سال حبر كثير وألفت مجلدات عديدة وحشدت اختصاصات وخبرات هائلة وأنجزت تجارب وتنوعت… والهم أجيال المستقبل، اجتهد غيرنا وجعلوا القضية محور سياساتهم واعتبروا التعليم رافعة التنمية وأهم استثمار واعتبروا الموارد البشرية مصدر الرقي، وأفلحوا في جزء من القضية خاصة ما كان عمليا تقنيا، وفشلوا فشلا ذريعا في تحقيق التوازن الروحي العملي العقلي؛ فإذا بأجيال غير متوازنة غير متزنة رغم التفوق التقني الصناعي.

واقع مرير

في بلداننا الحبيبة الإسلامية العربية؛ الواقع أشد وأمر، انطلاقا من غياب إرادة سياسية حقيقية ومرورا بمناهج تعليمية مستوردة وصولا إلى منطلقات وتصورات رسمية مغيبة للهوية إلا من حيث الديباجة، أضف إلى ذلك إقصاء المعنيين الحقيقيين من القضية المصيرية للأمة ويتبجح أصحاب القرار بإصلاحات وإصلاح الاصلاح… وطلعات إعلامية وقروض بإملاءات خارجية وأموال تهدر على مشاريع هاملة ودار لقمان تسوء يوما بعد يوم، فأي خلف ننتظر في ظل هذا الوضع، وأي عطاء للمؤسسات التعليمية؟

تملكت فئة القرار ورقاب الناس لا علاقة لها بواقع الناس، وكيف تتهمم وجلها عاش في بحبوحة الحياة وأبنائها يتابعون دراستهم في البعثات الأجنبية أو خارج حدود الوطن؟ غاب أصحاب القرار عن واقع الحال – قل قصدوه – وغيب دور المؤسسة التعليمية التربوية – وكيف لفاقد الشيء أن يعطيه – وغيب ولاة الأمر في زنزانة الضغط الاجتماعي المرير فهم في غفلة وسهو تامين وغاب عنهم معين من سبقنا بإحسان في الأخذ بتلابيب خلف غريق فجهلوا حقيقة الدور المنوط، قل أمية دينية ومنهج إسلامي مفقود مردود، فأي جيل منتظر يمكن استخلاصه من واقع مفروض؟

زاد الطين بلة حال ربيبتي مؤسسة التعليم والتربية، أقصد الإعلام والمسجد، وأي إعلام؟ مؤسسة حادت عن الطريق وأمست تفتل في حبال التخريب واستخفاف عقول الناس: قنوات الميوعة ومجلات العري ومواقع اباحية وإذاعات الرقص… والعلة الانفتاح على الآخر والاستفادة من ثقافة الأمم الأخرى وكأن ما ينقص أبناءنا إلا أفلام الخليعة والميوعة وغناء الاختلاط والكلمات الساقطة… حتى نرقى الى مستواهم المنشود ولا حبيب أو رقيب يتقي الله في فلذات أكبادنا. أما المؤسسات الدينية فجعجعة ولا طحين وكيف تثمر وتفك الأسر وهي المسكينة رهينة أسيرة، منابرها مكممة وأبوابها موصدة في وجه من صدق الله ورسوله وغار على أمة الحبيب وقام ضد الظلم الفظيع فلا ترى إلا خطب رسمية أو محاضرات وهمية غايتها لي أعناق النصوص وشرعنة أفعال من أخذوا برقاب الناس وأقاموا عريشهم على رؤوس العباد. فتعمق الجرح وأجهز على الباقيات الصالحات، فأي جيل تنتظر يا مهموم بالإصلاح ومهووس بالتغيير؟

