حُكم الله

وعلاقة المسلمين باليهود يحددها حُكم الله في وحيه المقدس أولا ثم ثتبتها السلوكات العدوانية المتجذرة في العقلية اليهودية على مر التاريخ البشري، ويشهد بذلك كبار علماء ومفكري وفلاسفة العالم. ويظل الخطاب المنهاجي للأستاذ عبد السلام ياسين على تمام الوفاء لروح القرآن وتمام المطابقة لتعليمه، ينظر من إزاء القرآن وبمنظار القرآن) دون إغفال ما راكمه التاريخ البشري من معطيات ووقائع وحِكم وحقائق حول طبيعة التفكير الصهيوني ليكون حُكم الله فيهم (أي في اليهود) وغضبه عليهم ولعنته إياهم دستورنا في التعامل معهم) 1

الأصل في الموقف من ظلم وكفر وعتو وإفساد اليهود هو موقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أولا ثم الذين اتبعوهم واهتدوا بهديهم وساروا على منهاجهم. فطغيان وعلو الذين كفروا من بني إسرائيل تقابله مقاومة شرفاء البشرية وعلى رأسهم النبيئون والمرسلون والعلماء العاملين وكل المؤمنين الصادقين.

السلام الكوني

أما موقف الإسلام فقد كان واضحا منذ البداية، حيث حدد القرآن الكريم حُكم الله في العاقين من بني إسرائيل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 2 . يقول الأستاذ ياسين: نحن نرحب بكل تعاون مع الذين “قالوا إنا نصارى” إذا ما استثنينا الجدل اللاهوتي العقيم. فلنعرض إذن عن نقطة الخلاف هاته ولنجلس معا لتدارس الوضع العالمي الحالي، ومناقشة السبل الكفيلة بتنقيته إذا ما تضافرت جهود ذوي النيات الحسنة. فرغم أن لَوْنَ سماءينا ليس واحداً، إلا أن أرضنا واحدة، وفوقها نعالج مشاكل عاجلة: البؤس المادي والمعنوي، والإفساد الذي يمارس على البيئة، ومصير الأطفال والأقليات ثم الحروب، والقائمة طويلة. )فلنجلس معاً لمعالجة هذه المشاكل، علنا نمتِّعُ كل بلد في العالم، كل شعب بل كل إنسان بل كل كائن بالإحسان العالمي، بالسلام الكوني، بمحبة الآخر، بكل فضيلة يحض عليها شرعنا ويأمر بها كتابكم. )ألم يستقبل النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أتباع عيسى عليه السلام القادمين من نجران؟ ألم يؤوهم في مسجده الشريف، ثاني الحرمين، ويقعد معهم يحاورهم على تربته الطاهرة؟ )في كتابنا آيات تتلى وستظل تتلى إلى قيام الساعة تحضنا على المعاملة الحسنة للذين قالوا إنا نصارى، لكن فيه آيات أخرى تحذرنا من كل جاحد كفور خاصة إذا كان يهوديا) 3 .

ابتلاء أمة

لا يملك العقلاء إلا أن ينددوا بما فعله هتلر في حق اليهود لأن إهدار دم ضحية بريئة واحدة -يهودية كانت أم غير يهودية- مرفوض في ديننا الإسلامي) 4 مثلما لا تسعف أهل المروءة من العالمين أخلاقهم وعقلانيتهم أن يسكتوا عن جرائم اليهود في حق المسلمين. وما أبشعها من جرائم. هتلر ظالم واليهود أظلم وأطغى.

طالع أيضا  الصهيونية: الأسس الفكرية والتآمر الغربي 4/3

لقد أيقن الصهاينة منذ البداية أن سكّان فلسطين يرفضون التخلي الطوعي عن الأرض، لذلك ومنذ بداية توافدهم على الأرض الفلسطينية عملوا بكل طاقتهم للقضاء على مقاومة أهل الأرض بالتنسيق مع الاستعمار البريطاني صاحب المشروع ومركزه لقمع أي محاولة تعبير عن النفس والمطالبة بالحقوق. لكن ذلك لم يمنع من تجدد المقاومة الشعبية التحريرية والتي عرفت أشكالا متعددة من النضال ضد المشروع الاستيطاني المتوحش.

