قد عرفت مما تقدم من وحي الفاتحة، أن الصراط النبوي الهادي إلى مقاصد الدين، عبادة وأخوة وعمرانا، هو صراط التربية: قدوة ربانية تزكي وتدل على الله، ودعوة قرآنية تعلم الكتاب والحكمة. وقد علمت أن هذه التربية تقتضي حمايتها مما يسعى في خرابها؛ من أجل ذلك شرع الجهاد تنظيما وزحفا، وكتب القتال وهو كره لا تميل إليه شريعة الرحمة؛ إلا بقدر ما تقتضيه ضرورة الدفع والحماية، وحفظ الدين والأرض من الفتنة والفساد.

فما الداعية إلى الدفع والقتال؟

إنه سعي الظالمين في خراب العبادة الربانية والأخوة الإنسانية والعمران الأخوي؛ من أجل ذلك وجب دفعهم وجهادهم؛ فانظر كيف يفصل القرآن آياته في بيان ذلك:

الكفر والسعي في خراب العبادة الربانية

لُعنت هذه الفتنة التي يوقظها الكفر بالله؛ ثم يوقد نارها، لتحرق المؤمنين، وتصد عن سبيل الله؛ ثم لاتزال تقاتلهم حتى تردهم عن دينهم؛ فكيف لايدافعون عن أنفسهم، وهي الخبيثة مؤْذنة بخراب بنيان العبادة الربانية.

تفَقّد هذا المعنى في هذا البيان:

1. الكفر وفتنة الصد عن سبيل الله والمسجد الحرام وإخراج أهله منه

قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ سورة البقرة الآية 217.

وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ33وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ34 إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ سورة الأنفال.

2. الكفر وفتنة مشاقة الله ورسوله

قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ12 ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ13 سورة الأنفال.

طالع أيضا  في ذكرى الرحيل: الشيخ أحمد ياسين .. الرجل والقضية

وقال تعالى: وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ3ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ4 سورة الحشر.

شَاقُّوا اللَّهَ أي أولياءه. والشقاق: أن يصِير كل واحد في شِق. والمشاقّة المعاداة 1 .

وقال تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ 32 سورة محمد.

وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ أي عادوه وخالفوه. مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ أي علموا أنه نبيّ بالحجج والآيات 2 .

3. الفتنة وغاية الرد عن الدين

قال تعالى: وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ217 سورة البقرة.

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ149 بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ150 سورة آل عمران.

العداوة والبغضاء والسعي في خراب الأخوة الإنسانية

ينكثون أيمانهم، وينقضون عهودهم، ويخونون الله ورسوله، حسدا من عندأنفسهم؛ فتعسا لهم لاينتهون. ولتجدنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، يطعنون في دينهم، ولا يرقبون فيهم إلا ولاذمة؛ فكيف لايدفع المؤمنون قوما يسعون في تقطيع أرحام الأخوة الإنسانية؟!.يقطعون ما أمر الله به أن يوصل فكان منهم :

1. النكث والطعن في الدين

قال تعالى: وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ12 أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ13″ سورة التوبة.

2. والنقض والعدوان على المؤمنين

قال تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ7 كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ8 اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ9 لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ10 فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 11 سورة التوبة.

طالع أيضا  الجهاد (3).. الحكمة

وقال تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 55الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ56فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ57 سورة الأنفال.

3. والخيانة

قال تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ58 سورة الأنفال.

قال النحاس: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه. والمعنى: وإما تخافنّ من قوم بينك وبينهم عهدٌ خيانةً فٱنبذ إليهم العهد، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم، وأنا مقاتلكم؛ ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك؛ فيكون ذلك خيانة وغدراً. ثم بيّن هذا بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ}) 3 .

الاستضعاف والبغي والسعي في خراب العمران الأخوي

بغي واستضعاف؛ غايته الرد عن الدين، أو العدوان على المومنين، أوخراب العمران الأخوي؛ فكيف لايقاتَلون وهم ظالمون؟!

اقرأ هذا البيان من القرآن:

1. الظلم والعدوان

قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.

2. قتال الظالمين من الكافرين جزاء قتالهم و إخراجهم ومكرهم

قال تعالى: وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين190وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ سورة البقرة.

وقال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ30 سورة الأنفال.

والمكر: التدبير في الأمر في خفية. ومعنى «لِيُثْبِتُوكَ» ليحبسوك؛ يقال: أثبتّه إذا حبسته. وقال قتادة: «لِيُثْبِتُوكَ» وثَاقاً. وعنه أيضاً وعبدِ الله بن كَثير: ليسجنوك. وقال أبَان بن تَغْلِب وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد 4 .

طالع أيضا  الأدب جهاد

3. قتال الظالمين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية

قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ29 سورة التوبة.

4. قتال الطائفة الباغية من المؤمنين حتى تفيء إلى أمر الله

قال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ9 سورة الحجرات.


[1] تفسير القرطبي.\
[2] تفسير القرطبي.\
[3] تفسير القرطبي.\
[4] تفسير القرطبي.\