يعول الآباء على المؤسسات التربوية والمناهج التعليمية أن تؤدي المهمة المنوطة بها وتنسى فئة ساحقة منهم دورها في رعاية أبنائها، بل لا تدري حقيقة وظيفتها تجاه ابنائها كما انتدبها الى ذلك الحبيب المصطفى من خلال قوله: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” 1 رعاية شاملة جامعة لكل جوانب شخصية الابن، اقتصر دورهم على المأكل والمشرب والملبس والمبيت الذي أثقل كاهلهم مغمومين مهمومين بلقمة عيش كسراب أخذ منهم اللحم و الدم، مكرهون بوضع ضاغط ظالم يشفق لهم الداني والقاصي، حالهم يغني عن سؤالهم، يقول ابن القيم رحمه الله: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سُدَى، فقد أساء غاية الإساءة؛ وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبَل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسُننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارا).

واقع مزري كارثي يندى له الجبين، تستحيى أن تربطه بأمة الاسلام وبأمة رسولها جاء معلما مربيا متمما لمكارم الأخلاق. شباب بانحلال خلقي وعنف وعنف مضاد وتعاط للمخدرات وهدر دراسي وانفصام في الشخصية وأزمات نفسية واغتصاب وشذوذ… غثاء متهالك، واسرد ما استحيى القلم أن يدونه من مشاكل وفتن والى الله المشتكى، حرب ضروس على نشء أمة الاسلام تتطلب منا لباس الترس وحمل الرمح لرد كيدها وانفصال عن المعين ألزمنا العودة اليه لاستخلاص سبل الوقاية والعلاج.

نحو رؤية قاصدة

النشء الصالح عماد الأمة وقرة عين في الدنيا والآخرة، انتدبنا الشارع إلى الإكثار منه؛ قال الحبيب المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام: “تزوجوا الودود الولود فاني مكاثر بكم الأمم” 2 يباهي المربي الكريم ويباهي الأمم الأخرى بأمته، وهل يباهى بالكثرة الغثائية المتهالكة؟ لا يفهم لب الحديث النبوي دون عرضه وأقرانه بحديث الغثائية الذي أوضح فيه الرسول الكريم أسباب الانحطاط والهوان: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قال قائل يا رسول الله وما الوهن ؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت” 3 غثاء السيل ما يحمله الماء ولا يعتد به.

وصف الحبيب المصطفى حالنا وحال أبنائنا بالكم الكثير ولكن مهمل وهن لا يعتد به، فئام تتأثر ولا تؤثر؛ يفعل بها ولا تفعل؛ تنتظر ولا تبادر؛ ذهنية رعوية استهلاكية… شخص لنا مكمن الداء، فلم يكن نقصا في العدد والعتاد ولا ضعفا في القدرات العقلية أو عتاد السلاح، بل حصر محله في القلب، قلوب أصيبت ففسد الجسد كله. “ألا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” 4 ، فمن يحاول علاج الداء من غير تشخيص دقيق وتمحيص عميق لمكمن الداء لاشك أنه سيجانب الصواب، ومن يبادر بإصلاح سياسي أو حصر كل همه في تغيير عقلي أو فكري دون أن يكون جماع همه التربية القلبية كمن يبيض واجهة هشة مردودة منقوضة.

نعم، إذا فسدت المضغة تفشت أمراض وأدواء لا حصر لها وعظمت تجلياتها على الفرد والمجتمع كما أوضح المصطفى صلى الله عليه وسلم: “سيصيب أمتي داء الأمم، قيل وما داء الأمم يا رسول الله؟ قال الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي” 5 من خفة وتباه بسفاسف الأشياء إلى التنازع والتصارع حتى يستفحل الظلم والتسلط على رقاب وممتلكات الناس، أدواء مالها حد ولا حل إلا إذا نظرنا بعين الوحي لاستئصال أصلها وإصلاح تراكماتها.