واجه اليهود الثورة الفلسطينية بتأسيس ميليشيات/عصابات يهودية مسلحة بهدف القضاء على مقاومة السكان الأصيلين ومن أهم هذه العصابات الهاجاناه والارجون. فبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، زعم البعض أن 6 مليون يهودي تمت إبادتهم على يد القوات النازية مما خلّف آلاف اليهود مشتتين في دول العالم، تواطأت الصهيونية مع حكام أوربا للضغط على المواطنيين الأوربيين اليهود حتى ما يبقى أمامهم من حل سوى الرحيل باتجاه الأرض المراد اغتصابها من أهلها الأصليين. وهذا ابتلاء.

عامل ذاتي

عامل ذاتي أساسي حال دون تكافؤ المواجهة بين المسلمين واليهود، واذكر إن شئت مصيبة 1948، بلية 1956، طامة 1967، كارثة 1973)، حيث أظهرت الهزائم العربية أمام دويلة إسرائيل مدى تفكك المجتمعات العربية ورعونة حكـوماتها، حقائق مؤلمة! فبعد خيـانة القـادة الذين سلحوا جنودهم سنة 48 ببنادق معطوبة وذخائر فاسدة، غابَ الجنرالات المصرية عن ميدان القتال أثناء هجوم إسرائيل الصاعق سنة 67 وانهمكت في لذاتها الآثمة. قد تكون تلك آخر فرصة لتحارب مصر الدولة الصهيونية نِدّاً لندٍّ إذ كان العم سام يستعد للدخول إلى الميدان) 5 .

خاتمة وبشارة

الصهيونية باعتبارها فكرة عنصرية انتقامية إقصائية لا تكتفي بمغالطة الغرب بصدد ما تعرض له اليهود –وكأنهم وحدهم- من مجازر، بل سكنت روحها الجسد الغربي وصممت على المغامرة بمستقبلها لما يسعى حُماتها إلى احتلال أراضي ثلاثمائة مليون عربي والاستيلاء على اقتصادهم غير مهتمين بالدعم المقدم غدا من المليار ونصف المليار مسلم الذين سيدركون مدى أهمية الرهان الفلسطيني ويهبون لتلبية نداء إخوتهم) 6 .

لم يكن موقف مرشد العدل والإحسان من الحركة الصهيونية بدعا من موقف ثابت أثله تاريخ النبوة على طول مساره في مواجهة الظلم والباطل والفساد، كما لم يقصد من هذا الموقف الواضح إيغار الأحقاد في القلوب، وإنما يقصد التذكير بالله عز وجل وبالحق المنزل الخالد في الحُكم على بني إسرائيل… يأتي في اعتبارنا حسبان السياسة واحتلال فلسطين ومذلات الهزائم في المرتبة الثانية، بعد اعتبار سنة الله وعناصرها الموحى بها مسبقا من كون اليهود جرثومة الفساد ومادته، كانوا كذلك لن ينفكوا كذلك إلى يوم الفصل) 7 .

المسلمون يريدون السلام الحقيقي لا سلام الأوهام، وَهْمَ خارطة الطريق ووهم والشرق الأوسط الكبير ووهم الاتحاد من أجل المتوسطي و…، أوهام تمهد لإسرائيل الكبرى عبر استضعاف أمة مسلمة مسالمة مترامية الأطراف، لها دين ولها تاريخ ولها قوام ولها رجال ونساء، ولها حقوق، ولها مستقبل عزة وتمكين بحول الله وقوته.

طالع أيضا  الصهيونية: الأسس الفكرية والتآمر الغربي 4/1

لا بد من اندحار الطمع الصهيوني وزوال كيان الغصب والاحتلال تصديقا للبشارات الربانيبة والنبوية، وتوافقا مع سنة الله في تداول الأمم والحضارات، والأسوار مصيرها الانهيار مهما كانت عالية) 8 . ولا بد من مواجهة الغطرسة اليهودية الاستكبارية والقوى المتحالفة معها، لكن بفهم راشد وجامع قادرعلى فحص “التحريف اليهودي ومادته التاريخية”. بعد معالجة المسلمين غثائيتهم واستيعاب القضية استيعابا يستحضر أن الصراع الدائر إنما هو بين الإنسان المادة “الصهيوني”، والإنسان السر “الفلسطيني”. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهود من وراء الحجر والشجر. فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله. إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود” رواه الإمام أحمد ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة.

