تقديم

حين يتحدث الإسلاميون عن الغيب وهم يعرضون مشروعهم على الناس، في واقع طغت عليه الماديات، يعد الآخر حديثهم حديث خرافة لا غير. ويعتمد الآخر/الغربي في هذا الحكم على رصيده الفكري المؤسس على الفلسفة المادية، التي حققت نصرا كبيرا عندما أخرجت عقله من سيطرة الكنيسة إلى عقلانية أبهرت العالم باختراعاتها واكتشافاتها، أما الآخر/المسلم فهو لا ينطلق في تمرده على أصله ودينه إلا تبعية عمياء يرى فيها طريق الخلاص.

حوار الإسلاميين مع غيرهم من الطوائف السياسية والنخب المثقفة في أرض المسلمين ممن تتلمذوا في مدارس الغرب ضرورة مفروضة، وإن كان وزن هؤلاء في ميزان الأمة يكاد يكون مهملا، إلا أن سعة الدين ورفق الإسلام يحتم مد اليد لكل فاضل مهما كانت مرجعيته مادام لا يضمر نية مبيتة ضد مصلحة الأمة.

تقف العقلانية سدا منيعا أمام نشوء حوار بين الطرفين، فالإسلاميون غير مرحب بهم في أندية السياسة والحكم والتسيير والاقتصاد وغيرها، ماداموا يتحدثون عن الله وعن ثواب الله وعقابه وعن الموت والقبر والحساب والمصير. فهل يشطب الإسلاميون هذه الكلمات من قواميسهم أم يزاحمون الآخر بالمناكب حتى يجدوا لأنفسهم مواقع أقدام في كل الميادين.

فشلت الفلسفة المادية فشلا ذريعا، فهي لم تجب على أسئلة الإنسان الجوهرية نظريا وعمليا. من الناحية النظرية لم تستطع أن تقدم إجابات عن أصل الإنسان ومصيره، وفي الجانب العملي فهي لم تحقق للإنسان السعادة، فهو لم ير منها إلا الحروب المدمرة وخراب الطبيعة والأمراض الفتاكة والأسلحة الهدامة، ويبقى الإسلام وحده ينفرد بتلك الصفحة السماوية من تاريخ الأرض يحتفظ بها كل مسلم ذكرى حية. هي صفحة النبوة ثم الخلافة على منهاج النبوة) 1 .

لقد ذاقت الإنسانية ولا تزال من كأس المذاهب الأرضية المادية وأملها كبير في المسلمين أن يخرجوها من هذا المستنقع الذي تملأه مياه العقلانية الراكدة.

مهمة عظيمة تنتظر الصف الإسلامي من العبث أن يضيع مجهوداته في معارك هامشية قد يكون الانتصار فيها كسب مقاعد في برلمانات لا دور لها إلا تزيين وجه الاستبداد البشع، أو كسب أغلبية في حكومات تسبح صباح مساء بحمد الطاغوت.

الحركة الإسلامية الآن موكول لها قيادة الأمة في مسيرتها الجهادية لتحقيق موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخلافة الثانية على منهاج النبوة، ومن تم تحرير الإنسانية من آلامها ومعاناتها. وما موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا غيب آمنا به لا تحجبنا القوة المادية التي تملكها قوى الاستكبار ولا استقواء حكام الجبر بهم عن ما أوحاه رب العزة إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: ألم، ذلك الكتاب لا ريب، فيه هدى للمتقين الذين يِؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون 2 .

طريق الفلاح في الدنيا والآخرة ما هو إلا إيمان بما أوحاه الله إلى رسله وإقامة ما افترضه الله علينا، واهتمام بأمر المسلمين وذلك بأن ينفق المؤمن مما رزقه الله على الأمة من مال وجهد ووقت لا يبخل أبدا.

