مقدمة

تعد فرنسا من الدول الخمس (العظمى)، صاحبة حق الفيتو، الذي تؤثر سياساته الخارجية بشكل قوي على مجريات الأحداث الدولية، خاصة ما يتعلق منها بالشرق الأوسط. دور فرنسا لا يقل أهمية عن دور الولايات المتحدة الأمريكية، بل ربما هو أشد وأقوى. لقد شهدت هذه الانتخابات الأخيرة لسنة 2012، التي وصفها الكثيرون بالمثيرة، نظرا لاحتدام الصراع فيها بين المرشحين، مفارقات كبيرة منها حصول اليمين المتطرف لأول مرة على هذه النسبة العالية من التأييد بنسبة 20٪، هذا الحزب الذي يرفع شعار فرنسا للفرنسيين ويتبنى مواقف عدائية ضد الأجانب خاصة المسلمين، معتبرا إياهم خطرا مستقبليا يهدد مبادئ الجمهورية اللائكية. أيضا الخسارة التي مني بها ساركوزي في الطور الأول من المرحلة الانتخابية وهذا الأمر يعتبر فريدا في نوعه مند نشوء الجمهورية الخامسة على يد “شارل ديغول”.

هذه المتغيرات الجديدة، تصور للمتتبع أن هذه الانتخابات فيها شيء من الاستثناء بالنسبة للشعب الفرنسي، على المستوى الداخلي وأيضا في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، خاصة وأن حزب اليسار لم يصل إلى سدة الحكم مند عهد الرئيس “ميتيران”. لكن ما يغيب عن الأذهان هو أنه رغم ما يحصل من تناوب ديمقراطي على السلطة هناك، فإن التجربة الفرنسية تقول بأن فوز أي من المرشحين ليس في الحقيقة ذا أهمية، لأنهما ليسا إلا وجهين لعملة واحدة ألا وهي “اللوبي الصهيوني” الذي يتحكم في دواليب النظام ويدير رحى الحكم مند أمد بعيد، ترجع جذوره إلى الجمهورية الأولى من القرن 18.

مبدأ اللائكية.. مكسب صهيوني

شكلت ثورة 1789 نقلة كبيرة في تاريخ فرنسا، خاصة وما عانته من تشتت سياسي واجتماعي قبل حدوثها، جاءت إذن هذه الثورة العنيفة التي أحرقت معها الأخضر واليابس لسنوات طوال، رافعة شعار “الحرية – الأخوة – المساواة”، لكن رغم قوتها إلا أن الأمور لم تشهد قطيعة حقيقية مع الملكية أو الكنيسة. إنما صيغة أشكال اتفق عليها لم تطمس كليا النظام القديم. هذا ما تمثل في نشوء مصطلح الجمهورية، دلالة على أن الأمر لم يعد بيد الملك وحده إنما أصبح للشعب الحق في الحكم والسيادة. لكن هذا النظام الجديد لم يولِّد استقرارا سياسيا كما يتصوره كل متحمس لهذه التجربة، على سبيل المثال تم استحداث الجمهورية الثانية وانتخاب لويس نابليون بونابارت رئيسًا لها. لكن في 2 ديسمبر 1851 قام نابليون بانقلاب وانفرد بالسلطة بعد إعلان قيام إمبراطورية فرنسا الثانية وتنصيب نفسه إمبراطورا. 1 وكذلك فعل ابنه بل وحفيده أيضا …

