أجرت جريدة العلم، في عدد22287 ليوم الأربعاء 16 ماي 2012، حوارا علميا مع الدكتور محمد سلمي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول واقع التعليم في المغرب، وأزماته المتوالية، وأسباب فشل خططه الإصلاحية، ولغة التعليم، وقيمة القيم في العملية التعليمية… وغيرها من المواضيع الهامة في موضوع التربية والتعليم.

نعيد نشره لما فيه من فوائد هامة:

عرفت منظومة التربية والتكوين بالمغرب برامج إصلاحية متعاقبة، لكن هذا التعاقب لم يحدث تراكما نوعيا، من وجهة نظر سوسيولوجية أين تكمن العلة في استعصاء الحل؟

ـ تجسد البرامج الإصلاحية للتعليم بالمغرب درجة الاضطراب والارتجال اللذين تعرفهما كثير من مؤسسات الدولة. وعندما يتعلق الأمر بمجال التعليم فتلك جناية عظمى، أن تصبح الأجيال الناشئة فئرانا لمختبرات تجرب فيها الحكومات المتعاقبة اختياراتها الإيديولوجية، أو تفرض عليها إسقاطا لنظريات واختيارات مستنبثة في بيئات أجنبية. إن أهم منطلق لتأسيس تعليم متين بناء إجماع وطني على الاختيارات العقدية والفكرية المؤسسة لقيم المواطنة بالمغرب. حينها تكون الجهات المسؤولة عن قطاع التعليم قادرة على الإجابة عن السؤال المركزي: من نحن، وماذا نريد؟ وحينها تكون الإصلاحات وسائل وأدوات للتطوير دون المساس بجوهر الهوية والقيم والتفوق والنبوغ. إن الغموض الذي يكتنف التوجهات العامة لسياسة الدولة، ولسياسة التعليم بصفة خاصة، راجع بالأساس إلى العجز عن الإفصاح عمن نكون وماذا نريد؟ من نحن إذن؟ مغاربة، عرب، أمازيغ، مسلمون، لائكيون، حداثيون، فرنكفونيون،…أي تعليم نريد؟ ينبغي تحرير التعليم من الأطماع الأجنبية، ومن نزوات اللوبيات المحلية أو المدعمة خارجيا، ومن الأطماع والمصالح الخاصة، ومن المزايدات السياسوية الضيقة.

ما أوجه الانحسار التي طالت ما عملت على إرسائه المدرسة في مرحلة سالفة؟ ولماذا هذا الانقلاب الملحوظ في وظائفها التربوية المركزية؟

ـ كان بعض المغاربة ينشدون بعيد الحماية الفرنسية تعليما مرتكزا على ما سمي بالمبادئ الأربعة: “المغربة والتعريب والتعميم والمجانية”، وهي مرتكزات تترجم نوعا من الوطنية ذات أفق ضيق إلى حد ما. إذ ما المانع من الاستعانة بأطر يابانية أوماليزية أوتركية أوأمريكية… إذا تحررت إرادتنا وتأكدت رغبة من يمتلك القرار في بناء تعليم متين؟ أما قضية التعريب فنجاحها يرتبط بوجود دولة عربية قوية تقود قاطرة عربستان، أو بتوحد الجهود وصدق إرادة هذه البلدان في النهوض بلغة من شأنها أن توحد المكونات العرقية المحلية، بل وأن ترسم معالم المستقبل للعالم الإسلامي. وهذا أمل لم يتحقق بعد، وأنا له ذلك في ظل أنظمة استبدادية انقلابية أو عشائرية لم ينفع معها غير مكنسة الربيع العربي. لقد ظن بعض وطنيينا أن مسار ظهير الأحوال الشخصية في المناطق ذات العوائد البربرية قد انتهى بقراءة اللطيف وقتها. ونسوا أنها سنة تدافع مستمر مع مكر امبريالي، يستغل شعور الأمازيغي بالتهميش والغربة في وطنه، ليبني مشاريع تقسيم مالي وليبيا، كما قسم العراق والسودان (وفي المشروع بقية)… وينشأ كيانات جديدة في وقت توحدت فيه أوروبا رغم غياب ما يجمعها غير حرية الإرادة وبغية المصلحة. لقد أفضت المزايدات السياسية وهشاشة موقف الدولة إلى فرض ست لغات على التلميذ الأمازيغي: أمازيغية في البيت وأخرى في المدرسة، وعربية في القسم وأخرى في الشارع، وفرنسية وإنجليزية إن سئل بهما وهو في مستوى الباكالوريا: “إقرأ” أجاب: “ما أنا بقارئ”. أي مضمون سيتعلمه هذا الطفل بست لغات وثلاثة أشكال من الكتابة (الحرف العربي واللاتيني وتفيناغ)؟؟؟ ما هكذا يرد الاعتبار للأمازيغ وأطفال أنفكو يموتون بردا، وشباب تنغير بجوار الفضة المنهوبة يلقون حتفهم في قوارب الموت، حيث البطالة والمرض والبؤس. أما التعميم فقد تحقق فيه الكثير وإن على حساب الجودة. فكأنما أريد للتعليم الحكومي، على غرار قطاع الصحة، أن يكونا في درجة أدنى من نظيريهما في القطاع الخاص. لترفع الدولة يدها تدريجيا عن قطاعين أساسيين في بناء الأمم، وبذلك تلغي مبدأ المجانية. وقد أبقت على وصاية متردية على القطاع الخاص في التعليم دون الصحة، فلم تترك للخواص حرية التنافس من أجل الأفضل. عندما يخطط المسؤولون الكبار لتعليم لا يعني أبناءهم ولا أحفادهم، ويتبعهم في ذلك من دونهم درجة في المسؤولية، إلى أن يبلغ الأمر تسجيل الأستاذ لأبنائه في مدرسة خصوصية عوض المدرسة الحكومية التي يشتغل فيها، فهذا مؤشر على إفلاس التعليم الحكومي، وأن هذا النوع من التعليم قد انتهى. فهل تستطيع الدولة أن تفتح الباب أمام المجتمع المدني للعمل الخيري التطوعي في مجال التعليم ليلج أبناء الفقراء مدارس حرة (بكل معاني الحرية المسؤولة)؟ أم أن باب التعليم الخصوصي سيظل حكرا على النخبة لإعادة الانتاج وتكريس الطبقية، ودون البؤساء تعليم حكومي مترد يفضي إلى الأزقة والشوارع؟

