قد علمت –حفظك الله- مما تقدم من الكلام في الجهاد 1، أن الداعية إلى الجهاد هو دفع عدوان الظالمين الساعين في خراب مقاصد الدين؛ واليوم أقِفُك على المقصد منه؛ ولا يخفى عليك أن المقصد يستنبط من الداعية والسبب؛ وعليه، يكون المقصد من الجهاد هو حفظ مقاصد الدين، عبادة ربانية، وأخوة إنسانية، وعمرانا أخويا.

حفظ العبادة الربانية

ولقد كُتب الجهاد، اتقاء فتنة الظالمين؛ حتى تحفظ دور العبادة، وينعم عمارها بحرية العبادة والدعوة إلى الله. وتفقد معنى الفتنة في قوله تعالى في سورة البروج: إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ قال القرطبي: أي حَرَّقوهم بالنار). فالفتنة صد عن سبيل الله بالإكراه؛ من أجل ذلك، أُذِن للذين يُكرَهون على الكفر بربهم، أن يدفعوا عن أنفسهم وذلك:

1- حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله

قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ 193 سورة البقرة.

2- حتى تحفظ الصوامع والبيع والصلوات والمساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا

قال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا39 وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ40سورة الحج.

حفظ الأخوة الإنسانية

ذلك، وليكن على ذكر منك أبدا، أن القتال كره لاتميل إليه النفس المؤمنة، والصلح خير؛ ولكن الظالمين بسطوا أيديهم، يستضعفون الناس ويحتقرونهم، يؤزهم في ذلك الحسد والعداوة والبغضاء، فيقطعون كل رحم إنسانية؛ فما للمومنين لايجيبون دعاء المستضعفين؟! وما للمستضعفين لا يدفعون عن أنفسهم؟!

قال الله تعالى: وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا 75 الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا76 سورة النساء.

طالع أيضا  الشخصية الإحسانية وأهميتها الجهادية

حفظ العمران الأخوي

ومن مقاصد الجهاد حفظ الأرض بعمارتها؛ وأساس العمارة العدل، وترك الظلم والفساد، والجنوح للسلم.

1- حفظ الأرض من الفتنة والفساد

قال تعالى: وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ73 سورة الأنفال.

وقال تعالى: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ251 سورة البقرة.

2- الجنوح للسلم إن جنحوا له

قال تعالى: وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ61 سورة الأنفال والجنوح الميل. يقول: إن مالوا ـ يعني الذين نبذ إليهم عهدهم ـ إلى المسالمة؛ أي الصلح، فمِل إليها.

3- كف اليد إن انتهوا عن القتال

قال تعالى: قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ 38 الأنفال.

4- مسالمة المسالمين والمعاهدين ولا عدوان إلا على الظالمين

قال تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً90 سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا91 النساء.

5- صلة من لم يقاتل في الدين ولم يخرج من الديار

قال تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ8إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ9 الأنفال.

طالع أيضا  الجهاد (3).. الحكمة

6- الوفاء بعهد المعاهد إن لم ينقص ولم يظاهر

قال تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ4 سورة التوبة ومعنى «لَمْ يَنْقُصُوكُمْ» أي من شروط العهد شيئاً.{ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ } لم يعاوِنوا.

هأنت ترى، أن القتال ضرورة اضطر إليها المؤمنون غير باغين ولا عادين؛ وهو كره لهم، لا يحبونه فيبتغون إليه كل وسيلة، ويتبعون إليه كل سبب. إنما المؤمنون إخوة، يصلون ما أمر الله به أن يوصل من الرحم الإنسانية، ويأمرون بعُرف الإخاء وصلة الأرحام وتعارف الشعوب والقبائل.