هنا نقف وقفة تأمل في التاريخ المعاصر وفي مجريات الأحداث، من أجل استشفاف حقيقة سبب تبني اللائكية الفرنسية في هذا البلد الذي كان ينعت سابقا بـ”أم الكاثوليكية” الشديد التدين، المتمسك بجذوره النصرانية. بعد الثورة تم حفظ صلاحيات الكنيسة ومصادرة الأموال الطائلة التي كانت بحوزتها، فانتهى بذلك الصراع بينها وبين المواطنين. كانت العلاقات الودية بين الدولة الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية قد انقطعت إبان الثورة. ولما تولى نابليون الحكم رأى أن المصلحة تقتضي إعادة التفاهم بين الكنيسة وفرنسا. وبعد مفاوضات استمرت عدّة أشهر، عقد مع البابا “پيوس السابع” معاهدة بابوية في سنة 1801، فاعترف نابليون في هذه المعاهدة بالبابا رئيسًا للكنيسة وأزال بعض القيود التي فرضتها الثورة على رجال الدين. ومقابل ذلك اعترف البابا بمصادرة أملاك الكنيسة على أن تدفع الدولة رواتب رجال الدين. ووافق البابا كذلك على أن يختار نابليون الأساقفة وأن يُعين هؤلاء رجال الدين الذين هم دونهم. وبهذا الاتفاق عادت المياه إلى مجاريها بين فرنسا والبابا. 2

أصبح العداء الأكبر هو بين اليهود والكاثوليكية التي كانت وإلى غاية بداية الستينات، تقر وتؤمن بجريمة اليهود في قتل المسيح وبعدَ الكثيرِ من الضغوطِ والمناوراتِ، نجحَ اليهودُ في 28 نوفمبر 1965م، في استصدارِ وثيقةِ التبرئةِ من (الفاتيكان)، في ختامِ دوراتِ المجمع، وأعلنَ قرارَ التبرئةِ البابا (بولس السادس).

إن المستفيد الأكبر من الثورة الفرنسية هم اليهود، حيث حصلوا على حقوق مساوية للنصارى فأصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى، مثلهم مثل أي مواطن فرنسي داخل التراب وخارجه. فمثلا تم إعطاء يهود الجزائر – التي كانت مستعمرة أنداك من قبل فرنسا – الجنسية الفرنسية وبذلك أصبحت لهم نفس حقوق المستعمر.

لم تصبح القطيعة بين النظام الفرنسي والدين في شخص الكنيسة الكاثوليكية أمرا واقعا بتبني اللائكية إلا في سنة 1905. كان السبب المباشر في هذا هو قضية “ألفريد تريفوس” التي هزت المجتمع الفرنسي خلال اثني عشر عاما، من 1894 وحتى 1906.

ألفريد هذا، جندي فرنسي يهودي اتهم بتجسسه لصالح الألمان، لتتم محاكمته ولتسحب منه رتبته في الجيش، ثم تم نفيه إلى جزيرة “الشيطان” في غينيا الفرنسية. حينها تأثر الشارع الفرنسي كثيرا وتولد الحقد الدفين ضد اليهود، أدانته بشدة الكنيسة الكاثوليكية التي كانت ترفض سابقا وبشدة مساواة اليهود مع باقي المواطنين. وهذا ما شكل فرصة تاريخية للصهيونية لكي تحقق بذلك انتقامها من الكنيسة، فالنفوذ الصهيوني كان الأقوى وتمكن من فرض إعادة محاكمته وتبرئته من تهمة الخيانة العظمى بل وإعادته إلى وظيفته السابقة. ليبرز بعد حين كبطل في الحرب العالمية الثانية بقيادته الجيش ضد ألمانيا..

استُغل الحادث إعلاميا في التسويق لمظلومية المواطن اليهودي، على سبيل المثال رسالة “إني أتهم” مقالة لإميل زولا، الصادرة في عام 1898 (كانت دليلا قويا لمظاهر السلطة الجديدة، على نطاق واسع في فرنسا، للمثقفين الكتاب والفنانين والأكاديميين في تشكيل الرأي العام والتأثير علي وسائل الإعلام والدولة. سلطة المثقفين استمرت فترة طويلة حتى الثمانينات وإن كانت وصلت الذروة في الستينات في عهد جان بول سارتر وألبير كامي). 3 في 1905 تحررت الحياة السياسية الفرنسية من أي تدخل ديني في شؤونها. المس بيهودي واحد هو مس بالأمة الفرنسية كلها (جاك شيراك).

