خلفت مرحلة حكم الملك الحسن الثاني تركة سياسية ثقيلة، ومنها ملف جماعة العدل والإحسان، حيث إن أسلوب الحصار والتضييق لم يُفِدْ في ترويض الجماعة أو كبح إشعاعها. وإذا كان النظام فيما يسمى بالعهد الجديد حاول التخلص من ملف حصار الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، والذي -الحصار- غدا نقطة سوداء في سيرة النظام الحقوقية، وفي ذات الوقت، وظفه لبعث رسائل حسن نية ومؤشرا على القطع مع عهد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فإنه لم يستسغ انفتاح الجماعة على الشعب من خلال تنظيم أبواب مفتوحة في مختلف مدن المغرب وقراه ومداشره ربيع سنة 2006، تستقبل الوافدين من مختلف فئات الشعب، وتعرض تصورها التغييري وأساليب عملها، فطلع وزير الداخلية -شكيب بنموسى يومذاك- بتصريح مفاده أن الجماعة وضعت نفسها خارج القانون، والتهمة تكثيف الأنشطة، ليكون التصريح إيذانا بحملة واسعة اقتحاما للبيوت وتشميعا لها وسَوقا لأعضاء الجماعة نساء ورجالا شيبا وشبابا بل ورضعا إلى أقسام الشرطة وإلى محاكمات جماعية بتهم واهية: تجمعات غير مرخص لها، الانتماء إلى جماعة محظورة… وكانت الحصيلة أحكام حبسية قاسية بالجملة وغرامات انتقامية تجاوزت في مجموعها الملايير.

وبموازاة ذلك شنت حملة للنيل من الشعبية المتنامية للجماعة في محاولة لتشويه صورتها باتهامها بالخرافية والانتظارية طعنا في مشروعها التغييري، والسعي إلى تخويف الشعب من الالتحاق بالجماعة، أو من مجرد حضور أنشطتها، باستهداف لقاءاتها واقتحام البيوت بأساليب ترهيبية، والزج بأعضائها في محاكمات جماعية. وفي مجموعة من المناطق لجأت السلطات الأمنية أو الإدارية لتشميع بيوت أعضاء الجماعة التي كانت تعقد فيها المجالس: وجدة، الناظور، بوعرفة، بني ملال، تمارة. شمعت السلطات البيوت وطردت أصحابها وتركتهم في العراء في خرق سافر لكل الأعراف والقوانين. وإلى حد الآن ما يزال بيتا بوعرفة ووجدة مشمعين منذ ست سنوات بعد تنكر جميع السلط لواجبها. فالمحكمة قضت بعدم الاختصاص، والسلطة الترابية في شخص ولاية وجدة صرحت أن الملف سياسي يتجاوز صلاحيتها، ووكيل الملك ببوعرفة يتبرأ في رسالة رسمية من أي دور للقضاء في الملف. فكيف يتملص القضاء من مسؤوليته لوقف تعسف السلطة ويغض الطرف عن مأساة أسر تشردت وطردت من بيوتها بإجراءات إدارية تعسفية؟ وأين شعار القيم الكونية والمواثيق الدولية؟

اليوم، وفي ذكرى الحملة التعسفية على الجماعة، تجد السلطات المغربية نفسها في مأزق حقوقي كبير يتنافى مع ما ترفعه من شعارات، يضاف إلى المحاكمات التعسفية والأحكام الثقيلة للصحافيين وأصحاب الرأي ونشطاء الحراك المغربي ولضحايا التهميش الاجتماعي في كثير من المدن خاصة تازة وبني ملال وآسفي والحسيمة وغيرها، إضافة إلى ملف التعذيب في مخافر الشرطة والمخابرات والسجون.

كل هذا يرخي بظلاله ليرسم صورة قاتمة لوضعية حقوق الإنسان في مغرب اليوم، و ليكذب ما يُسوق من أوهام الإصلاح، ويقدم البراهين تترى على غياب نية الإصلاح، ويضاعف من أعداد المقتنعين بألا شيء تغير.