تعريف

يعتبر المخزن من بين أدهى وأذكى الأنظمة العربية ليس بقدرته الاستثنائية على تدبير الاختلاف وبناء قوانين ومؤسسات تسمح بالتداول السلمي على السلطة كما يقال، ولكن بقدرته الحربائية على تدجين المعارضين، إما بالعطايا والهدايا والوعود، وإما بالتخويف والاعتقال والتعذيب، حتى ينحاز المعارضون إلى صفه، يقولون بما يقول به ويفعلون ما يأمرهم به، أما من استعصي عن الترويض وأبى الخضوع والخنوع، فله النصيب الوافر من التضييق والحصار، ثم التشويه والافتراء. لكن ذلك لا يزيد دعوة الحق إلا انتصارا وانتشارا.

إن المخزن له قدرة استثنائية على تغيير جلده وجلبابه حسب ما تقتضيه الظروف والمناسبات فيظن الناس أن المخزن تغير وأصبح أحسن من السابق، ليتفاجؤوا في ما بعد أن الذي تغير هو الجلباب، أما صاحب الجلباب، وجوهر الظلم والاستبداد، لم يتغير بل باق، وتلك هي أخطر حيل المخزن التي تنطلي على الكثير من الناس في الداخل والخارج. ذاك هو المخزن وتلك هي قدراته الاستثنائية التي تسمح له بالاستمرار، ولكم بعض ثوابته التي لم يستطع التنازل أو التخلي عنها حتى الآن:

الظلم السياسي

عندنا لا يمكن للمواطن أن يمارس حقه في الانتماء السياسي وتبني المشروع الفكري والإيديولوجي الذي يريد، ولا حق له في التواصل مع الناس وبسط مشروعه الفكري وبديلة السياسي لهم، فهو ممنوع من التواصل، ممنوع من الإعلام لأن الوحيد الذي من حقه أن يعبر عن مشروعه ويسخر جميع وسائل الإعلام لنشره والتربية عليه هوالمخزن، ومن يدور في فلكه، أما المشاريع المقاومة لفكر المخزن والأيديولوجيات المناهضة لظلمه وقمعه فهي ممنوعة مرفوضة، أي ظلم أكتر من هذا؟

يمنع المواطن من حقه في التعبير عن رأيه، يمنع من حقه في استعمال وسائل الإعلام التي لحم أكتافها من ضرائب الشعب وأمواله.

الاحتكار الاقتصادي

عندنا المستثمر الأوحد هو المخزن في جميع المجالات والميادين، فما من مجال أو ميدان اقتربت منه إلا ورائحة المخزن تفوح منه (الفلاحة، الصناعة، المواد الغذائية والاسواق العصرية، العقار، الخدمات البنكية…) فالمخزن يحتكر كل الاقتصاد ومن أراد أن يشاركه الاستثمار في مجال من المجالات، فهو يفرض عليه قيودا وشروطا من أبرزها أن يترك للمخزن الحق في تحديد “سعر البيع للعموم” حتى لا تتأثر مبيعات المخزن ومنتوجاته من المنافسة فتتراجع الأرباح، ناهيك عن وجود قطاعات بعينها يمنع الاستثمار فيها إلا على شركات المخزن، التي تستغلها كما تشاء، وتمتص دماء المغاربة كما تريد، لا حسيب ولا رقيب، إلا علام الغيوب الذي يمهل ولا يهمل، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب سورة هود آية 81.

الإفساد الأخلاقي

إن المخزن على المستوى التربوي الأخلاقي يتبع سياسة من قال الله فيه فاستخف قومه فأطاعوه سورة الزخرف 54، فلولا الاستخفاف لما كانت الطاعة، ولولا التربية على قيم الانحلال والفساد الأخلاقي وإثارة الشهوات والغرائز لما كان الخضوع والخنوع للحاكم المستبد، هكذا فهمها المخزن وعمل على تطبيقها سنوات طوالا بقدر كبير من الإتقان.

إذن فبالنسبة إليه الفساد الأخلاقي وسيلة أساسية لضمان ولاء الناس وطاعتهم، فكان لا بد من الاجتهاد في أدوات الافساد وتنويع آلياته انطلاقا من برامج ومناهج تعليمية، مرورا بمسلسلات وبرامج تلفزية، وصولا إلى سهرات ومهرجانات فنية، أهمها مهرجان موازين حيث الفساد يستمر ثمانية أيام، وحيث الانحلال الخلقي أشكال وألوان، وحيث رموز الفاحشة يستقبلون استقبال الأبطال. والله المستعان ولا حولة ولا قوة إلا بالله.

الحصيلة

الحصيلة مرة مرارة القهر والقمع الجاثم على صدور المغاربة، الحصيلة مشهد سياسي مختنق مهدد بالانفجار في أية لحظة، الحصيلة اقتصاد وطني هش ضعيف غير قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، مبني على نهب واستنزاف خيرات وثروات البلاد، الحصيلة تراجع خطير للقيم الجيدة والأخلاق الفاضلة التي كان يتميز بها المغاربة، وتعويضها بقيم الانحلال والفساد الأخلاقي. الحصيلة سكتة قلبية تحدث الناس عنها منذ أمد بعيد، أما اليوم وبعد السكتة القلبية لا يسعنا إلا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله الفقيد.