القلب والعقل

أسري برسول الله صلى الله عيه وسلم وأعرج به، وجاء المشركون إلى أبي بكر رضي الله عنه يحاجونه في ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم بأنه يصدقه على أكثر من ذلك. سبحان الله. أكان أبو بكر رضي الله عنه مسلوب إرادة التفكير لا يستطيع إعمال عقله كي يخرج بالاستنتاج المنطقي الواضح أن هذا الأمر مستحيل، خصوصا وأن عقل ذاك الزمان لم يكن يعرف الطائرات ولا الصواريخ ولا سرعة الضوء ولا نسبية اينشتاين، أم كان إيمانا لا متناهيا ملأ قلب الصحابي الجليل، كيف لا وإيمانه رضي الله عنه يرجح بإيمان الأمة كلها في كفة الميزان.

القلب مصدر كل نور إن هو تنور بنور الإيمان، والعقل خاضع للقلب لا بالمعنى العاطفي، أي أن يعمى البصر فلا يميز العقل بين النافع من الأعمال والضار، فهذا ما هو إلا استجابة للهوى لا غير، ولكن بالمعنى الذي يجعل العقل يعمل وفق القوانين والسنن التي جعلها الله تعالى في كونه في غير تكبر ولا تأله ولا إنكار لخالقه.

تتخذ الفلسفة المادية العقل إماما لا اعتراض على استدلالاته واستنتاجاته، لكن سرعان ما يقف هذا العقل حائرا عاجزا عن فك لغز الإنسان من أين جاء وإلى أين سيذهب لتدخل الفلسفة في التخريص عندما تقترح نظرية النشوء والتطور وقانون الصدفة وما إلى ذلك من أفكار بدأت تتضاءل مساحة انتشارها لما طورت التكنولوجيا أجهزتها، لتنحسر الداروينية مع تطور علوم الوراثة، ويصبح قانون الصدفة المبني على احتمالات الرياضيات لا يستساغ عند الكثيرين مع اختراع الميكروسكوب واكتشاف أدق عناصر المادة ومع اختراع التليسكوب واكتشافات الأجرام والمجرات. على العاملين للإسلام أن يدركوا جيدا أن كمال العقل الآلة (العقل المشترك بين البشر) أن يخدم القلب وتطلعاته خدمة متزامنة متساوقة مترابطة هنا وهناك. هنا في الكون حيث يشترك مع كافة البشر في طرق تحصيل علوم الكون. وهناك وراء سجف الغيب من حيث لا تتأتى له معرفة إلا باستماعه للوحي) 3 . وهذا لا يعني أننا بصدد مناقشة قضايا عقدية مرتبطة بالصف الإسلامي، ولكن المقصود هو أن يكون الوحي مصدر العلم لا الواقع، فمن كان يأخذ من الواقع لصياغة مشروعه فهو لا يعدو أن يكون جزء من الواقع متأثرا بمتغيراته، أما الذي يكون الوحي إمامه علما وعملا لا يغفل سنة الله في الكون التي لا تحابي أحدا فتكون متغيرات الواقع عنده محض ابتلاء وعقبات يجب اقتحامها للوصول إلى موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الخلافة الثانية على مناهج النبوة قول من لا ينطق عن الهوى في ما رواه الإمام أحمد بسند صحيح: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

القرآن إمام

ما وصلت الأمة إليه إنما هو نتيجة هجر القرآن، فكان أول من زاغ عن القرآن السلطان، حكم الهوى وعطل الحق، والحق في كتاب الله عز وجل، والأمر النبوي يحث الأمة على أن تدور مع الكتاب حيث دار. كان القرآن مصدر العلم للجيل القرآني. يعلمون أنه العروة الوثقى. به يستمسكون والهدى منه يلتمسون. يُثَوِّرونه -كما يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- ليستنبطوا منه الحق. ويحكمون بحكمه في صغير الأمر وكبيره. في الحيض والنفاس أخص خصوصيات الإنسان، وفي قتال العدو وتمكين دين الله في الأرض أعم الشؤون وأوسعها مدى) 4 . والحال اليوم أمة مقهورة مبعدة بعيدة عن القرآن.