بعد الإعلان عن استقلال بلدان المغرب العربي، سارعت أعداد كبيرة من اليهود إلى الاستقرار في فرنسا ورفض معظمها السفر إلى “إسرائيل”، بدعوى أنها تفضل الإقامة هناك وإمداد “إسرائيل” بالعون المادي والمعنوي. لم لا وقد أصبح هذا البلد العريق بلا دين ولا هوية؟ إن النفوذ الصهيوني في فرنسا خطير إلى درجة كبيرة ويتحكم في الحياة العامة سياسيا وإعلاميا.. وهذا ما علق عليه مؤسس الجمهورية الخامس شارل ديغول حين قال: في فرنسا لوبي قوي يمارس ضغطه في مختلف مجالات المجتمع الفرنسي خاصة في وسائل الإعلام.)

لم يكن الرئيس ديغول “الوحيد الذي تيقن في قرارة نفسه من الخطر المحدق بسبب تحكم اللوبي الصهيوني في اللعبة السياسية بفرنسا.)“ديستان كان أكثر حماساً لمبدأ الاستقلالية ولسياسية التوازن (أذكره جيداً لأنه كان أول رئيس دولة قابلته في سياق عملي الصحفي)، أذكر جيداً أنه لم يبد مرتاحاً في نهاية جولة بدأها بالمغرب وأنهاها بالأردن مروراً بدول خليجية، بحثاً عن دعم عربي في مواجهة الحملة التي كان يشنها ضده اللوبي اليهودي منذ عام 1979، ليس فقط عبر اليسار الفرنسي، الذي يخوض ضده الانتخابات الرئاسية وإنما عبر تنظيمات يهودية بحتة منها ما هو يميني.)وعاد إلى فرنسا ليجد الحملة المنظمة المبرمجة تستعر والشوارع تكتسي بملصقات يحمل إحداها صورة انفجار نووي وتحته: “أوزيراك، جيسكار هو السبب” وآخر يحمل صورة لديستان ينظر بالمنظار إلى مكان ما وتحتها عبارة: “جيسكار ينظر إلى إسرائيل من الأردن”.) 4

إن حرية التعبير مضطهدة في فرنسا باسم القانون. ممن عانى ولا يزال يعاني من سياسة تكميم الأفواه، الفنان الفرنسي dieudonne الذي برز في السنوات الأخيرة بفنه الساخر مما يسمى “معاداة السامية” ومن الأكاذيب التي تتم حياكتها عن واقع الصراع العربي الإسرائيلي، من أجل خلق رأي عام معاد للمسلمين. فتم حظر ظهوره نهائيا في وسائل الإعلام الرسمية، التي يحتكرها اللوبي الصهيوني، بل تم منعه حتى في بلداننا العربية لنفس السبب!!! في يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2009 – 08:00 نشر موقع “هسبرس” المغربي مقالا بعنوان ديودوني “ممنوع من العرض في المغرب (ونقلت يومية الجريدة الأولى عن مصدر مطلع على ملف الحفل عدم استبعاده أن تكون جهات لم يحددها بالاسم وراء منع ديودوني من إحياء حفله بالمغرب مضيفا أن هناك جهات تقف ضد ديودوني لإحياء حفلات في فرنسا، ربما هذه الجهات لها امتداد أيضا في المغرب وكانت وراء منع الحفل).

هكذا إذن واقع الحرية في بلد يضرب بثورته المثل ويسوق على أنه صانع الديمقراطية. لكن السؤال المطروح هنا هو: إلى متى سيستمر هذا الحال؟ وهل ستصمد قوة اللوبي الصهيوني أمام تنامي وعي المجتمع الفرنسي الذي أصبحت له مصادر يطلع فيها على الحقائق؟ فقد بات من المستحيل عزله عن أخبار العالم العربي، خاصة وأنه أصبح من الصعب على النظام الحفاظ على مستوى معيش مستقر للأفراد في خضم تنامي الأزمة الأوربية، حيث زاد عدد العاطلين في فرنسا، منذ تولي الرئيس ساركوزي سدة الحكم، بأكثر من 747 ألف شخص وفقا لتقديرات المتخصصين، الذين يقولون إن هذه الأعداد تزيد على المليون شخص إذا أضيف إليها العاملون لبعض الوقت في مؤسسات البلاد

