لطالما طفا إلى السطح في حديث بعض مسؤولينا التأكيد على القطيعة مع الماضي وسياساته البائدة التي لا تُشرف الإنس ولا الجان، وكان التأكيد خصوصا على مجال حقوق الإنسان وما يشهده من تقدم يحتدى به ويُصفّق له في جميع الأروقة المعتمدة وطنيا بل حتى دوليا.

يا سادة يا كرام أعيروني أسماعكم وأذهانكم لدقائق حتى نرى الفرق بين الفعل والقول في بلدنا الحبيب.

نقف مع الشاب ياسين مهيلي المحرر مؤخرا من سجون الظلم، ياسين الذي عرفه الجميع بأخلاقه وسعة صدره وسلميته الفائقة البادية عيانا حتى من طريقة كلامه اللَّبقة. لم يكن ياسين مُروّج مخدرات ولا صاحب صالة قمار وخمر ولا قاطع طريق أو ممن نراهم يتجولون في مدينتنا بلا حسيب ولا رقيب، بل كان ذنبه الذي لا يُغتفر أنه طالب بحقه في الشغل بشكل سلمي من داخل إطار ناضل لشهور وتعرض للقمع الشرس دون أن يخرج عن طابعه النضالي السلمي.

فكان الفاتح من غشت 2011 الذي عمدت فيه السلطة بمدينة آسفي إلى الضرب بيد من حديد على يد المعطلين الذين أصبحو يشكلون همّا يوميا بازدياد خرجاتهم واحتجاجاتهم السلمية المختلفة، وكان ياسين مهيلي من بين الضحايا المعتقلين ظلما في هذا اليوم، حيث شهده أصدقاؤه وهو يرفع يديه إلى السماء مكبَّلتين بتلقائية تعبيرا عن سلمية نضاله مُعتبرا أنه سيلاقي من معتقليه المعاملة اللائقة بمن لم يقترف ذنبا ولم يحرك ساكنا بل كل ما فعله أنه وقف يدافع بحنجرته عن حقه في الشغل ولكن هيهات هيهات! فقد تعرض ياسين لحظة اعتقاله مباشرة لقمع شرس ليجد نفسه مرميا في دهاليز الضابطة القضائية بولاية الأمن حيث بدأت فصول من سنوات الرصاص تعود (إن هي ذهبت أصلا) لتَحُط رحالها في زماننا. ومما يحكيه ياسين من بشاعة ما تعرض له لا يوجد إلا بمعتقل غوانتنامو أو أبو غريب: كل أشكال الضرب والاعتداء وبكل الطرق، بل وصل الأمر إلى الاغتصاب بالعصي والصعق الكهربائي في المناطق الحساسة حيث لم يجد ياسين آنذاك حتى الفرصة ليلتقط أنفاسه فيقول إنه لم يرتكب جُرما ولم يتجاوز قانونا. استمر هذا الوضع ساعات طوالا لتختتم جريمة التعذيب بالإرغام على التوقيع العشوائي على محاضر لا يعلم محتواها إلا من فبركها بمقاس يجعل المُوقّعَ عليها يأخذ تذكرته الشخصية إلى السجن مباشرة.

خلّف هذا التعذيب آثاره العميقة على ياسين مهيلي حيث بفرط الضرب تزحزحت إحدى فقرات عموده الفقري لتمنعه من الحركة السليمة بل لم يَعُد يقوى حتى على الكلام رغم أنه يوم اعتقاله كان سليما معافى.

فهلا أخبرتمونا ياسادة عن أي حقوق إنسان تتكلمون ولأي أي تغيير تُطبّلون؟ هل في دفاتر حقوقكم يعاق السليم تعذيباً في مخافر الشرطة أم في مقررات عدلكم يُسجن المظلوم دونما حاجة للتَّأكُّد مما اقترفه؟ وما الدافع لاعتقاله؟ إن كان هذا دَيْدَنُكم فعلى الحقوق السلام ولنصل صلاة الجنازة على الغائب توديعا لضمائركم الميتة ووعودكم الموؤودة.

للتذكير فقط

نفس طرق التعذيب لاقاها كل المعتقلين في ذات الملف وملف معتقلي 20 فبراير بأسفي، فقط كان ياسين مهيلي الأوفر حظّاً وإلا فمخلفات تلك الأيام العصيبة بادية على جميع المعتقلين.

طلب في الختام

ندعو كل الهيئات الحقوقية الوطنية والدولية إلى تبني ملف المحرر ياسين مهيلي تحملا للمسؤولية، فإن كان الصمت والتغاضي هو الجواب من طرف المسؤولين الذين يعلمون علم اليقين الجلاّد وتاريخه، فإنه لمن خوارم تاريخ نضالكم الحقوقي أن تسكتوا وأنتم تشاهدون إنسانا يعتقل قويا معافىً فيخرج مريضا معاقاً.