حين وقعت في القرن الماضي إرادة المؤسسين في شهادة ميلاد مؤسسة دار الشباب بالمغرب، على غرار مثيلاتها في باقي بلدان العالم، اصطبغت الشهادة بحبر أصيل، مبشر بحياة نضرة، تكون فيها الدار منارا للخير ومركزا للعطاء ومؤسسة للتنشئة الاجتماعية ومدرسة للتكوين والتربية على الديمقراطية.

صنع الإعلام الرسمي

واليوم، وبعد عقود من الحضور المتذبذب في الساحة المجتمعية، وبشكل معكوس لا يبرز حقيقة المآل، غدت في أذهان الناس عبارات الديمقراطية والحرية، رديفة لمؤسسة دار الشباب ولصيقة بالمنتسبين إليها، روادا وجمعيات، رغم هزال رصيدها الاجتماعي والثقافي. وقد نعزو ذلك إلى محورية ونبل الدور المنوط بدار الشباب والجمعيات، ولاشتغالهم في إطار الحريات العامة، والذي يعد قيمة كونية، ولانتحالهم لصفات التطوع والتضحية، وخدمة المجتمع دون انتظار للعطاء. غير أن الدور الأهم الذي أدى إلى إذكاء هذه الصورة المغلوطة في أذهان الناس، هو ما قام به الإعلام الرسمي واجتهد في إظهاره، من خلال إبراز مؤسسة دار الشباب للعموم في حلل من الإيجابية والفاعلية، من خلال التقارير الإخبارية التي ترصد بعض الأنشطة الاجتماعية والثقافية والفنية، التي يسهر على تنظيمها شباب (ناجح ومؤطر)، خريج مدرسة دار الشباب المغربية، يتحلى بروح المواطنة، ويؤمن بالنهج التشاركي والديمقراطي في العمل، ويساهم بدوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية …، حتى ينطبع عند عموم الناس ما تكرس من فعل ديمقراطي في المجتمع، (صنيع الدولة الديمقراطية )، التي فتحت فضاءات دور الشباب لتربية الشعب المغربي على الديمقراطية والحرية. وهو عكس ما يشهده الواقع تماما، ونقيض ما يقره كل من أرخى سمعه لما خلف جدران الدار، وخط بقدميه خطوة استكشاف، تتجاوز عتبات الإعلام الرسمي وحرس الفضاء الفكري، المنثور في أذهان الناس، إلى أحضان رواد دار الشباب وتجربة شخوصها المعنوية، من جمعيات منتسبة وأخرى مفصولة مطرودة.

ديمقراطية المخزن

قد تكون رسائل الإعلام المغربية مغرية مشفرة، تغري الأمي والمثقف معا، لما تصور مشاهد الحياة التي ينضح بها مجتمع مدني، يتفاعل في حرية وديمقراطية، ويتجاوب مع الآخر، محاورا ومنتقدا، فمحتكما للآليات الديمقراطية في التعامل مع المعارض والمخالف. وعلى هذا النحو تم رسم صورة نمطية لدور الشباب، على أنها مولد الديمقراطية ومنشئ مبادئ الحوار وقبول الآخر. غير أن الممارس الميداني والفاعل الجمعوي ومدراء دور الشباب ومسؤولي الوزارة الوصية وممثلو السلطة الإدارية وكل من لا ينطلي عليه وهم الإعلام الرسمي المغربي، يعلم حقيقة غير ذلك.

فمن غير إجحاف للتجارب الصادقة ومن غير تنقيص لمجهودات الأيادي الناعمة المتطوعة، التي كرست جزء من حياتها لخدمة الآخر، إيمانا بأهداف نبيلة. يسجل مجموعة من الباحثين والمختصين والمتتبعين نقاطا سلبية، ومؤشرات تؤكد سلبية مؤسسة دار الشباب المغربية ونكوصها عن تحقيق أهدافها الطلائعية، بل وغدت وكرا للتطبيع والتربية على الاستبداد على الطريقة المخزنية. إذ السلطوية نهج الإدارة والتعالي أسلوبها في الحوار والمنع والحصار سلاحها مع الجمعيات الجادة التي لا يرغب أن يصل ودها للناس.

