ظاهرة التشرد من المشكلات الكبيرة في المجتمع المغربي، التي تتغذى في نموها وتكاثرها من أحزمة البؤس والظلم والازدراء ببلادنا. والنتيجة جحافل من المشردين المخدَّرين الذين اغتصبت منهم إنسانيتُهم، لَمَّا لم يجدوا بيوتا تأويهم، وحياة زوجية يأمنون فيها على رزقهم. إنسانيةٌ طُرحت في الشارع فتحولت إلى مصدر إزعاج، وما هم إلا الضحية بين يدي الجلاد.

أرقام ناطقة

تقدر منظمات الإغاثة عدد الأطفال بالمغرب الذين لا أسر لهم بـ 6000 رضيع كل عام، أي بمعدل رضيع من كل 50 (2%). وتتحدث تقارير أخرى أن مركز جمعية “بيتي” بمدينة الدار البيضاء يستقبل يوميًّا أطفالاً مشردين من مختلف الفئات والأعمار، قاسمهم المشترك البيئة المتردية والأوضاع المزرية التي عايشوها في منازل أسرهم وذويهم. (من مقدمة حوار لشبكة إيلاف مع د.نجاة أمجيد رئيسة جمعية بيتي الأربعاء7 أبريل2010). ومن جهة أخرى تقدر إحصاءات وزارة التخطيط والتوقعات الاقتصادية بالمغرب عدد المشردين الذين تطلق عليهم اسم الأطفال المتخلى عنهم بنحو 400 ألف طفل.

وقبل هذا التاريخ، وفي كلمة له أمام المجلس العربي للطفولة سنة 2000 ذكر رئيس جمعية حماية الطفولة (المغربية) أن عدد المشردين يبلغ بالمغرب 237000، وتذكر بعض الوثائق الرسمية التي تعترض على هذا الرقم وتصفه بالمبالغ فيه، أن عددهم يصل إلى 140000 طفل بالمغرب. وأغلب هؤلاء من الذكور وتشكل الإناث نسبة ضئيلة لكنها تعرف تزايدا. ومن جهة أخرى تذكر إحدى وثائق الاتحاد النسائي المغربي أن أكثر من 10000 (“أم عازبة”) تخلت عن طفلها بعد الوضع، ويتراكم العدد سنة بعد أخرى.

ومن الأرقام التي تشكل صورة لعذابات الطفولة المغربية، ما توضحه نتائج الدراسات المتخصصة في الموضوع، فمن أصل عينة تتألف من 8000 طفل وجد أحد الباحثين نسبة 46% منهم لم يبلغوا سن السادسة قد تعرضوا لاعتداء جنسي بالعنف، وغالبا ما يكون صادرا عن مشردين بالغين أكبر سنا من الضحايا. واشتكى أكثر من 600 طفل من اغتصابات جنسية متتالية وجماعية أو استغلال جنسي أو اعتداء مادي. وبحسب دراسة ميدانية صادرة عام 2002 عن أطفال الشوارع شملت عينة من (411) طفلا من هؤلاء فإن التسول يأتي في مقدمة الأعمال التي يزاولونها بنسبة 18% يأتي بعدها مسح الأحذية وبيع الأكياس البلاستيكية بـ 15% وغسل السيارات بـ 13% ثم السرقة بـ 6% كما تفيد بعض الأرقام الرسمية الصادرة في العام الماضي بمناسبة الملتقى العربي الإفريقي حول الاستغلال الجنسي للأطفال بأن 23 طفلا مغربيا يتعرضون للاستغلال الجنسي كل شهر.

للظاهرة أسباب

لآفة التشرد أسباب ودوافع، وقبل الخوض في بعضها نشير بداية إلى أنه لا يمكن فصل الظاهرة عن الوضع المتأزم للبلاد. وكل عزل أو نظر أحادي الجانب لهذا الموضوع هو عزل وفصل لما لا ينفصل، ففي مجتمع تتزاحم فيه الآفات وجد التشرد ضالته ومكانه بين الناس، وهذا سبب عام. أما الأسباب الأخرى فيمكن الإشارة إلى:

أ- الفقر

فقد أكدت العديد من الدراسات أن الأطفال الذين يتم إيداعهم في مؤسسات الإيواء، على قدومهم من أسر فقيرة ومفككة ، فالفقر أخ التشرد، والبطون الجائعة والأجسام المريضة والعقول الفارغة لن تجد طريقا إلا طريق الهيام على وجهها، لا تدري إلى أين تتجه، إلا أن تتداركها رحمة الباري عز وجل.