هذا يجرنا للحديث عن الأدوار والوظائف الجديدة للمؤسسة التربوية وعلاقتها بمؤسسات اجتماعية أخرى، هلا تفضلتم بذكر بعض منها؟

ـ لابد للنهوض بالتعليم في المغرب من ثلاثة مسارات: تعليم حكومي تتحمل الدولة مسؤوليتها في توفيره لكافة المغاربة مع ضمان شروط الجودة، وتعليم خصوصي يفتح فيه مجال التنافس، وينحصر تدخل الدولة فيه على ضوابط القيم مع توحيد الشهادات والامتحانات، وتعليم حر تطوعي خيري على غرار ما درج عليه المغاربة حين كانوا يخصصون أوقافا لخدمة طلاب العلم والمعرفة، وإسكانهم وإيوائهم… ولم يكن وقتها يخطر على بال المحسنين أن أوقاف المسلمين ستفوت للخواص، أو توجه لغير ما أوقفوها لأجله. إن الجديد في أدوار ووظائف المؤسسة التربوية ينبغي أن يكون على ضوء مستجدات كرة أرضية أضحت شبيهة بقرية صغيرة. فكل تعليم لا يؤهل خريجيه لأن يكونوا مواطنين محبين لوطنهم، أكفاء للدفاع عنه وضمان مكانته في الصدارة بين الأمم، تعليم فاشل يزرع اليأس والإحباط، ويكرس الدونية، ويوهم الأجيال أن التخلف والتردي قدر محتوم لا مفر منه، وأن التبعية والذيلية هي حظنا في تقسيم الأرزاق بين الأمم. وكل تعليم لا يعد خريجيه ولا يؤهلهم لولوج منصب في المجتمع، والقيام بدور يضمن للفرد الكرامة والاعتبار، تعليم ينقصه التخطيط والتوجيه، ويطغى عليه الارتجال والعشوائية. والمؤسسة التربوية جديرة بأن تكون في محور العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع ومؤسساته الاجتماعية وغيرها. إذ يفترض أن تكون على صلة دائمة بالأسرة، وبالمسجد، وبالنخب العلمية والاقتصادية والسياسية…

يؤكد الدكتور المهدي المنجرة في كتابه “قيمة القيم” أن القيم من أهم عناصرالتعليم ومرتكزاته، لكن ما يلاحظ في المدرسة المغربية تأثر العلاقات الإنسانية سلبا، وغلبة الطابع السلبي على تمثلاتنا، وأصبحت مؤسساتنا أمكنة للعنف والتعصب والأنانية عوض التسامح وقبول الآخر، كباحث سوسيولوجي كيف تنظرون إلى الأمر؟ وما المداخل الكفيلة بالحد من مثل هذه الظواهر؟

