إن شباب أي أمة هو عصب حياتها، ومعيار تقدمها أو تخلفها، لأن الشباب هو القوة والحماس، فاليوم أكرم الله عز وجل الأمة بشباب استطاع تغيير مجرى التاريخ، استطاع تغيير ما بواقعه من ذل وهوان وظلم واستبداد، قال كلمته بقوة فهزت عروشا كان يخيل إليها أنها خالدة لا يمكن إزالتها، معتمدة على عقلها المدبر، وعلى دراساتها الاستراتيجية، من طرف مراكز تنفق عليها بسخاء.

لكن جاء شباب كله عزم وإصرار، أخذوا الكتاب بقوة، كتاب التغيير كتاب إيقاظ الأمة من سباتها، كتاب العزة والنصر، سندهم الرئيس هو حناجرهم وهتافاتهم، أثبتوا من خلالها وجودهم وقدموا الدرس لمن كان يعتقد أن العرب والمسلمين قد انطوت عليهم الحيلة، وصدقوا الأكذوبة، بأنهم ليسوا سوى تلاميذ للغرب، يستهلكون ويجترون ما يقدمه أساتذة الاستكبار العالمي.

مثل هؤلاء الشباب هم الذين يفتخر بهم النبي صلى الله عليه وسلم بين الأنبياء يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: “تزوجوا الودود الولود إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة” 1 أي مفاخر بكم، أنعم بها من بشارة، ولا يكون الافتخار بالغثاء أو الزبد الذي يذهب جفاء، ولا ينفع الناس.

الغثائية التي حذر منها المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت” 2 . كم بلا كيف.

لكن شباب الثورات العربية، أحب الحرية والكرامة والعزة لأمته، أحب الشهود الحضاري، أحب الرفعة والانعتاق، وطلب الموت في سبيل كل ذلك، فاستحق بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بالافتخار به يوم القيامة على سائر الأمم والأنبياء، فقذف الله في قلوب أعدائه الرهبة والخشية منه، لأنه تخلص من داء الأمم، الداء الذي لا شفاء منه إلا بالتخلص من الخوف المورث للوهن.

هؤلاء الشباب صنعوا مجد أمتهم، هزموا الظلم، وطلبوا الشورى والعدل والإحسان، طلبوا المصالحة بين السلطان والقرآن، طلبوا وصاية الشريعة على الواقع، فتحقق لهم ذلك بعون الله وتيسيره، وسلموا المشعل والقيادة للحركة الاسلامية، فهل ستكون في الموعد مع التاريخ؟

هؤلاء الشباب اشرأبت نفوسهم إلى قيمهم الحضارية، التي لم يشاهدوها تطبيقا عمليا في واقعهم، بل سمعوا عنها من رجال الفكر والفقه والفلسفة… وقرؤوا عنها في المدارس والجامعات…، هذه القيم والأخلاق الحضارية التي حققت الظهور لحضارة الإسلام وثقافته على سائر الحضارات الأخرى، وذلك في عصور الاجتهاد، عصور تعلق الشعوب بحكامها ومسؤوليها، عصور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

العصور التي كان فيها المعروف بناءا حضاريا متينا يسيجه الوازع الذاتي عند الناس، لأن المؤسسات التربوية والاجتماعية والدينية كانت لها منزلتها في المجتمع، وكانت تؤدي دورها في تلاحم تام مع محيطها الاجتماعي، عكس ما عليه الأمر اليوم، حيث أفرغت هذه المؤسسات من محتواها، وأصبح دورها مقتصرا على إعطاء الشواهد الدراسية. أوراق شكلية فارغة من المضمون.

وفي مقابل هذا الشباب الرسالي، نجد شباب مسخ فكره، وضعف شعوره الديني، وضعف معه الانتماء لحضارته العربية والإسلامية، قال الله عز وجل في حق هذا الخلف: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً 3 . تأثر تحت وطأة الفقر والجهل والذل والمهانة التي تعيشها أمته، فانسلخ بفعل فاعل من كل القيم والأخلاق، الرافعة للإنسان من مستوى البهيمية والحيوانية إلى مستوى الانسانية الواعية برسالتها الاستخلافية.

وما نلاحظه اليوم في واقعنا من مظاهر إخلال التوازن الجنسي والجمالي في الخلق، دليل على ما نقول، وذلك بتشبيه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، سواء في اللباس أو طريقة الكلام أو حتى الحركات، أو تغيير خلق الله بالعمليات التجميلية قال صلى الله عليه وسلم: “لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء” 4 .

ولا يخفى ما في ذلك من إخلال بالوظيفة العمرانية، وتهديد للوجود الانساني، وما يجره هذا التشبيه من ضعف الحياء أو قل رفع الحياء ونسيانه، وتدن للأخلاق والقيم، مما ضعف معه الانتماء الحضاري لشبابنا.

فهذا الصنف من الشباب غفل عن قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم 5 فهاته إشارة قرآنية وعاها من وعاها وغفل عنها من غفل، وعاها الصنف الأول من الشباب الذي تحدثنا عنه في بداية هذه المقالة، فرفض الذل والمهانة لأنه فقه التكريم الرباني له، وغفل عنها الصنف الآخر، الذي لم يصله هذا النداء الرباني، فتدنى في دركات الحيوانية، منبهرا بالحضارة الغربية وما أنتجته من نظريات ومناهج ليست لنا القدرة على تحصين شبابنا منها، أو تفنيدها، أو قراءتها وإعادة توجيهها بما يوافق حضارتنا الإسلامية، كالشيوعية والدروينية… واليوم نسمع عن عبدة الشيطان والمثلية وأكلة رمضان… وما جرته على شبابنا من تشويه للقيم واستهتار بالمبادئ.

فالشباب ضرورة استرتيجية لنهضة الأمة، تحتاج إلى من يأخذ بيدها إلى بر الأمان، فالشباب الاسلامي اليوم ضحية ومذنب في نفس الوقت، ضحية تشويه فكري ممنهج من طرف حضارة الاستكبار العالمي، ومن طرف حكام ومسؤولي البلدان العربية والإسلامية، ومذنب لأنه لم يقف في وجهها ويقاومها.

إن المنتظر من الشباب المسلم اليوم أن ينقذ نفسه وأمته من حافة الموت والتخلف الحضاري، تمهيدا للشهادة على العالم وتخليصه من سلبيات الحداثة والتحضر الرديء، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى القيم الأخلاقية والحضارية لأمته، التي فيها قوته وعزته وكرامته.


[1] مسند الامام أحمد.\
[2] سنن أبي داود.\
[3] مريم: الآية 59.\
[4] رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس.\
[5] سورة الاسراء 70.\