أبعد القرآن من ساحة السياسة والحكم منذ وقت بعيد، وزاد بعدا عن حياة العامة من الناس لما أحكمت الصهيونية خطتها ساعدها خدامها من حكام الجبر على رقاب المسلمين فنشرت المسخ والرذيلة في بلاد الإسلام طامحة أن يولد جيل لا يعرف القرآن إلا كتابا مكانه هو المسجد أو يتلى حين وفاة أحد من المسلمين. لكن قدر الله وما شاء فعل، فقد خرج من رحم معانات الأمة بل أخرج الله تعالى جيلا في البلاد الإسلامية أبلى البلاء الحسن، انبهرت لثباته وصموده أعتى آلات الفتك والتدمير سواء التي استعملها المتوحشون الشيوعيون، أم التي استعملها من لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم وأعوانهم. ويشاء الله سبحانه أن يرينا عجائب قدرته في حكام الجبر بأيدي شباب يقيمون الصلاة في ميدان التحرير في مصر ويصدحون بذكر الله في أرض الشام واليمن وبقع إن شاء الله قريبة من التحرير.

قد يضيع بعض الإسلاميين الفرصة على الأمة في التحرير إذا ما هادنوا حكام الجبر تحت يافطة من اليافطات. نعم قد يكون تحدي الطاغوت تهورا في ظروف لا يقدرها إلا من يعانيها. لكن ليتق الله المؤمنون أن يمنعهم من الجهر بالحق فهم يبرر القعود) 5 . وكيف يقعد الإسلاميون أو يتخذوا طريقا غير الطريق الذي صار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تكن سيرته صلى الله عليه وسلم وجهاده ملتويين، بل عمد إلى رأس الكفر كما فعل رسل الله من قبل فتحداه. ثم صبر هو وأصحابه، وصانعوا ظروفهم، حتى أذن الله لهم بالهجرة، وبعد الهجرة كانت المواجهة والمصابرة حتى نصر الله) 6 .

كان هذا الجيل القرآني بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستجيب لأمر الله في كتابه الذي يناديهم ب(يا أيها الذين آمنوا) ويأمرهم بأن يفعلوا أمورا وينتهوا عن أخرى، فتراهم يتلقون الأمر يكون دستورا لحياتهم، فتكتمل معاني الاستجابة من ناحيتي العلم والعمل.

لقد كان العقل في شبه الجزيرة العربية على الفطرة، على عكس نظيره الغربي الذي غطاه ركام الحضارة والفلسفة، فكان سهلا عليه أن ينقاد للقرآن، وحتى الذين كفروا به لم يكن المانع عندهم عقليا بل كان نفسيا أكثر، ويتضح ذلك من قول الله عز وجل: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون، فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون 7 . ودارت الأيام والأعوام وتخلى أبناء الفكر المغرب عن القرآن، كما تخلى عنه حكام العض من قبلهم، وامتلأت عقولهم بطلاسم الفلسفة المادية، ويدور الإسلاميون ويجدون أنفسهم واجب عليهم أن يحاوروا هؤلاء، فعلى أي أرضية يكون الحوار؟

العقل أو الفكر أو الثقافة أو السياسة التي ترى الإسلام منظومة فكرية أخلاقية شكلت مرحلة تاريخية من مراحل نمو الإنسان المسلم من العبث الارتكاز عليها في عملية انبعاث الأمة وإحيائها) 8 . إنما نصبح قادة فاتحين كما كان الصحب الكرام الذين ملؤوا الدنيا عدلا إذا اتخذنا القرآن إماما نأتمر بأمره وننتهي بنهيه، نجتمع عقلا وعاطفة، ماضيا وحاضرا ومصيرا، دينا ودنيا وآخرة، أفرادا على بينة من هويتهم وعبوديتهم لله ومسؤوليتهم أمامه، وجماعة على بينة من مصيرها التاريخي فيها استعداد وقدرة على الجهاد) 9 .

