في البداية أود أن أذكر القارئ بأن إشكالية الهوية استنفدت مجهودات كبيرة واحتد حولها نقاش عريض نظرا لأهميتها القصوى في فهم العديد من القضايا التي ظلت أسئلة بدون جواب، ومن بينها نذكر قضية التنمية التي غلبت عليها إشكالية الأدلجة كلما قدمت للنقاش، وباتت مفهوما فضفاضا يثير العراك والجدال.

قبل سبر أغوار هذا الموضوع والنفاذ إلى عمقه، أريد أن أقف عند المعنى الاشتقاقي والاصطلاحي لكل من مفهوم الهوية والتنمية لكي أنير بذلك الطريق لمقاربة هذا الموضوع بنوع من الحياد ألأكاديمي بالرغم من أن إشكالية الموضوعية تعتبر في حد ذاتها العائق الابستمولوجي الذي يرافق الباحث أينما حل وارتحل.

لمحة تعريفية حول مفهومي “الهوية والتنمية”

الهوية في أول الأمر هي الإجابة عن سؤال فلسفي تداولته تأملات الفلاسفة والمفكرين الإغريق الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الحقيقة بعد أن اتضح لهم ذلك، لكن أضحت في نظرهم تأملات فلسفية لا يمكن غض الطرف عنها لأنها الأس الحقيقي الذي تنبني عليه الحقيقة الفلسفية. السؤال الذي طرح آنذاك مفاده: من أكون؟ أي أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ماهية الفيلسوف والمفكر آنذاك.

لكن ما حمي عليه الوطيس في يومنا الحاضر، هي المحددات الأساسية لمسالة الهوية ولدورها في بناء الإنسان ماديا ومعنويا لكي يحافظ على كرامته وحقوقه المشروعة، لأنها، في تقديري، هي النقطة الساخنة التي أرهقت المفكرين. فهناك من يقارب الموضوع من واجهة مجاليه محضة، وآخرون ينظرون إليها بعيون دينية وثقافية أحيانا كثيرة. وبات مفهوم الهوية يعيش نوعا من التيه الأكاديمي خلال تحديده.

وبالرغم من كل هذه النقاشات، يبقى المفهوم واضحا لا يتطلب كل هذه المزايدات الأكاديمية.

أما بخصوص مفهوم التنمية فلا يقل أهمية عن سابقه خلال التحليل والمقاربة، إذ يعتبر من المفاهيم التي استعصت على الإحاطة والتسييج، وباتت مفهوما تتحكم فيه الذاتية والمرجعية. فالخطابات الرسمية تقاربه متقيدة بما يخدم مصالحها وأهدافها، وآخرون يحاولون الحديث عنه بنوع من الحياد، إلا أنهم سرعان ما يجدون أنفسهم في فخ الذاتانية، وبذلك تنعدم الموضوعية.

لكنه بشكل عام يقصد بالتنمية مجموعة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تطرأ على مجتمع معين وتشمل في بعض الأحيان طبيعة تفكير هذه المجتمعات.

إفريقيا للأفارقة…

هذه الكلمات قالها الرئيس النوميدي “ماسينيسا”، منذ زمن طويل، وإن كان يعني بها شيئا أخر. فالمنطوق والمفهوم من هذا الكلام هو أن احترام الخصوصيات السوسيوثقافية، والتشبث بالأصول، هو الباب الرئيسي لتحقيق طفرة نوعية في أي مجال من المجالات، وأقصد بالخصوص التنمية المحلية.

وما جرى للمنتخب الوطني المغربي في العرس الكروي الإفريقي بالغابون لخير دليل وأبلغ مثال، لأن من يتحكم في دواليب تسييره لم ينطلق من الأصول، فحرم الوصول، وأصبح بذلك عبرة ودرسا لا يمكن أن ينساه التاريخ، لأنه أصبح حدثا ذات قيمة ما دام يصور لنا حقيقة الحكامة المزيفة بالمغرب، كما كان كذلك درسا بليغا في سياسة الجعجعة بلا طحين.

في مقابل ذلك كان المنتخب الزامبي قد حقق نجاحا باهرا، في مسرحية كروية كان عنوانها الأبرز: “مدى تشبثك بهويتك يحدد مصيرك”.

فالأمر ينطبق على كل المجالات بدون استثناء. فالتعليم على سبيل المثال ظل يعيش أزمات تلو أخرى وآخرها بيداغوجيا الإدماج التي تم توقيفها بعد أن صرفت عليها أموال طائلة، مع العلم أنها فشلت بفرنسا وتم نقلها عن طريق كزافي إلى المغرب لتصطدم بواقع أكثر تأزما من سابقه، فأين انتم أيها المغاربة من تدبير المعاش والمشاركة في اتخاذ القرار؟

في الختام وبعد هذه المقدمة ذات الطابع الإشكالي وجدت نفسي مرغما على طرح بعض التساؤلات التي أعتبرها مدخلا تمهيديا لفهم قضية الهوية والتنمية:

– من تكون لكي تنمي؟

– التنمية والهوية أية علاقة؟

– ما هي حدود فهمك للتنمية؟

– ما هو واقع التنمية في حاضرك؟

– كيف تنظر الى التنمية بدون الأسس الهوياتية؟