كما الحال في أدبيات تأسيس الجمعيات والممارسة الجمعوية والتي تسمى عرفا، أصبح كذلك من العرف أن مدراء دور الشباب هم بالنيابة أعوان للسلطة المحلية، ينوبون مقامهم في ضبط الخريطة الجمعوية، و(تحصين) دور الشباب من الغير مرغوب فيهم، أو دوي الفكر المعارض من اللجان التحضيرية أو الجمعيات. وحتى الجمعيات المسموح لها بالاشتغال، والتي تعقد اضطرارا اتفاقية مبدئية غير معلنة، مع مدير دار الشباب، كي لا تتخطى خطوطا حمراء ترسمها سياسات عليا، تجدها قد روضت على النهب الذكي والعمل الربحي في إطار مشاريع تعقد صفقاتها مع أجهزة رسمية مسؤولة، تختلف قيمتها الربحية حسب ولاء الجمعية للمخزن، ومشاركتها في الأنشطة الرسمية التي قد تجد لها مكانا في إعلام يتقن التقاط الصور.

رعايا النظام

وهذا ما اتضح جليا في حراك 20 فبراير، حيث استعان النظام في مواجهته الذكية للحراك الشعبي بمجموعة من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي خرجت في مسيرات مضادة لحركة 20 فبراير ومساندة للنظام المغربي، والتي أعدها وهيئها عبر مدرسة دار الشباب، التي روضها سنينا عبر سياسة التعبئة المخزنية، حتى صار دور الشباب خزانا إضافيا لرعايا النظام، السائرين في فلكه.

فكيف يعقل من جمعيات أسست بناء على قانون أساسي يقطع بشكل كلي مع أي لون من ألوان الفعل السياسي، أن تنخرط في إطار تدافعي سياسي محض، بعيدا كل البعد عن خطها التربوي والثقافي الذي رسمته وخطته في قوانينها المنظمة؟ حتى غدا الأطفال والفتيان، رواد دار الشباب المغربية، أداة للتجميل، تستغلها الجمعيات والكشفيات الدائرة في فلك النظام، لتجميل الصورة الإعلامية في مسيرة “نعم للدستور” أو حتى حائط صدٍ صغير بريء، عساه يوقف زحف انتفاضة شعبية عشرينية، أبدع النظام في تقويضها.

استبداد بلمسة فنية

جمعيات عديدة منعت من حقها الطبيعي في ارتياد دار الشباب، لا لشيء إلا لأن أعضاءها ينتمون إلى هيئة سياسية أو حركة إسلامية معارضة. في حين تحظى الجمعيات الأخرى التي تنازلت من أول يوم عن قيمتها الوجودية، بكل الحرية والدعم والحقوق، المدفوعة الثمن. وحتى تتماشى مؤسسة دار الشباب مع خطابها المنثور الواعد بالديمقراطية والحرية، أبدعت السلطات الإدارية بشراكة مع الوزارة الوصية ومدراء دور الشباب، وصفات استبدادية أخرى في طبق من الديمقراطية الماكرة، تفي الغرض وترفع الحرج وتحقق الهدف، بإبداع أعراف وتعقيدات إدارية، تمنع بها تأسيس الجمعيات وترفض طلبات الجموع العامة، وتحاصر الجمعيات الجادة، وتضيق الخناق على الأنشطة الهادفة … دون رقيب ولا حسيب، في خرق سافر للقانون ولكل الأعراف الدولية.

اليوم، لا تخطئ نظرة المتخصص والمراقب لفضاء دار الشباب، وأجوائها وحركيتها الفاترة، عند تقييم سببية المآل، إلى إيعاز نسبة كبيرة منها لاحتكار الداخلية وأجهزتها الاستخباراتية وأعوان السلطة للفضاء، بالتضييق والمراقبة والتفحص والتدخل المباشر في عملية التسيير للمؤسسة والبرمجة. حتى البرامج الخاصة للجمعيات واللقاءات العامة والداخلية تطالها أعين السلطات، مما يجعل التدخل المباشر للسلطات الإدارية في كل صغيرة وكبيرة تخص دار الشباب، يفقدها الشرعية المجتمعية والصفة الأهلية التي أبدع المشرع يوم التأسيس في تحرير أهدافها.