بعض من مغربي الفكر لا يستطيعون أن يفصحوا عن نواياهم وعن موقفهم من القرآن وهم يرون رأي العين كيف ترجع أفواج من الشباب إلى كتاب الله يتلونه ويقيمون به الصلاة في المساجد ويذودون عنه في الساحات والميادين، لا يستطيعون أن يكونوا صرحاء مع الأمة لأنهم يعلمون علم اليقين أن الأمة فيها شعور بالغيرة على الدين وعلى القرآن وإن غرر بها في وقت من الزمان فإنها عائدة إلى دينها لا محالة. لا يخجلون عندما يقولون أن القرآن قرين العقل. ومن وراء الكلمة ما لا يجسرون على إظهاره. من ورائها أن العقل هو الإمام) 10 . والحركة الإسلامية في الميدان معها الحق إن هي اهتدت بالقرآن وسارت على منهاج النبوة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي، وهو السنة التطبيقية العملية النموذجية، التاريخية بعد البشرية المتجددة في الزمان والمكان باجتهاد أجيال الإيمان) 11 .

السنة منهاج

قال الله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور 12 .

ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدري ما القرآن حتى نزل الأمين جبريل يعلمه إياه، فأصبح يهدي به من يشاء الله عز وجل أن يهديه إلى صراط مستقيم، ما كان كلاما من عنده كما ادعى الكافرون. وفي هذا الزمان الذي ابتليت فيه الأمة بإيديولوجيات خربة ظهر القوميون يفتخرون بالعرب وأمجادهم، وماذا كان العرب قبل نزول القرآن؟ ويعززون ما يقولون بالحديث عن بطولة محمد العربي وشجاعته وعبقريته، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فنسوا أن من يتحدثون عنه هو رسول موحى إليه، يقول الحق سبحانه وتعالى: والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى 13 . وقال الحق سبحانه وتعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم 14 اللهم ارزقنا حسن الإتباع.

هناك من يشوش على عمل الحركة الإسلامية كما يشوش الذين يداهنون الحكام بغير عذر. وهم من يتخذون تطبيق السنة في زعمهم سيفا مسلطا على رقاب الناس، والإسلام رحمة وما أحوج الناس لرحمة الإسلام. ليس عن هؤلاء نتحدث، إنما نتحدث عن العاملين للإسلام من أبناء الحركة الإسلامية جند الله المنظمين الذين يقفون في وجه الباطل كما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسيرون بين الناس رحمة يبينون للناس رفق الإسلام وسعة الإسلام ورحمة الإسلام، مبادئ تعلموها على يد رجال فهموا المنهاج النبوي حقا واجتهدوا لحاضرهم كما اجتهد من سبقوهم لزمانهم.

تربية جند الله مهمة عظيمة لا يتصدى لها من أصبحت له قدرة على إلقاء الخطب أو اكتسب مكانة بين المؤلفين. إنما يتصدى لهذه المهمة العظيمة الربانيون العاملون الذين ورثوا التربية النبوية، فيسيرون في الأرض يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده. رجال يسيرون على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم علما وعملا، فكرا وعاطفة وحركة.

كان أول ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنورة بناء المسجد ليكون منه وإليه حركة المؤمنين في ما يستقبلهم، وليكون العقل خريج المسجد يحمل معه معاني المسجد لا تؤثر فيه المؤثرات ولا يزيغ عن الهدف ولا يشك يوما في نصر الله. ثم قام صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين الصحابة لأهمية وحدة الصف في مسيرتهم الجهادية.