ب- العنف الأسري

هو الآخر من الرزايا التي أصابت كافة طبقات المجتمع إلا ما رحم ربك. وتناسلت من سلوكياته العديد من المشكلات وعلى رأسها كثرة حالات الطلاق وما يصاحبها من تشرد الأبناء وإصابتهم بشتى الأمراض. وليس المقام أن نفرد هذا الموضوع بالبحث والدراسة والاستخلاص، بقدر ما نشير إلى أن هذه الظاهرة وما يرتبط بها من دوافع اقتصادية ومعيشية سيئة، تولد في الإنسان تفريغ شحنة تلك الضغوط في محيط الأسرة. والضحية أطفال وشباب يتكاثرون من هنا وهناك، ليشكلوا على هامش المجتمع طابورا يحمل صفة التشرد.

ج- ولمحنة حقوق الإنسان نصيب:

وهذه ثالثة الأثافي(رزية طرأت على رزايا)، فإذا كانت حقوق الإنسان في الدول التي تحترم نفسها تعني الكرامة في الشغل والسكن الكريم والتعليم والصحة…. ففي البلاد النامية كالمغرب تعني واجهة تخفي خرقا فظيعا لأدنى حقوق الإنسان. وفي وضعٍ كهذا يجد الإنسان نفسه متسولا عاجزا جائعا متشردا، عاقا لأسرته ووطنه، إذ نسيان الحقوق يورث العقوق.

د- أي دور للمدرسة؟

تقول الأرقام في بعض الدراسات والبحوث المنجزة على هامش امتحانات التخرج وإثبات الأهلية في قطاع التعليم، أن عددا كبيرا من تلاميذنا يتسربون لسبب أو لآخر. وكأن أطفالنا وشبابنا المتمدرس هم مصدر الفشل والتخلف الدراسي. بل الأدهى من ذلك أنَّ من يتم تعليمه سرعان ما ينغمس في وسط أمي فينقلب هو الآخر أميا بعد حين. فأيُّ دور للمدرسة إن لم تكن بلسما يضمد جراحات المجتمع، ومصنعا لتخريج العقول والأدمغة والكفاءات، لا محلا لتفريخ شباب يسلمهم الفشل الدراسي إلى البطالة والتسكع في الشوارع؟

3- هل إلى خروج من سبيل؟

تعطي المقاربة القانونية للموضوع من خلال الفصل 329 من القانون الجنائي المغربي الذي ينص على عقوبة التشرد بوصفها جنحة، تعطي المرجعية لرجال الأمن في حملاتهم التمشيطية التي تحاول وبدون جدوى كف المشكلة ومواجهتها بكل ما أوتيت من جهد وإمكانات.. صواب ذلك لو سبقه وازع القرآن ونزلت موعظة القرآن وتربية القرآن على وضع اجتماعي مستقر، وتغطية صحية، وقوت يومي كافٍ. قال عليه الصلاة والسلام راسما ضرورات المعاش: “من أصبح آمنا في سِرْبِه، معافى في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بِحَذافيرِها” (رواه البخاري). فالبطون الجائعة والمريضة، والمفجوعة في حياتها لن تستجيب لأي نداء مهما كانت قوته أو سموه قبل أن تسمع لنداء الخبز والصحة والشغل والاستقرار.

ومن جانب آخر فالمجتمع، أي مجتمع، لا تبنيه النصوص القانونية فحسب، والتي يراد لها تنظيم الحياة، إنما تبنيه مجموعة من الأمناء الأتقياء والخبراء الأقوياء من رجال الإدارة والأمن والسياسة والاقتصاد والصناع والقضاة والأدباء والمفكرين… يكون الرفق بالضعيف والسهر على راحته دأبهم وسياستهم. روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف على حذيفة وعثمان بن حنيف فقال: كيف فعلتما أما تخافان أن تكونا حَمَّلتما الأرضَ ما لا تُطيق (أي أرهقتما الناس بضرائب). قالا: حمَّلناها أمرا هي له مُطيقَة، وما فيها كبيرُ فضل. فقال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. فقالا: لا، فقال عمر: “لئن سلَّمني الله تعالى لأدعَنَّ أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي”). فمتى إلى ذاك المقام وصول؟؟!!..