الولد الصالح ذخر للأمة في الدنيا ولوالديه في الدنيا والآخرة، هو تجارة لن تبور، ربح خالص حتى بعد الموت وانقطاع العمل، فالمطلوب تكثير نوعي قوي لا غثائي عالة على أمة منحطة ينهض بها من أسفل التاريخ. فمن أنى لنا به ؟ ومن المتدخل في المسألة؟ وما هي مهام وحدود مسؤولية كل طرف؟

معالم تربوية قبلية

قبل بزوغ فجر المولود في هذه الدنيا تتركز جل المهام على الوالدين خاصة الأب، بداية باختيار الأم الطاهرة العفيفة ذات الأساس “فاظفر بذات الدين تربت يداك” 6 مرورا بصلاح الوالدين الذي يتعدى إلى صلاح الأبناء ذرية بعضها من بعض 7 وانظر الى سورة الكهف حيث أطلعنا الله عز وجل على لسان الخضر الذي عدل ميل الحائط حتى استوى لأنه كان لغلامين يتيمين في القرية التي فيها الجدار، وكان تحته كنز لهما من الذهب والفضة، وكان أبوهما رجلا صالحًا، فأراد ربك أن يكبَرا ويبلغا قوتهما، ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك بهما وكان أبوهما صالحا 8 قيل الجد السابع بمعنى أن صلاح الآباء يبلغ إلى سبع ذريات متعاقبة، ومن صلاح الأب دعاؤه للابن حتى قبل ولادته قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء 9 فدعاء الأب الى الابن مستجاب كما أبلغنا المربي الحنون عليه الصلاة والسلام.

لتنطلق السفينة في الإبحار وبغيتها شاطئ النجاة الذي لن يبلغه الخلف بأمان إلا اذا اجتنب الحرام وكل جسد نبت من حرام لا يصلح إلا للنار، ثم أحسن معاشرة الزوجة معتمدا الأسلوب والآداب النبوية الشريفة، ويتأثر المولود وهو في رحم أمه بحالات الأم النفسية من غضب وحزن وفرح كما أكد المتخصصون وكدا يتأثر بعلاقتها بمحيطها ومأكلها ومشربها وإقبالها وفتورها في علاقتها بخالقها.

كلما حرصا الوالدان على حسن تدبير المرحلة كانت أسلم لمولودهما. ومما يروى عن سعيد النورسي أن أباه كان يكمم غنمه عندما يمر بها قرب مزرعة غيره وأن ما أرضعته أمه إلا وهي على وضوء فما كان من هذين الأبوين الصالحين إلا أن أنجبا هذا الصالح الذي أحيا به الله الإسلام بتركيا وعسى ما نراه من انبعاث في هذا القطر هو من حسناته.

وهذا وإن من خير ما يفعله الأبوان أن يستودعا الأمانة عند من لا يضيعها سبحانه وتعالى بأن يعظما نيتهما الى حيث ارتفعت همة زوجة آل عمران عليها السلام حين قالت: رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك أنت السميع العليم 10 فلا يقصرا القصد في عمارة الدار او ارث متاع الدنيا أو سند ضد الخصوم أو…امتثالا لنهيه سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله 11 فإن التزما بهذه المعالم الأولية فقد أسسا بنيانا على تقوى من الله، بناء رصين يزداد مناعة بالأذان في أذنه اليمنى وإقامة الصلاة في اليسرى وتسميته بأجل الألقاب اقتداء وتيمنا بما جاد به الكريم جل علاه على من سبقنا بإحسان، بارك الله لك في الموهوب وبلغ اشده ورزقت بره. ليشرع في مرحلة غاية في الأهمية ثلاثية الأبعاد تجمع بين ما هو تربوي ومعرفي وعملي.