ـ لقد أشرت آنفا إلى دور القيم إذ هي أس الأسس في بناء الأمم، ورسم أفق تعليمها وتربيتها. وإن المتتبع لسياستنا في التعليم لن يحتاج إلى كثير من الذكاء ليكتشف هشاشة التلفيق بين شعارات الأصالة والمعاصرة، أو بين الحفاظ على الهوية مع الانفتاح على العالم. إن الانفتاح على العالم لم يعد اختيارا تتحكم فيه الدول القوية بله الضعيفة. وإن المعاصرة والحداثة لا تصنعها الأمم المتخلفة. ومن هنا تكون العملية قد حسمت: أن تكون أو لا تكون، ذاك هو السؤال المطروح، كما قال شكسبير to be or not to be, that is the question. الكينونة لا تتأت بالشعارات فقط. لقد رفعنا شعار “لنغير سلوكنا” للحد من حوادث السير، وهذا شعار جيد. لكن الدركي المكلف بالسهر على تطبيق الشعار لم يغير سلوكه في أخذ الرشوة. والطبيب لم يغير سلوكه، إذ يعتبر المريض زبونا لا إنسانا ولا مواطنا… وكل هذا من إفرازات تعليم يفتقر إلى جرعة أساسية من القيم. وفاقد الشيء لا يعطيه. فما تنشره وسائل الإعلام عن تفشي المخدرات والعنف والجريمة في قلب مؤسسات ينتظر منها أن تكون مصدرا لعلاج الأدواء الاجتماعية كلها، كفيل بأن يستوقفنا لنسأل أين نحن وإلى أين نمضي ونسير؟ إن ديننا الإسلامي مدخل مهم للغاية في النهوض بالقيم، ومن شأنه أن يشكل الإضافة النوعية التي نساهم بها في الركب الحضاري الإنساني المعاصر. لكن دون بلوغ ذاك المرمى عقبات من جملتها جهل العامة، وعجز العلماء، والمواقف المتطرفة لنخب بلا جذور des élites déracinés ترسخ في أذهانها الربط بين الدين والرجعية والاستبداد السياسي، فأعماها عن إدراك جوهر القيم الإسلامية. فهي لائيكية متطرفة، أكثر من تطرف النخب الفرنسية مقارنة مع مثيلاتها في العالم الغربي.

في محاضرة لكم مؤخرا أشرتم إلى مفارقة غريبة قلما يتم الانتباه إليها: سابقا كان لكل من المدرس والمتعلم محفظة، محفظة الأول تتميز بثقل وزنها وكثرة كتبها وأدواتها، فيما كانت محفظة المتعلم خفيفة الوزن وقليلة الأدوات، الآن انعكست الصورة ففي المرحلة الابتدائية يشكو الكل مما أصبحت عليه محفظة المتعلم في حين أنه في الجامعة وأيضا الثانوي نكاد نجزم أن لكل تلميذ دفترا واحدا ووحيدا، كيف تفسرون الأمر؟

ـ طبيعي جدا أن تتغير الأدوات المدرسية وكافة أدوات ووسائل التعليم، وتتطور بتطور العصر. ولا ينبغي أن يدفعنا الحنين إلى الماضي وذكرياته إلى المطالبة بالوقوف أمام التطور في زمن التكنولوجيا المعلوماتية الرهيبة. لكن استحضار أدوات الأمس يختزل الكثير من التمثلات، والسلوكات ذات الدلالة العميقة. كانت محفظة الأستاذ كبيرة الحجم كمحفظات العدول وسعاة البريد. تجمع له دفاتره وجذاذاته، وكتبه المدرسية، وفروض التلاميذ، وبها مقلمة جامعة مانعة، وعند البعض “أفعى بلاستيكية” أو مطاطية، أو سلك كهربائي… أداة عقاب تستعمل عند الضرورة للترهيب والزجر. وأما التلميذ فأدواته بسيطة: دفتر ولوحة وكتاب مدرسي ومقلمة، والكل في محفظة، يحافظ عليها كبير الأسرة من الأبناء ليسلمها لمن خلفه. فبإمكان أبناء الأسرة جميعا أن يتعاقبوا تباعا على استعمال النسخة الواحدة من الكتاب المدرسي، والمحفظة… وقد يستفيد معهم الجيران في ذلك. رحم الله أحمد بوكماخ ورفاقه. ثم جاء زمان أصبح فيه التأليف المدرسي عرضة للمتاجرة والزبونية. ولإرضاء المؤلفين-التجار أضحى لكل مدرسة مقرر مدرسي خاص بها، لا تختاره إدارة المؤسسة، ولا دخل للأباء فيه، لكن تفرضه الدوائر العليا في سياق فتح المجال “للحجامة ليتعلموا في رؤوس اليتامى” كما يقول المثل المغربي. فإذا بالطفل يفتتح ولوج المدرسة بمحفظة يكاد وزنها يفوق وزنه، ويكسر ظهره. فهذه واحة الفنون، وذاك رحاب اللغات، وفضاء العلوم… وهلم جرا. ستون مادة تتسابق كلها لجعل أبنائنا عباقرة العالم في خمسة أيام بدون معلم… هدر للأموال والطاقات، وعبث في عبث. وإذا ما انتهى المشوار وجدت “المخرجات” تتحدث عرنسية أو عربية “أكلوني البراغيث”. أما في المستويات العليا فتنوب محلات النسخ عن الجميع بتمائمها التي عمت الآفاق، وما لم يجب عنه “كوكل” “Google” عبر “copier-coller” أجابت عنه تقنيات “bluetouth” وغيرها من أساليب الغش في الامتحانات. إنها نواقيس خطر حقيقي تدق فهل من آذان تسمع؟