لم تكن المؤاخاة ولا الإيثار الرائع زهرة عاطفية أينعت مع الحماس، بل كانت بذلا يحتقر معه المؤمن متاع الدنيا بجانب حق الأخوة وبجانب الجزاء في الجنة) 15 ، وكذلك المؤمنون جند الله الذين يطمحون لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، يجب عليهم أن يسيروا على هذه الخطى النبوية حتى يأذن الله تعالى بالنصر ويهزم حزب الباطل وتندحر قوى الاستكبار لتتنفس البشرية جمعاء ما ينزله الله تعالى من نسائم الإيمان التي تكون روح الخلافة وجوهرها.

وإن غياب هذا العامل الإيماني من خيط الربط بين قلوب المؤمنين وعقولهم ليبقى الرابط فكرا ووحدة تصور إنما يدخل التنظيم الإسلامي في خانة الأحزاب السياسية التي لا تصمد طويلا أمام ريح النفوس العاتية التي تأتي على الأخضر واليابس، فتضيع القضية الإسلامية ويكون الفشل.

سنة الله

عامل الإيمان بالغيب)، أورد هذه العبارة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في كتابه (نظرات في الفقه والتاريخ)، الذي بين فيه ضرورة اعتماد المدخل الإيماني لتحليل وفهم تاريخ المسلمين وما وقع فيه من فتن، وهذا المدخل الإيماني نظر إليه من زاويتين. الأولى وهي أن الأمر الذي وقع هو من أمور الغيب التي عرفها الله تعالى لرسوله الكريم، يقول: أطلع الله جل وعلا نبيه الكريم بما هو كائن لا محيد عنه، وما كان لرسول أن ياتي بآية إلا بإذن الله. وبإذن الله نطق الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم. نطق بوصية السمع والطاعة لما علم من أن نوازع الاستعلاء والاستكبار ستظهر، وسيظهر التسابق إلى السلطان، والصراع على السلطان، فلا يكن ذلك على حساب وحدة الأمة وتماسكها الداخلي) 16 ، والثانية هي ضرورة التعرف على ما كان سببا في تدهور حال الأمة وانحدارها فيقول: في التحليل الإيماني لتاريخ الفتنة وانتقاض عروة الحكم في الإسلام نعزو ما وقع للأمة من تخاذل أمام السلطان إلى الإخلال البشري) 17 .

وهناك تكامل بين النظرتين من خلال تسليم القلب لأمر الوحي ثم من خلال إعمال العقل للبحث عن الأسباب المادية التي أدت إلى انقضاض عروة الحكم والانقلاب من خلافة على منهاج النبوة إلى حكم عاض، وكيف حصل الانحدار إلى آن وصلت الأمة إلى ما هي عليه الآن.

المؤمن بالله وقضائه وقدره فينظر في الأسباب الظاهرة، تكون نظرته عوراء إن لم يفعل، لكنه ينظر أيضا إلى قدرة الله تعالى وقضائه وتصرفه المطلق في ملكه) 18 .

في المحور القادم إن شاء الله عز وجل نقف وقفات مع تاريخ المسلمين معتمدين على هذا المدخل الإيماني الذي ما انفك الأستاذ المرشد يؤكد عليه وعلى أهميته.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] القرآن والنبوة ص 27.\
[2] سورة البقرة الآيات من 1 إلى 5.\
[3] محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى ص 8.\
[4] القرآن والنبوة ص 14 و 15.\
[5] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 29.\
[6] نفس المصدر ص 27.\
[7] سورة الأنعام الآية 33.\
[8] مجلة منار الهدى، العدد الثاني ص 26.\
[9] القرآن والنبوة ص 14.\
[10] القرآن والنبوة ص 18.\
[11] العدل الإسلاميون والحكم ص 23.\
[12] سورة الشورى الآيتين 52 و 53.\
[13] سورة النجم الآيات من 1 إلى 4.\
[14] سورة آل عمران الآية 31.\
[15] القرآن والنبوة ص 84.\
[16] نظرات في الفقه والتاريخ ص 38.\
[17] نفس المصدر ص 33.\
[18] نفس المصدر ص 33.\