تحل في منتصف هذا الشهر الذكرى الرابعة والستون لنكبة الأمة في أرض فلسطين وفي شعبها المظلوم. تحل هذه الذكرى لتتجدد فينا الحسرة على ما أصابنا في أرض الإسراء من كرب ومن بلاء طال أمده عشرات السنين، ولتنكأ فينا الجرح النازف هوانا بين الأمم، واستضعافا وفرقة وتشتتا وشرودا عن مصدر العزة ومنبع الكرامة وسر القوة التي يمثلها دين الله العظيم.

الآلاف من الأسرى والأسيرات، وعشرات الآلاف من الشهداء والشهيدات، ومئات الآلاف من الجرحى والجريحات، وملايين من المهجرين والمبعدين والمشردين في شتى بقاع الدنيا بعيدا عن أرضهم ووطنهم، وتخريب بشع لديار الفلسطينيين وطمس وتهويد متعمد مخطط له لآثار الشعب الفلسطيني أرضا وعمرانا وثقافة ومقدسات على أعين العالم، بله العرب والمسلمين الذين يتربع على ظهورهم حكام نجحوا، في أحسن الأحوال، في السكوت المقيت عن جريمة ابتلاع أرض وشعب فلسطين المباركة المقدسة، وفشلوا، في جميع الأحوال، في إقناع شعوبهم بصدقهم في السعي إلى استنقاذها من أنياب ومخالب العدو الصهيوني المؤيد بحبل من قوى العالم الغربي المتواطئ.

وكان من الممكن أن تطوى هذه القضية المقدسة وتطمس وتمحى من ذاكرة الأمة إلى الأبد لولا أن قيض الله تعالى لها رجالا ونساء وحركات وطنية وإسلامية حملت لواءها نضالا وجهادا وكفاحا باسمها، وقدمت الشهداء والأسرى والجرحى والمبعدين من أجلها. أجيال تتلو أجيالا من المجاهدين والمجاهدات مضوا ويمضون قوافل لا يندرس لها أثر على الدرب الدامي، سعيا إلى اليوم الذي تصلي فيه الأمة في الأقصى وباحاته، وتتخلص فيه القدس من أغلال الاحتلال إلى الأبد، ويسترجع المشردون أراضيهم ودورهم وممتلكاتهم وسيادتهم عليها.

تحل ذكرى النكبة في ظل المعركة الكبيرة التي يخوضها الأسرى في سجون الاحتلال الغاصب، معركة الإضراب عن الطعام التي تُظهر من الشعب الفلسطيني المجاهد البطل وجها آخر من إشراقه وعظمته وصموده ومظلوميته التي تعكسها معاناته من آلام التعذيب والتنكيل ومرارة التفتيش وعذابات الحبس الانفرادي المرير.

إن حيوية الشعب الفلسطيني المجاهد، وتجديده أساليب مواجهته للاحتلال البغيض، وإصراره على الصمود من أجل التحرير بنفس طويل، وصبره على ما يُحرِّق كبده من صمت ونكوص وخذلان الممسكين بأزمّة الحكم في الأمة… إن كل هذه الأوجه، من عظمة هذا الشعب المصابر، هي، بعد وعد الله الحق، علامة النصر، وسر القوة، وضمانة التحرير.

والله غالب على أمره. وما النصر إلا من عند الله.