مقدمة

لما كانت أهم قواعد الإسلام الصلاة، والطهارة شرط لصحتها، كان لزاما الحديث عن أقسام المياه إذ الماء آلة للطهارة، قال عليه الصلاة والسلام: “مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم” 1 .

وهذه المياه تستعمل في الطهارة بنوعيها: طهارة الحدث وتختص بالبدن وهي الغسل والوضوء والتيمم، وطهارة الخبث وتكون في البدن والثوب و المكان وهي إما غسل أو مسح أو نضح.

والمياه أنواع ثلاثة: طهور، وطاهر غير مطهر، ومتنجس.

النوع الأول ـ الماء الطهور أو المطلق

هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، ما دام باقياً على أصل الخِلْقة، فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي (اللون والطعم والرائحة) أو تغير بشيء لم يسلب طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي، ولم يكن مستعملاً، مثل ماء المطر والأودية والعيون والينابيع والآبار والأنهار والبحار، وماء الثلج والبرد، ونحوها من كل ماء عذب أو مِلْح، ويشمل الماء الذي ينعقد على صورة حيوان، أو ينعقد ملحاً، أو يرشح ويتبخر بخار ماء؛ لأنه ماء حقيقة.

هذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعاً، يزال به النجس، ويستخدم للوضوء والغسل، لقوله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهوراً 2 ، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به 3 ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم عن ماء البحر: “هو الطهور ماؤه، الحل ميتته” 4 .، وقوله عليه السلام: “إن الماء طهور، لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه” 5 .

وقد يحدث التغير في هذا الماء الطهور المطلق بشوائب لا تسلبه الطَهورية، ويبقى حكمه أنه جائز الاستعمال للعادة والعبادة.

وقال المالكية: لا يضر ما تغير بطول مُكْثه، أو بما يجري عليه، أو بما متولد منه كالطحلب والدود والسمك الحي، أو بما لا ينفك عنه غالباً، أو بالمجاورة، ولا يؤثر تغيره بالتراب المطروح، على المشهور، وبما طرح فيه من الملح ونحوه من أجزاء الأرض كالنحاس والكبريت والحديد، ولو قصداً، ولا بدابغ طاهر كقَطِران، أو بما يعسر الاحتراز منه كتبن أو ورق شجر يتساقط في الآبار والبِرك من الريح، فإذا دبغت الجلود المعدة لحمل الماء كالقِرب والدلاء التي يستقى بها، يجوز الانتفاع بمائها، وإن تغير بأثر الدابغ الطاهر كالقَرَظ والقطران والشب، ولا يضر التغير بالمجاور؛ لأن الماء يتكيف بكيفية المجاور، ومن المجاور: جيفة مطروحة خارج الماء، فتغير ريح الماء منها.

طالع أيضا  دينك فاحفظ!!(10): أنواع خاصة من السجود

ولا يضر التغير الخفيف بآلة سقي من حَبْل أو وعاء، أو بأثر بخور دهن به الإناء من غير دبغ به، أو رمي في الماء، فرسب في قراره، فتغير الماء به، لأن العرب كانت تستعمل القطران كثيراً عند الاستقاء وغيره، فصار كالتغير بالمقَرّ.

كما لا يضر التغير بالشك في جنس المغير، هل هو من جنس ما يضر كالعسل والدم، أو من جنس ما لا يضر كالكبريت وطول المكث، ويجوز التطهر به. وكذا لا يضر المشكوك في تغيره بالريق، كما إذا جعل الماء في الفم، وحصل شك فيه، هل تغير بالريق أو لا، فإنه يجوز التطهير به.

ويضر التغير لأحد أوصاف الماء بالشيء المفارق غالباً: وهو ما شأنه مفارقة الماء غالباً وكان طاهراً، كلبن وسمن وعسل وحشيش، فإذا امتزج به، أو لاصقه، كالرياحين المطروحة على سطح الماء، والدهن الملاصق له، وتغير أحد أوصاف الماء لوناً أو طعماً أو ريحاً، لم يجز التطهر به، ويصبح الماء طاهراً بنفسه، غير مطهر لغيره.

