الثورة، لإعادة زخم الثورة إلى الشارع.

4- تدارك الأخطاء الإعلامية، وتبديد الشعور بمحاولة الهيمنة وأسلمة الشارع.التي يروجها خصوم الإسلاميين وأعداء الثورة على نطاق واسع.

5- التوافق على برنامج يوحد كل الأطراف وإعطاء أكبر قدر من الضمانات بعد أن تعذر التوافق على مرشح مستقل في مرحلة سابقة.

6- تجنب الاعتماد على قوة الشارع والجماهيرية الشعبية، مع استحضار التوافقات والتوازنات السياسية الكيفية لا الكمية.