كشفت كارثة انهيار المبنى السكني في المدينة القديمة للدار البيضاء، والذي خلف ضحايا، عن مدى الرفض الشعبي للإعلام الرسمي، حيث رفضت ساكنة المدينة السماح لقناة رسمية بتصوير مشاهد الكارثة، تزامنا مع رفضها لزيارة وزير الداخلية، وهي رسالة تحمل أكثر من دلالة فإعلام السلطة الذي أضحى بوق دعاية للأنشطة الرسمية، لا يليق به أن يرتبط بواقع الشعب ومعاناته اليومية.

ونتيجة غياب الثقة لدى الرأي العام في القنوات الرسمية، أضحى الإعلام الشعبي من خلال اعتماده على الوسائط الإعلامية الحديثة منافسا شرسا للإعلام الرسمي الموجه، وقد تحققت طفرة هذا الإعلام بفضل الربيع العربي، الذي رفع القيود عن الحرية وكسر احتكار المعلومة من طرف السلطة، مستوعبا تعدد الرؤى والمواضيع التي تهم المجتمع.

حيث برهن الربيع العربي عدم قدرة إعلام السلطة ومن يدور في فلكها عن مواكبة نبض الشارع وحركته، بل اضطر تحت قيود الرقابة المفروضة عليه أن يبقى في آخر الركب، تاركا الفرصة لوسائط التواصل الاجتماعي أن تخترق حاجز الصمت وجدار الخوف لفك قيود الشعوب.

وتمكن الإعلام الإلكتروني بالمغرب بوسائطه المتعددة، أمام قنوات رسمية وصحف ورقية شاخت في حضن المخزن، أن يكون وسيلة للضغط على السلطة الرسمية، وأن يؤطر الجماهير وأساسا لقلب موازين القوى باعتباره أداة حقيقية مساهمة في التغيير وتعبئة الشعب. حيث ساهم في خلق حراك شعبي أزعج دعاة الإصلاح في ظل الاستقرار الموهوم. فقد نددت الحكومة مثلا في ظل تعتيم إعلامي رسمي بما تنقله المواقع الإلكترونية من أخبار ميدانية عن حجم الانتهاكات في حقوق الإنسان التي صحبت التدخل المخزني في مدينة تازة وبني بوعياش وغيرها، وهو ما أكدته الجمعيات الحقوقية في تقاريرها الرسمية، وهنا لا يمكن أن ننفي وجود مواقع إلكترونية تروج لأخبار زائفة لكنها نشاز أمام صحافة تساير وقائع المجتمع، فهي رغبة حقيقية إذن تراود صناع القرار لتلجيم هذه السلطة المستقلة التي تؤرق بال المخزن.

وأكد هذا الأمر مسارعة السلطة في البحث عن قوانين مناسبة لتقنين هذا المارد الإعلامي الجديد ففي ظل غياب قدرة لدى المخزن لضبط هذا الفضاء الافتراضي، أصبح الأمر متوقفا على ابتكار قوانين وتشريعات تحد من حرية المعلومة وتداولها.

لكن كيف بحكومة لم تستطع أن تلزم “بدفتر” تحملات، قناة إعلامية رسمية، أن تقنن صحافة إلكترونية متحررة من قيود الرقابة الرسمية، وتعمل في مجال افتراضي لا محدود ولا مجال لضبطه.

إن الأمر متوقف حاليا على تنظيم هذا الحقل الإعلامي من طرف العاملين فيه مع ضرورة الدفاع عن حرية التعبير وتداول المعلومة، خصوصا أمام الهجمة الشرسة التي استهدفت الأقلام الحرة العاملة بهذا المجال.

لاشك أن الإعلام المخزني عمل منذ نشأته على تضليل وإلهاء الشعب بالبرامج الهابطة والمسلسلات المنحطة وتزييف الأخبار وفبركتها وممارسة التعتيم، وما مسيرة 25 مارس المليونية التضامنية مع القدس بالعاصمة الرباط التي غاب ذكرها في الإعلام الرسمي إلا خير شاهد على ذلك، فقد فهم المخزن المغربي دور الإعلام في توجيه الشعب والتحكم في تفكيره ومحاولة إخضاعه وترويضه، فسخره لخدمة السلطة وتمجيد الحاكم وتضليل المجتمع، فأفرغ الإعلام من محتواه الحضاري ورسالته الوطنية في تنمية المجتمع، لذلك استمر في العمل وفق المقولة النازية أعطني إعلاما بلا ضمير أعطك شعبا بلا وعي).