فرنسا والعالم العربي

العالم الثالث لا شيء ولكنه يريد أن يكون شيئا)، مقولة شهيرة للمفكر الفرنسى ألفريد سوفيه. وقد كان أول من استخدم مصطلح العالم الثالث فى إحدى مقالاته الاقتصادية سنة 1952. وإن السياسة التي أريد لفرنسا تبنيها مع العالم العربي الإسلامي، هي حماية الكيان الإسرائيلي. في ظل حفظ هذه المصلحة، يمكن خلق علاقات ودية أخوية باسم الصداقة، يحكمها الولاء والطاعة للمستعمر القديم، من أجل الاستفادة من هذا السوق الكبير الذي يمتص البضائع بشكل هائل. قال ساركوزي: نحتل المرتبة الأولى في المغرب العربي. وبما أنني أصررت مع وزرائي لاستقبالكم في الاليزيه فهذا يظهر الأهمية التي أعلقها على العلاقات بين فرنسا والعالم العربي لأنني أرغب في القول لرئيس الجامعة، ثمة وحدة في العالم العربي ولكن هناك عوالم عربية. الاعتراف بتنوع العالم العربي ليس إهانة لأحد… أؤمن كثيراً بعبارة التنوع… لقد عشتم هذا التنوع منذ قرون. ولا سبب يحول دون ذلك، ولهذا فإن فرنسا متمسكة بدرجة عالية بلبنان، وبكمال العراق ووحدته، ناضلت فرنسا كثيراً للإبقاء على عراق موحد، ولوجود دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية لأن كل ذلك يساهم في مفهومنا للتنوع… التنوع غنى. إنه غنى عندنا، وغنى في العالم العربي. أقول ذلك وأنا أفكر بكل ما يجري من معاناة وألم خصوصاً بالنسبة لبعض المسيحيين. وأقول هذا لأنني أعتقد بأن العالم العربي كان دائماً منفتحاً على الخارج، وعليه أن يستمر كذلك. وما من سبب لكي ينغلق. وإلا سيكون في حالة إفقار وضعف، هذا ما أفكر به بعمق،…) 5

ما يجري من معاناة وألم خصوصاً بالنسبة لبعض المسيحيين؟؟؟ أما معاناة الفلسطينيين فهو لا يؤمن بها!!!

خلال السنوات الأخيرة، أصبح باديا للعيان مدى تزايد جرأة الدعاية الصهيونية في المنابر السياسية والإعلامية، من أجل صنع رأي عام معاد للمسلمين في فرنسا وأوربا عامة. هذا العداء المتزايد هو علامة خوف ورعب من تأثر المواطن الأروبي، الفرنسي خاصة، بالإسلام وأخلاقه. الخوف من استفاقة قوم ضلوا عن هويتهم ودينهم.

إلى ذلك الحين لا يمكن أبدا المراهنة على أن بلوغ أي كان لقصر الإليزيه سيغير شيئا، لأن البلد تمسك بتلابيبه مخالب صهيونية. في ظل هذا الواقع سيكون من الصعب على فرنسا حل مشاكلها الحقيقية التنموية والاجتماعية، بل إن بقيت مستمرة في سياستها التي تتبنى العنصرية والكراهية، فإنها ستنزلق نحو المزيد من الفشل، وهذا ما ظهر بشكل جلي خلال فترة حكم ساركوزي الذي كان يتباهى بأنه هو من سيؤسس الجمهورية السادسة، ليتبين بعد حين أنه مجرد كلام في الهواء.


[1] الموسوعة الحرة.\
[2] الموسوعة الحرة.\
[3] الموسوعة الحرة.\
[4] مجلة رؤية (الجمهورية الخامسة بين الاستقلالية واللوبي اليهودي).\
[5] مقتطفات من خطاب الرئيس ساركوزي في الذكرى الـ 40 لإنشاء غرفة التجارة الفرنسية ـ العربية.\