وفي هذا يقول الشيخ محمد البشار في متنه الفقهي ‘أسهل المسالك’ على مذهب الإمام مالك:

وَكُلُّ مَاءٍ نَازِلٍ مِنَ السَّمَا *** أَوْ نَابِعٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ جَارٍ نَمَا
بَاقٍ عَلَى أَوْصَافِهِ أَوْ غُيِّرَا *** مِنْ أَرْضِهِ أَوْ عَلَيْهِ قَدْ جَرَى
أَوْ مُكْثِهِ فَمُطْلَقٌ طَهُورٌ *** يَصِحُّ مِنْهُ الشُّرْبُ وَالتَّطْهِيرُ

النوع الثاني ـ الماء الطاهر غير الطهور

قال المالكية: إن سالب الطهورية الذي يترتب عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث: هو كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالباً، ويغير أحد أوصافه (لونه أو طعمه أو ريحه)، ولم يكن من أجزاء الأرض، ولا دابغاً لإنائه، ولا ما يعسر الاحتراز عنه. مثال ذلك الطاهر المفارق للماء غالباً الصابون وماء الورد والزعفران واللبن والعسل والزبيب المنبوذ في الماء، والليمون وروث الماشية ودخان شيء محروق، والحشيش، أو ورق الشجر أو التبن الواقع في بئر يسهل تغطيتها، والقطران الراسب في الماء لغير دباغ للوعاء والطحلب المطبوخ في الماء، والسمك الميت. فهذه الأمثلة إن غيرت أحد أوصاف الماء، جعلته طاهراً غير طهور. ومثلها المتغير الفاحش بآلة السقي، أو بإنائه، إذا كانا من غير أجزاء الأرض كإناء من جلد أو خشب، وحبل من كَتَّان أو ليف. فإن كان التغير يسيراً، أو استعمال القطران للدباغ، فلا يسلب الطهورية، ولا يضر.

طالع أيضا  دينك فاحفظ!!(11): قضاء الفوائت

وهذا الماء عندهم يصلح للعادة كالشرب والطبخ … و لا يصلح للعبادة.

وفي هذا يقول الشيخ محمد البشار في متنه الفقهي ‘أسهل المسالك’:

وَإِنْ يَكُنْ مُغَيَّرًا بِطَاهِرٍ *** يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِباً كَالسُّكَّرِ
فَطَاهِرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْعَادَهْ *** مِنْ طَبْخٍ أَوْ عَجْنٍ خَلَا الْعِبَادَ

النوع الثالث ـ الماء النجس

وهو الماء الذي شابه أو خالطه شيء نجس و غَيَّره في أوصافه الثلاثة لونه أو ريحه أو طعمه كبول أو عذرة أوروث أو دم… صار هذا الماء نجسا لا يجوز استعماله في عادة ولا عبادة، ولا بأس أن يسقى به زرع أو تشرب منه بهيمة.

وقال المالكية في أرجح الروايات بطهورية الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه، لكنه مكروه، مراعاة للخلاف، كآنية الوضوء وقعت فيها نجاسة زائدة على قطرة.

يقول الشيخ محمد البشار المالكي في متنه الفقهي ‘أسهل المسالك’:

وَإِنْ أُشِيبَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ *** أَوْ رِيحُهُ بِالنَّجْسِ نَجْسٌ حُكْمُهُ
وَكُرْهُ مَا اسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثْ *** كَمَا قَلِيلٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ الخَبَثْ

المراجع

الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج1ص 226-240 طبعة دار الفكر.

كتاب سراج السالك شرح أسهل المسالك للسيد عثمان بن حسنين بري الجعلي المالكي ج1 ص 48-50 طبعة دار الرشاد الحديثة.


[1] أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب.\
[2] الفرقان:48/25..\
[3] الأنفال:11/8.\
[4] رواه أصحاب السنن\
[5] رواه ابن ماجة.\