يقول الأستاذ ياسين: يجب ألا نمني أنفسنا بالأحلام وننتظر انهيار المعتدي بفعل سحر خفي! يجب أن نفهم ونتحرك! علينا فهم التاريخ والاستعداد لموعود الله بالشرط المذكور في القرآن:)ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين 9 . هذه الآيات نزلت بعد هزيمة المسلمين في أحد، لكن القرآن ليس تسجيلا لأحداث محدودة بزمن معين، بل هو كلام الله الحي الذي ينطبق على كل “الأيام”، الذي يعد المؤمنين بالعلو بعد الهزيمة وبالعز بعد الذل. فقد دامت مملكة أورشليم التي أسسها الصليبيون قرنين كاملين ثم طرد الفرنجة وتفككت الإمارات الصليبية التي كانت متناثرة في العالم العربي) 10 .

واليوم نلاحظ تراجع أحلام التمدد الجغرافي للصهيونية، وسقوط أسطورة من الفرات إلى النيل)، وإن لم تغب الدعوة العنصرية للتطهير العرقي، التي دعا إليها هرتزل في كتيب “الدولة اليهودية”. مثلما نلاحظ انتشار الصحوة الإسلامية على أوسع نطاق، واستبشارها بغدٍ يجيء فيه الحق ويزهق فيه الباطل. يعم السلام الحقيقي الذي يتشوف إليه العالم ويخنس الظلم والفساد. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم ينزل سيدنا عيسى الناصري عليه السلام فيحكم بالعدل حتى تمتلئ الأرض عدلا كما ملأت جورا.

طالع أيضا  قد نخطئ في التحليل ولكن ينبغي ألا نتيه

قال الشاعر: 11 ستون عاما على نـفيٍ ومضيــعة *** مخيـمات تُديــن الصمــت تعتـرض
ونحن مؤتمـرات الخزي سُــلوتنا *** هُم شـرَّدونا ونحـن العُـرْبُ نَمْتَعِــض
وهم أتوا من شَتات الأرض يَجمعهم *** هـمٌّ ووَهْـمٌ وميعــاد لـه نَهضـــوا
في سبعة بعد ستيـن انتَشَـوا فرحاً *** عشـرون عـاما وعِـزُّ العُـرْب يَنْقرِض
من بعد عشرين أخرى صادروا علَناً *** منَّا الوجود فضــاع الشعـب والحَفَض
حكـامُنا سـاوموا لم يَظْفروا بندى *** والعهد عند اليهـود المُسْـخ يُنْتقـــض
لا حَـل يُـرجى بتطبيـع ومهـزلة *** القــول مرتفــع والفـعل مُنْخَفِـض
يفاوض الصُّمَّ يشهـى منْهمُ عَرَضاً *** أَذْلِلْ بمن طلبوا أَبْخِسْ بمن عرضـــوا
والحق يعلو ولا يُعْلَى عليه غــدا *** فسِــرْ إليه وجفن العيــن مُغتَْمـض
وعد الخــلافة حق صادق شهدت *** به بشــائر دان قطفــها نَفَــض
صـلوا على المصطفى الــهادي وعِتْرتــه *** مــا حـن شـوقا إلى أبطالــه الرَّبَــض
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.


[1] نفس المرجع، ص 65.\
[2] سورة آل عمران، 21.\
[3] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى 2000، ص140.\
[4] نفس المرجع، ص128.\
[5] نفس المرجع، ص126.\
[6] نفس المرجع، ص129.\
[7] عبد السلام ياسين، سنة الله، الطبعة الثانية، مطبعة الخليج العربي، تطوان ص65.\
[8] صحيفة معاريف، مقال جاد شمرون، بتاريخ 28 يناير 2008.\
[9] سورة آل عمران، الآيات 139-140.\
[10] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى 2000، ص131.\
[11] مقتطف من قصيدة للشاعر المغربي منير الركراكي نُشرت بموقع الجماعة يوم 29/05/2008، بتصرف.\