أساليب تربوية ناجعة

صحيح أن المؤسسة التعليمية تحمل على عاتقها مسؤوليات جليلة وجب أن تفي بأغراض نفسية فكرية تدريبية، يقول الأستاذ المرشد للتعليم هدفان: الهدف الأول تربوي نفسي يكون أقوى تمكنا في نفوس المتعلمين كلما كان أكثر بكورا، وكلما كانت أساليبه أشد وقعا وأمتن تماسكا وأسبق الى النفوس قبل أن تسكنها تربية أخرى وولاء آخر. والهدف الثاني تعليمي تدريبي عملي من شأنه أن يفي بالمقصود منه ان كان الباعث التربوي النفسي الولائي المؤسس في مكانه من التأصيل والتمكن وقوة الدفع…) 12 لكن اللبنات الأولى تبنى في البيت ومنه على الآباء إيلاء موضوع التربية أهمية قصوى. دراسة المنهج النبوي والبحث فيه أضحى من أولى الأولويات لتجاوز الأمية الدينية وملء الفراغ الذي نعاني منه وهكذا وقاية وتحصين وعلاج الاختلالات المعايشة والتي ستصادفنا حتما مستقبلا، يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة 13 .

تعددت الأساليب النبوية وتنوعت والغاية إيقاظ الوسنان وشحذ الهمم وإصلاح الأخطاء ومن بينها:

– التربية بالقدوة: حيث أخذ سيد الخلق الفأس وضرب الصخر عند غزوة الخندق، وعلم أصحابه كيف يؤدوا عباداتهم: كقوله “صلوا كما رأيتموني أصلي” و“خذوا عني مناسككم” ربى وعالج الخطأ بالقدوة العملية حيث روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري “أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بغلام وهو يسلخ شاة، فقال: تنحى حتى أريك، فأخذ يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط تم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ”.

– التربية بالتوجيه: روى البخاري ومسلم عن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: “كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي: يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك”.

– التربية بالإشارة: روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما “كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر اليها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر…”.

– التربية بالعتاب: روى الطبراني عن عبد الله بن بسر قال: “بعثتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطف من العنب، فأكلته، فقالت أمي لرسول الله هل أتاك عبد الله بقطف؟ قال لا، فجعل رسول الله اذا رآني قال غدر غدر”.

– التربية بالتعريض: روى البخاري عن أنس بن مالك “قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال قوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم”.

– التربية بالتخويف: روى البخاري في الأدب عن ابن عباس “أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعليق السوط في البيت”. وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: “علقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه أدب لهم”.

– معالجة الخطأ بالتوبيخ: روى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه “سببت رجلا، فعيرته بأمه، قال له: يا ابن السوداء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ انك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وان كلفتموهم فأعينوهم”.

– التربية بالعصا: روى أبو داود والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع”. فتطلب الأمر حزما عندما ارتبط الأمر بجوهر الدين.

تعددت أساليب التربية وتنوعت طرق التعليم حيث لا يمكن حصرها كالحوار والمدح والهدية واحترام الرأي والتربية بالمسؤولية وحرية الاختيار… ومع التنوع يزول الملل ويستفز الإبداع وتتطور المبادرات. طرق نبوية وأساليب سلفنا الصالح مرجع زاخر لنا وجب توظيفها في القضية الأصل، على أن توظف بحكمة حسب الموقف وأهمية الموضوع وخطورة الأمر. فمن المواقف ما يتطلب غض الطرف ومنها ما يتطلب مرونة وسعة صدر ومنها ما يلزم حزما، كما قيل لكل مقام مقال، والحكمة ضالة المؤمن.


[1] عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. متفق عليه.\
[2] رواه النسائي وأبو داود عن معقل بن يسار.\
[3] رواه ابو داود عن ثوبان رضي الله عنه.\
[4] حديث النعمان متفق عليه.\
[5] المستدرك عن الصحيحين.\
[6] مسلم عن أبي هريرة.\
[7] آل عمران – الآية 34.\
[8] الكهف – الآية 82.\
[9] آل عمران – الآية 38.\
[10] آل عمران – الآية 35.\
[11] المنافقون – الآية 9.\
[12] كتاب: حوار مع الفضلاء الديمقراطيين.\
[13] التحريم – الآية 6.\